في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد غير مسبوق في الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، جاء التأكيد المشترك للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله الثاني على ضرورة الوقف الكامل للحرب والرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين، ليحمل أبعاداً تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، ويعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر المرحلة على القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي برمته.



أولاً: دلالة التوقيت  حين يصبح الصمت تواطؤاً
لا يمكن قراءة هذا الموقف بمعزل عن المشهد العام للحرب على غزة، حيث بات واضحاً أن استمرار العمليات العسكرية لم يعد مرتبطاً بأهداف أمنية معلنة، بقدر ما أصبح أداة لإعادة هندسة الواقع السياسي والديموغرافي الفلسطيني. فحجم الدمار، واتساع رقعة الاستهداف، والانهيار شبه الكامل للمنظومة الإنسانية، كلها مؤشرات على أن الحرب تجاوزت حدود «الردع» إلى سياسة كسر إرادة جماعية.

من هنا، فإن تأكيد القاهرة وعمّان على الوقف الكامل للحرب يمثل رسالة سياسية مباشرة بأن استمرار النزاع لم يعد شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، وللنظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي الإنساني.

ثانياً: رفض التهجير  خط أحمر قانوني وسياسي
يشكل الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين جوهر هذا الموقف المشترك، ليس فقط من زاوية التضامن السياسي، بل من منظور قانوني صارم. فالتهجير القسري، سواء من قطاع غزة أو من الضفة الغربية، يُعد جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف الرابعة، وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

والأخطر من ذلك، أن التهجير لا يُقوّض فقط الحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين، بل يستهدف تصفية القضية الفلسطينية ذاتها، عبر فرض وقائع ديموغرافية جديدة تمهّد لإغلاق ملف حق العودة، وتقويض أي إمكانية حقيقية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

إن موقف مصر والأردن في هذا السياق يعكس وعياً بأن القبول الضمني أو الصمت إزاء مشاريع التهجير يعني نقل الأزمة من غزة إلى الإقليم، وتحويلها إلى صراع مفتوح مع تداعيات أمنية وسياسية لا يمكن احتواؤها.

ثالثاً: ما بين الأمن القومي وحماية القضية الفلسطينية
لا ينفصل الموقف المصري الأردني عن اعتبارات الأمن القومي لكلا البلدين. فمصر، التي تتحمل عبئاً إنسانياً وسياسياً على حدودها مع قطاع غزة، تدرك أن أي سيناريو للتهجير يمثل تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي ولدورها الإقليمي. والأردن، الذي يستضيف ملايين اللاجئين الفلسطينيين، يرى في مشاريع التهجير محاولة لإعادة إنتاج «الوطن البديل» بصيغة جديدة.

لكن الأهم، أن هذا الموقف يضع القضية الفلسطينية في قلب معادلة الأمن الإقليمي، ويؤكد أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر القوة العسكرية أو فرض الأمر الواقع، بل من خلال معالجة جذر الصراع: الاحتلال وغياب العدالة.

رابعاً: مسؤولية المجتمع الدولي اختبار المصداقية
في ظل هذا المشهد، تبدو مسؤولية المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن والقوى الكبرى، مسؤولية أخلاقية وقانونية قبل أن تكون سياسية. فالاستمرار في إدارة الأزمة بدل حلها، والتعامل مع الحرب كحدث عابر، يضرب مصداقية النظام الدولي، ويعزز منطق الإفلات من العقاب.

إن الدعوة إلى وقف الحرب، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ليست مطالب إنسانية فحسب، بل التزامات قانونية نصت عليها قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، والتي لا يجوز إخضاعها لموازين القوة أو الحسابات السياسية الضيقة.

خامساً: رسالة إلى المستقبل
يحمل الموقف المشترك للرئيس السيسي والملك عبد الله الثاني رسالة واضحة:
لا سلام بلا وقف للحرب، ولا استقرار مع التهجير، ولا مستقبل للمنطقة دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يقوم على إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

في لحظة يتراجع فيها صوت العدالة، ويعلو فيها منطق القوة، يعيد هذا الموقف التذكير بأن الشرعية الدولية ليست خياراً انتقائياً، وأن القضية الفلسطينية ستبقى معياراً أخلاقياً وسياسياً لاختبار صدقية العالم في الدفاع عن القانون والإنسان.

الدستور الأردنية

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة التهجير الاحتلال غزة الاحتلال رفح التهجير مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القضیة الفلسطینیة هذا الموقف

إقرأ أيضاً:

تحرك عربي إسلامي موحد.. 8 دول تدين اقتحامات الأقصى وتطالب بتحرك دولي عاجل ضد الاحتلال

أدان وزراء خارجية جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إندونيسيا وجمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية والمملكة العربية السعودية ودولة قطر، بأشدّ العبارات التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، خاصّة استمرار الاقتحامات الحاشدة للمستوطنين بقيادة وزراء إسرائيليين متطرفين للمسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، تحت حماية قوات الشرطة الإسرائيلية، ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته، ونصب الشرطة الإسرائيلية خيمتين، وبقية الأعمال الاستفزازية الأخرى.

وأكدوا أنّ هذه الأعمال التصعيدية وغير المقبولة تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والوضع القائم التاريخي والقانوني في الأماكن المقدسة في القدس الشرقية المحتلة.

كما يستنكر الوزراء ويدينون بأشدّ العبارات الأعمال غير القانونية والمتطرفة المتمثّلة في التحريض والدعوات لحشد الاقتحامات، وأعمال العنف التي يرتكبها الوزراء والجماعات الإسرائيلية المتطرفة.

وحذر الوزراء من أنّ هذه الأعمال الاستفزازية تغذّي الكراهية والتطرف، وتعرقل الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم على أساس حل الدولتين.

وأضافوا أنّ القيود المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس وأماكن العبادة فيها، إلى جانب القيود التمييزية والتعسفية على الوصول إلى سائر أماكن العبادة في البلدة القديمة، تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، والمحاولات غير القانونية لتغيير الوضع القائم التاريخي والقانوني.

وأكّد الوزراء أنّ لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة أو أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية.

كما أدان وزراء الخارجية استمرار الانتهاكات والإجراءات المُمنهَجة التي تنفّذها إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، والهادفة إلى تغيير الطابع التاريخي والقانوني والديموغرافي لمدينة القدس الشرقية المحتلة، والنيل من حرمة ومكانة أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية. ويعيدون تأكيد رفضهم القاطع لأيّة محاولات لتغيير الوضع القائم التاريخي والقانوني في القدس وأماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية، ويشدّدون على ضرورة الحفاظ عليه، مع التأكيد على الدور الخاص للوصاية الهاشمية التاريخية في هذا الشأن.

وجدد الوزراء التأكيد على أنّ كامل مساحة المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، البالغة 144 دونمًا، هي مكان عبادة خالص للمسلمين، وأنّ إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة كافة شؤون المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، وتنظيم الدخول إليه.

ودعا الوزراء إسرائيل بصفتها القوة القائمة بالاحتلال إلى الرفع الفوري للقيود المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس، والامتناع عن عرقلة وصول المصلين المسلمين إلى المسجد الأقصى المبارك.

كما دعوا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم يُلزم إسرائيل بوقف انتهاكاتها المستمرة وممارساتها غير القانونية بحق الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وانتهاكاتها لحرمة هذه الأماكن المقدسة.

اقرأ أيضًالقاء مصري - برازيلي في مانيلا لبحث الشراكة الاستراتيجية والتحديات الدولية

وزير الخارجية يلقي محاضرة بجامعة الفلبين حول السياسة الخارجية المصرية

وزير الخارجية لبلومبرج: مصر تسعى لحل دبلوماسي بين واشنطن وطهران

مقالات مشابهة

  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: مؤتمر القدس بالقاهرة جاء لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي
  • تحرك عربي إسلامي موحد.. 8 دول تدين اقتحامات الأقصى وتطالب بتحرك دولي عاجل ضد الاحتلال
  • رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية
  • ولادي طبعًا | شمس البارودي تبكي على الهواء بسبب هذا الموقف
  • تسريب يفتح باب التساؤلات حول صراع داخل القيادة الإيرانية في لحظة حرجة
  • السعودية تمهد لمرحلة مفصلية في اليمن وسط عودة العليمي إلى عدن
  • تعز تشهد حشدًا جماهيريًا دعمًا لمجلس القيادة الرئاسي ورفضًا للانقلاب الحوثي .. تقرير موسع
  • سمير التقي: تصريحات روبيو تعكس يأس ترامب من التوصل لاتفاق مع إيران
  • رفض عربي واسع لتهديد الحوثيين السعودية والملاحة البحرية
  • دوران: غزة أوضح مثال على التهجير القسري