أكدت الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، على أنه لا سياسة مناخية فعّالة دون أساس علمي رصين، مشيرة إلى مُضي مصر قدمًا في إعداد الخطة الوطنية للتكيف (NAP) بدعم من صندوق المناخ الأخضر وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مستهدفة الانتقال من مرحلة تشخيص المخاطر إلى مرحلة حلول التكيف القابلة للتنفيذ.

جاء ذلك خلال كلمة الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، فى الاجتماع التنسيقي مع المراكز البحثية التي تعمل على إعداد دراسات تقييم مخاطر المناخ فى إطار مشروع "اعداد الخطة الوطنية للتكيف مع المناخ في مصر" (NAP) بالتنسيق مع الوزارات المعنية، وذلك على هامش فعاليات أعمال الورشة التعريفية للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، بحضور المهندس شريف عبد الرحيم الرئيس التنفيذي لجهاز شئون البيئة، والسيدة تشيتوسي نوجوتشي الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP والدكتور محمد بيومى مساعد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وقد حضر الإجتماع الأستاذة ياسمين سالم مساعد الوزيرة للتنسيقات الحكومية والدكتور صابر عثمان رئيس الإدارة المركزية للتغيرات المناخية، والدكتور خالد فهمي، المدير التنفيذي لمركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية وأوروبا (سيداري)، والأستاذ الدكتور شريف محمدي رئيس المركز القومي لبحوث المياه، والأستاذ الدكتور محمد مسعود رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، والأستاذ الدكتور حسام شوقي رئيس مركز بحوث الصحراء، والسيد اللواء هشام طاحون رئيس الهيئة العامة للأرصاد الجوية، والاستاذ الدكتور ماهر المغربى نائب رئيس مركز البحوث الزراعية، والفريق البحثى من المراكز البحثية وهم الدكتور وائل خالد هيئة الارصاد الجوية، الدكتور محمد على فهيم مركز البحوث الزراعية والدكتورة هند فروح مركز بحوث الإسكان والبناء، ود محمود رشدي مركز البحوث المائية والدكتور هشام العسكرى استشارى تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وأوضحت د. منال عوض، أن أحد مكونات الخطة تركز على إعداد تقييم شامل لمخاطر تغير المناخ على القطاعات المختلفة، بما يدعم دمج التكيف في التخطيط الوطني، حيث يُعد ذلك أمرًا حيويًا لمصر باعتبارها من أكثر الدول تضررًا من تغير المناخ.

وأشارت الدكتورة منال عوض، إلى أهمية دور المراكز البحثية المحوري الذي يتجاوز البحث العلمي الأكاديمي إلى دور استراتيجي، والذي يقوم على ثلاث ركائز واضحة، أولها تقديم تقييمات علمية دقيقة تستند إلى أحدث معايير ونماذج الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وتحويل البيانات المناخية إلى خرائط مخاطر واضحة وقابلة للاستخدام في صنع القرار، كما تعمل على تطوير حلول تكيف محلية نابعة من الواقع المصري، تراعي الخصوصيات البيئية والاقتصادية، وتستجيب لاحتياجات المجتمعات الأكثر هشاشة، إضافة إلى تعزيز التكامل بين القطاعات، لضمان اتساق إجراءات التكيف في المياه والزراعة والأمن الغذائي والتنمية العمرانية مع حلول متقدمة لمواجهة الأحداث الجوية الجامحة وبناء نظم الإنذار المبكر اللازمة للحد من الخسائر والأضرار المناخية.

وأكدت الدكتورة منال عوض، على التزام وزارة البيئة بتقديم الدعم الكامل وتيسير تبادل البيانات للمراكز البحثية، لافتة إلى أن مخرجات اللجنة ستشكل المرجعية العلمية التي سيتم الاستناد إليها في مخاطبة جهات التمويل الدولية وتحويل الخطة الوطنية للتكيف إلى مشروعات تنموية خضراء، مؤكدة أن هذه المخرجات تساهم في رسم خارطة الاستثمار المناخي لمصر.

ووجهت وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة الشكر للعلماء والباحثين على جهودهم المبذولة، معربة عن تطلعها لرؤية نتائج ومخرجات الأعمال بحيث تنعكس في وثيقة وطنية تفتخر بها مصر أمام المحافل الدولية، وتكون خارطة طريق حقيقية لمواجهة آثار التغير المناخي.

ومن جانبها أكدت السيدة تشيتوسى نوجوتشى الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن هذا الاجتماع يعكس التزامًا مشتركًا بتعزيز الأسس العلمية التي توجه سياسات مصر واستراتيجياتها للتكيف مع تغير المناخ، مؤكدة على أن دور البحث العلمي والتطبيقي يُعدّ حيويًا في تطوير المعرفة بتغير المناخ والتدابير اللازمة للحد من آثاره السلبية، مشيرة إلى التعاون الممتد بين البرنامج ووزارة البيئة في مجال إعداد التقارير الوطنية للمناخ وتأثيره على مصر، والتقارير الخاصة بالتكيف في القطاعات المختلفة، وايضًا خلال إعداد الخطة الوطنية للتكيف، والتي تبنت فيه وزارة البيئة نهجا جديدا، يُشرك فيه مراكز البحوث الوطنية في إجراء تقييمات مخاطر المناخ وتحديد إجراءات التكيف، داعية مراكز البحوث الوطنية إلى اغتنام هذه الفرصة لتقديم مجالات جديدة في بحوث التكيف مع المناخ، والعمل مع وكالات الأمم المتحدة المتخصصة في تجربة إجراءات التكيف.

وأشارت تشيتوسى، إلى أحد الأمثلة الناجحة والتعاون الذي تم بين البرنامج مع مصر، حيث تمّ تجريب العديد من التقنيات منخفضة التكلفة لحماية السواحل من ارتفاع مستوى سطح البحر بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٦، حيث مكّنت مخرجات هذا المشروع، فى توسيع نطاق انظمة حماية الشواطئ بطرق مستمدة من الطبيعية على امتداد ٦٩ كيلومترًا من ساحل دلتا النيل، مشيرة إلى إستمرار هذا التعاون لتحديد تقنيات جديدة لمنع تآكل السواحل في ظل ارتفاع مستوى سطح البحر، بهدف توسيع نطاقه في دلتا النيل.

وأعربت تشيتوسى، عن تطلعها إلى ازدياد دور المجتمع العلمي المصري، مشيرة إلى أنه من خلال تعميق التعاون المشترك، والاستثمار في البحث العلمي، وتوسيع نطاق حلول التكيف المختبرة، يُمكننا بناء مستقبل أكثر مرونة وأمانًا مناخيًا لجميع المصريين، مؤكدة على أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سيظل ملتزماً بدعم هذه المسيرة، والعمل جنباً إلى جنب مع وزارة البيئة والمؤسسات الوطنية لتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ في جميع القطاعات، وهو ما ينبغي أن ينعكس بشكل متزايد في تقارير التقييم الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

كما أكد المهندس شريف عبد الرحيم الرئيس التنفيذي لجهاز شئون البيئة، على ضرورة استمرارية عمليات الدراسة والتحديث وتوفير التمويل اللازم للخريطة التفاعلية التي يتم العمل عليها لتنبؤ بالمخاطر وسيناريوهات تهديدات التغير المناخية المحتمل أن تتعرض لها جمهورية مصر العربية حتى عام 2100.

كما أكد الدكتور خالد فهمي، المدير التنفيذي لمركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية وأوروبا (سيداري)، على أهمية أن تكون عملية إعداد الدراسات التى تتم فى إطار مشروع "صياغة وتطوير عملية خطط التكيف الوطنية في مصر محددة الأهداف وتعتمد على التمويل الذاتى، في ظل قلة التمويل المناخي خاصة في مجال التكيف، مؤكدا أيضاً على أهمية هذا المشروع فى أن يكون هناك وثيقة يمكن التفاوض عليها فى عمليات التمويل لدى الجهات الدولية.

وأشار الدكتور محمد بيومي مساعد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى ضرورة الالتزام بالجدول الزمني المحددة لتقييم مخاطر المناخ علي القطاعات المختلفة مع مطلع مايو المقبل،حتي يتسني الانتهاء من الخطة والحصول على الموافقات الرسمية من الوزارات المعنية قبل نهاية العام الحالي، مؤكداً على ضرورة التفاعل مع المراكز البحثية فى الفترة المقبلة للانتقال بالأبحاث العلمية إلى مرحلة التنفيذ والتطبيق الفعلي، مؤكدا أيضاً على أهمية مشاركة المراكز البحثية فى هذا الاجتماع للتنسيق مع الوزارات المعنية، لافتا إلى أن هذا التعاون سيكون له مخرجات جيدة لمشروع اعداد الخطة وفتح الطريق للمراكز البحثية بحيث تصبح سابقة فى إجراء الأبحاث والتجارب قبل التنفيذ علي نطاق واسع.

كما أكد الدكتور صابر عثمان، على أهمية دور المراكز البحثية في مشروع الخطة الوطنية للتكيف، وما تمثله من ركيزة أساسية في دمج وتعميم سياسات التكيف مع التغيرات المناخية في مسارات التنمية، لافتًا إلى وجود عدد من التجارب الجارية في هذا الشأن، والتي يجري العمل على تنفيذها بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، من خلال تنفيذ حزمة واسعة من الأنشطة. موضحا أنه يتم العمل على قدم وساق مع جميع الجهات المعنية والمراكز البحثية، من أجل الانتهاء من إعداد الخطة الوطنية للتكيف في التوقيت المحدد، وبما يضمن خروجها كقصة نجاح يحتذى بها في باقي الدول النامية. مشيرا إلى وجود مجموعات عمل فنية منبثقة عن المجلس الوطني للتغيرات المناخية، تضم ممثلين عن كافة الوزارات المعنية، وذلك لضمان تحقيق التجانس بين الجهود المختلفة ودقة وكفاءة المخرجات. مضيفا أن المجلس سيعقد، خلال الفترة المقبلة، بناءا على توجيهات الدكتورة منال عوض، اجتماعات دورية لضمان استكمال كافة المخرجات المطلوبة، وبما يضمن إعداد خطة وطنية متكاملة وفعالة للتكيف مع التغيرات المناخية.

كما تم خلال الاجتماع مناقشات من السادة رؤساء المراكز البحثية والعلماء، حول دور الجهات المعنية والمراكز البحثية المشاركة فى إعداد هذا المشروع، والتنسيق والتعاون المشترك خلال المرحلة القادمة للخروج بنتائج ومخرجات تساهم فى إعداد الخطة الوطنية للتكيف، بحيث تكون قصة نجاح يحتذى بها فى الدول الأخرى.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: وزيرة التنمية وزيرة التنمية المحلية التنمية المحلية الحکومیة الدولیة المعنیة بتغیر المناخ لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائی إعداد الخطة الوطنیة للتکیف الدکتورة منال عوض الوزارات المعنیة المراکز البحثیة وزیرة التنمیة الدکتور محمد تغیر المناخ على أهمیة مشیرة إلى

إقرأ أيضاً:

كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟

شهدت عشرينيات القرن الماضي تحولاً مفصلياً في المشروع الصهيوني، مع انتقاله من السعي لإقامة "وطن قومي لليهود" إلى تبني سياسات الاستيطان والاستحواذ على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها، مستفيداً من التشريعات التي أقرها الانتداب البريطاني. 

وأسهمت عمليات شراء الأراضي وطرد المزارعين الفلسطينيين في تعميق التوترات واندلاع المواجهات، وصولاً إلى بروز المقاومة الفلسطينية المسلحة التي قادها عز الدين القسام ومهدت لمرحلة جديدة من الصراع في فلسطين.

وفيما يلي النص الكامل لمقال أستاذ التاريخ في جامعة إكستر، المقتبس من كتابه "تاريخ موجز جداً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني":

في منتصف عشرينيات القرن الماضي، تحوّل هدف الحركة الصهيونية من مجرد السعي لإقامة وطن آمن لليهود – اعتمادا على دعم القوى الاستعمارية الكبرى – إلى احتلال فلسطين وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم. أكثر من ذلك، بدأت الحركة ترى في ذلك ضرورة لتأسيس الوطن المنشود.

بحلول عام 1926، كانت الحركة الصهيونية قد قلبت رأسا على عقب الأعراف السائدة منذ عقود فيما يتعلق بملكية الأراضي، والتي كانت سارية المفعول منذ الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.

تلك الإصلاحات التي ألغت تأجير الأراضي لحساب الدولة، مكّنت الأثرياء من امتلاكها لحسابهم الخاص. هكذا أصبحت مساحات شاسعة من الأراضي في أيدي طبقة صغيرة من الملاك، كان الكثير منهم يقيمون خارج فلسطين (عُرفوا بالملاك الغائبين)، وكانت قلة منهم من وجهاء فلسطين.


عند شراء الأرض، كانت ملكيتها تنتقل بما فيها من قرى وسكان. كان العرف يفرض على القرويين الوفاء بالتزامات معينة تجاه مالك الأرض، لكن لم يكن هناك أي احتمال لترحيلهم، على الأقل حتى غيّرت الإدارة البريطانية القوانين.

في عام 1920، ألغى البريطانيون العديد من القيود المفروضة على شراء الأراضي، مع فرض بعض القيود على عمليات الشراء الصهيونية تحسباً لأي مقاومة فلسطينية، لكن ذلك كان يعني من الناحية العملية قدرة الحركة الصهيونية على شراء كل ما تستطيع دفع ثمنه.

كما أعاد البريطانيون تصنيف القرويين الفلسطينيين الذين كان الكثير منهم يزرعون تلك الأراضي منذ أجيال، باعتبارهم مزارعين مستأجرين، وبالتالي أصبح وجودهم مقترنا برغبة مالك الأرض.

بين عامي 1921 و1925، اشترت منظمة “الكومنولث الصهيوني الأمريكي” نحو 80,000 فدان من الأراضي في مرج ابن عامر، المعروف اليوم باسم سهل يزرعيل، من عائلة سرسق المقيمة في بيروت. وفي عام 1929، اشترى “الصندوق القومي اليهودي” قرابة 7,500 فدان في منطقة وادي الحوارث، بين حيفا وتل أبيب، بعد أن عجز ورثة المالك اللبناني الأصلي عن سداد ديونه.

وفي الحالتين، طرد المستوطنون الصهاينة القرويين والمزارعين الفلسطينيين الذين كانوا يزرعون تلك الأراضي، وتم ذلك أحيانا باستخدام القوة.

سعى الصهاينة، مدفوعين بفكرة عمل اليهود في الأرض بأنفسهم، للحصول على أوامر طرد وإخلاء من السلطات البريطانية، وقد حصلوا عليها. هكذا بدأ التطهير العرقي في فلسطين، وهو مستمر حتى يومنا هذا.

ما بدأ كحركة لإنقاذ اليهود وتحديث اليهودية بتحويلها إلى هوية وطنية من بين هويات أخرى، بات الآن مشروعا استعماريا استيطانيا خالصا، يعتمد على إخضاع شعب آخر.

في الاحتلال الاستيطاني، يهدف المحتل إلى استبدال الشعب الأصلي بشعب آخر. وبالنسبة للمستوطنين الذين يسعون جاهدين لفرض ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، يمثل السكان المحليون – الذين يختلفون عنهم اختلافاً تامًّا- عقبة يجب إزالتها، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون اللجوء إلى أسابيب وحشية.

في أستراليا على سبيل المثال، وقعت ما لا يقل عن 270 مجزرة بحق السكان الأصليين على مدار 140 عاماً من الاستيطان البريطاني.

غير أن هذه العملية لا تعتمد على القوة الغاشمة فحسب. يعمل المستوطنون على محو الماضي حتى يبدأ التاريخ مع وصولهم إلى تلك الأرض. تتلاشى العادات السابقة، ويتم الاستيلاء على الموارد الغذائية كأنها ملك للمستوطنين. بعبارة أخرى، لم يجد المستوطنون أرضا خالية، فاضطروا إلى إخلائها.

يصف باتريك وولف، الباحث الأسترالي المتخصص في الاحتلال الاستيطاني، عقلية المستوطن بأنها تقوم على “منطق الإقصاء”. وقد جادل بأن المشروع الاستيطاني يسعى جاهداً لإتمام عملية الإقصاء إن لم تكن كاملة. بعبارة أخرى، طالما أن إسرائيل متمسكة بفكرة الاحتلال الاستيطاني، فلن تتعايش أبدا مع الفلسطينيين بشكل سلمي.

هذه الممارسات لا تأتي من فراغ. قبل عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية وأثناءها، يبني المستوطنون مبررا أيديولوجيا، ويخلقون إجماعا. يفصحون عن نواياهم، تارة بشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر. يتجلى ذلك بوضوح عبر وسائل تبدو بريئة للوهلة الأولى، مثل الرسم، حيث صوّر الرسامون الصهاينة الأوائل وطنهم المستقبلي خاليا تماما من أي قرى فلسطينية.

كيف برر المحتلون الصهاينة ممارساتهم بحق السكان الأصليين؟ جرّدوهم من إنسانيتهم، تماماً كما حدث في المشاريع الاستعمارية الأخرى، وصوّروهم على أنهم “همّج” أو “بدائيون”.

من بين الصور النمطية الأكثر رواجا تصوير الفلسطينيين على أنهم “بدو رحل”، أي لا يرتبطون بالأرض، رغم أن العديد من القرى الفلسطينية موجودة منذ آلاف السنين. وفي الآن ذاته، يزعم المستوطنون أن دوافعهم نبيلة، مثل جلب التحديث والتحضر إلى منطقة متخلفة.

لكن الاحتلال الاستيطاني يختلف عن الاستعمار التقليدي في جانب جوهري. بينما يرى المستعمر أنه يجلب الحداثة إلى دول همجية متخلفة، يعتقد المستوطن أن مهمته تحديث الأرض، وليس السكان. البشر بالنسبة للمستوطنين مجرد عقبة يجب التخلص منها. حتى يومنا هذا، يردد الكثير من الإسرائيليين كذبة أن فلسطين كانت عبارة عن صحراء شاسعة، ولم تزدهر إلا عندما وصل إليها الصهاينة.

كررت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، هذه المقولة المبتذلة في رسالة التهنئة بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس إسرائيل.

لكن فلسطين لم تكن أبدا صحراء قاحلة، ولم يكن سكانها أبدا بدوًا متخلفين. تم ترويج هذه الأوهام لجعل المشروع الصهيوني أكثر قبولاً وجاذبية لليهود في أوروبا وخارجها، لكن المفكرين الصهاينة كانوا يدركون تماما حقيقة وجود سكان أصليين يجب التعامل معهم.


قبل عشرينيات القرن الماضي بفترة طويلة، يمكن أن نجد قادة صهاينة يتحدثون كيفية تهجير الفلسطينيين. كان بعض المفكرين الصهاينة يأملون أن يهاجر الفلسطينيون طوعا إلى الدول العربية المجاورة إذا حصلوا على تعويضات مالية مناسبة، لكن خيار التهجير القسري ظل مطروحا على الطاولة.
طوّر الصهاينة هذه الأفكار منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 1948، عندما حان الوقت لتنفيذها. تحوّلت تلك الأفكار المجردة إلى مخطط شامل أدى إلى تهجير نصف السكان العرب من فلسطين.

ساهمت عمليات شراء الأراضي في عشرينيات القرن الماضي، وما رافقها من عمليات تطهير عرقي، في إنهاء سنوات الهدوء. مع اقتراب العقد من نهايته، توترت العلاقة بوضوح بين المستوطنين اليهود والفلسطينيين، لتصبح المواجهات العنيفة متكررة في ثلاثينيات القرن العشرين. كما اصطدم الطرفان بالسلطات البريطانية، حيث رأى كل منهما أنها عجزت عن حمايته.

كانت بوادر الكارثة تلوح في الأفق، حيث أُجبر الفلسطينيون الذين فقدوا أراضيهم بعد طردهم من المزارع التي كانوا يعملون بها على الانتقال إلى المدن. كان الفلسطينيون ضحايا منظمات صهيونية تُعرف باسم “العمل العبري” وتصف نفسها بأنها “اشتراكية”، وكانت تؤمن بأن التحديث اليهودي لا يتم إلا من خلال العمل الإنتاجي.

بناءً على ذلك، أرادت هذه المنظمات أن يصبح العمل الزراعي حكراً على اليهود. لكن الملاك اليهود أنفسهم قاوموا هذه السياسة، إذ كانت تعني التخلي عن العمال الفلسطينيين أصحاب الخبرة، وتوظيف عمال يهود ربما لم يسبق لهم العمل في مجال الزراعة.

غير أن ملاك الأراضي الذين اتخذوا هذا الموقف تعرضوا للتشهير واستسلموا في النهاية. هكذا اضطر الفلسطينيون الذين طُردوا من أراضيهم للبحث عن وظائف في المدن.
في عام 1929، تصاعد التوتر بشكل غير مسبوق، وأدى إلى ما يُعرف لدى الفلسطينيين بـ”ثورة البراق”. في 15 أغسطس/ آب، نظمت “الهاغاناه” والصهاينة التصحيحيون المتأثرون بأفكار زئيف جابوتنسكي، تظاهرات عند حائط البراق، ما دفع المسلمين لتنظيم احتجاجات مناهضة في اليوم التالي.

وقعت حوادث عنف بين المسلمين واليهود طوال الأسبوع، بلغت ذروتها بمقتل 17 يهوديا بعد صلاة الجمعة في 23 أغسطس/ آب. أطلق هذا الحدث ردود فعل متسلسلة، وخلال أسبوع واحد، لقي 133 يهوديا و116 فلسطينياً حتفهم.

لم يقتصر العنف على القدس، بل امتد لمدن أخرى، وكان أبرزها أحداث الخليل في 24 أغسطس/ آب 1929. كان يهود الخليل جزءا من أقلية موجودة في فلسطين منذ قرون قبل وصول الصهيونية، وقد عاشوا بسلام مع المسلمين، حيث تؤمن الديانتان بقدسية مدينة الخليل التي تضم قبر النبي إبراهيم.

لم يستسغ الفلسطينيون دخول طلاب المدارس التلمودية بملابسهم الأوروبية إلى الحرم القدسي. ومع انتشار أنباء الاشتباكات في القدس، توافد المسلمون من القرى المحيطة بالخليل إلى داخل المدينة، وقُتل 67 يهودياً، رغم أن بعضهم وجد ملاذاً آمناً في منازل عائلات مسلمة.

اليوم، تُستخدم أحداث الخليل المروعة في الرواية الإسرائيلية الرسمية كدليل على “استحالة” التعايش مع الفلسطينيين، والمفارقة أنها تُستخدم لتبرير المجازر بحق الفلسطينيين.

رغم أن الشرارة المباشرة لأحداث عام 1929 كانت دينية، إلا أن الاضطرابات انتشرت بسرعة وبشكل مدمر بسبب انهيار النظام الاجتماعي الفلسطيني. كان ذلك تعبيرا عن الإحباط بعد عقد من التوسع الصهيوني السريع. خلال ذلك العقد، أدرك الفلسطينيون في القرى والأرياف ما ينتظرهم جميعاً: التطهير العرقي والإفقار المتعمد.

ومع إجبار المزيد من الفلسطينيين على ترك العمل الزراعي، نشأت الأحياء الفقيرة. في حيفا شمالي فلسطين، تبلور شكل جديد من المقاومة الفلسطينية ضد الصهيونية وحلفائها البريطانيين، وهو ما سُمي بـ”حرب العصابات”. هنا برزت شخصية ذات كاريزما طاغية، الإمام عز الدين القسام (1882-1935)، الذي سُمي الجناح العسكري لحركة حماس باسمه، وكذلك صواريخها الأولى.


تُخلّد العديد من فصائل المقاومة الفلسطينية العلمانية إرث عز الدين القسام لإدخاله حرب العصابات في النضال الفلسطيني ضد البريطانيين. استطاع القسام الذي قاوم الاستعمار في بلده سوريا، أن يُلهم الشباب المسلم في الأحياء الفقيرة بحيفا لتأسيس جماعات شبه عسكرية، استعدادًا لنضال طويل الأمد ضد الاستعمار البريطاني.

لكن في مواجهة تدفق كبير للمهاجرين اليهود وتشديد المراقبة من السلطات البريطانية، اضطر القسام إلى كشف نواياه قبل الأوان. في التلال القريبة من جنين، صمد القسام مع 11 عنصرا أمام قوة بريطانية كبيرة لعدة ساعات في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، إلى أن قُتل مع أربعة من رفاقه.

في اليوم التالي، أعلنت حيفا إضرابا عاما. ألهم مقتل القسام أعدادا متزايدة من الشباب الفلسطيني لحمل السلاح والاستعداد لخوض حرب ضد بريطانيا لإجبارها على التخلي عن دعم الصهيونية. ورغم أن ثورة القسام كان محكوما عليها بالفشل، إلا أنها مهدت الطريق لمقاومة أكثر تنظيما في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين.

مقالات مشابهة

  • عمار بن حميد: إعداد كفاءات قادرة على الإسهام في التنمية الشاملة
  • في الاحتفال بيوم البيئة العالمي.. جهود وطنية لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز التنمية المستدامة
  • باقي 18 يوم.. ننشر جدول امتحانات الثانوية العامة 2026 لطلاب علمي وأدبي
  • متى يحق لأستاذ الجامعة الحصول على إجازة تفرغ علمي؟.. القانون يجيب
  • خبير تنمية بشرية: الأسرة السوية أساس بناء مجتمع قوي ومتوازن
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • وزيرة التنمية تفتتح وحدة التدخل المبكر في لواء المزار الشمالي
  • مدبولي: توجيهات رئاسية باستمرار جهود جهات الدولة المعنية بإحياء معالم القاهرة التاريخية
  • الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم آمال تهدئة التوترات بالشرق الأوسط
  • خلال اجتماع اقتصادية الشيوخ.. تساؤلات حاسمة للحكومة حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027