تقع بلدة "قميراء" في الجانب الشمالي من ولاية ضنك بمحافظة الظاهرة، وتتميز بموقعها الجغرافي الاستراتيجي على ممر الطرق القديم الذي كان يربط بين محافظات شمال الباطنة والظاهرة والبريمي، إضافة إلى كونها منطقة حدودية قريبة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومدخلا لولاية ضنك من الجهة الشمالية، وتعد البلدة نموذجا متكاملا للقرية العُمانية التقليدية بما تضمه من أفلاج وحصون وأبراج وحارات ومزارع.

وتتكون البلدة القديمة من حارة قميراء التي تحيط بها ثلاثة أبراج هي برج العقيبة وبرج النخل والبرج الشمالي ويتوسطها حصن قميراء، كما يحيط بالبلدة سور بيضاوي الشكل تتخلله ثلاث بوابات، تعد أشهرها بوابة العقيبة الواقعة في الجانب الشرقي من الحارة، وهي البوابة الرئيسية والمدخل الرئيس للبلدة ويعلوها برج للحراسة وكانت تغلق قديما وتستخدم مدخلا للإبل والقوافل القادمة إلى البلدة.

وتضم الحارة ساحة مخصصة للمناسبات الاجتماعية وعرض البضائع والبيع والشراء لمنتجات البلدة، كما تتميز بوجود مدرسة لتدريس وتحفيظ القرآن الكريم ونسخ الكتب الفقهية وعلوم القرآن، وأيضا مسجد لإقامة الصلوات ومجلس عام يعرف بسبلة الحارة، ويقع ضمن حصن قميراء مخزن مخصص لأهالي البلدة لتخزين المنتجات الزراعية مثل التمور والحبوب، بهدف تأمين احتياجات السكان في الفترات التي تنقطع فيها الحركة نتيجة الأمطار والأنواء المناخية أو حالات الجفاف التي تمر بها المنطقة.

وتعد بلدة قميراء امتدادا تاريخيا للعصور الماضية، إذ تحتضن مكتشفات أثرية يعود بعضها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، تشمل مباني حجرية ومقابر أثرية وحارات سكنية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، تمتد من العصور القديمة مرورا بالعصر الإسلامي وصولا إلى العصر الحديث، وهو ما أكدته البعثة الأثرية التي تعمل في البلدة منذ عدة سنوات بإشراف وزارة التراث والسياحة.

كما تحتضن البلدة مزارع النخيل والمنتجات الموسمية التي تغذيها أفلاجها، وهي فلج قميراء وفلج الحيل، اللذان تتدفق مياههما طوال العام.

وتعد "قميراء" مقصدا للسياح القادمين من داخل الولاية أو من الولايات المجاورة، إضافة إلى السياح العابرين من الدول المجاورة، نظرا لموقعها على تقاطع الطرق بين محافظات البريمي والظاهرة وشمال الباطنة، ويعتبر وادي قميراء من أبرز المواقع السياحية، لا سيما خلال فترات جريان الوادي.

وتتميز الحارات القديمة بطابع معماري فريد رسمته الأيدي العُمانية بنقوشه وزخارفه التي لا تزال تصمد أمام قسوة الطبيعة وتعانق الزمن بصلابتها، لتبقى شاهدة على قصص الماضي وموثقة لأماكن التجمع التي أنشأها الآباء والأجداد وما احتوته من مستلزمات الحياة آنذاك، وتعد هذه الحارات والحصون واجهة سياحية ذات مكانة كبيرة، لما تحمله من عبق التاريخ والتراث العُماني الأصيل الذي ما زال حاضرا حتى يومنا هذا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • وصول قوة من الجيش إلى الحارة المسيحية في صور بعد التهديدات
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • فعالية ثقافية وتحضيرية في صنعاء القديمة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • تحليل: احتلال قلعة الشقيفرمز لحماقة اسرائيلية تاريخية
  • بعثة الحج العُمانية تعود إلى البلاد
  • إطلاق مبادرة "ساس للتميز" لتعزيز تنافسية الشركات التقنية العُمانية عالميًا
  • مكتبة الإسكندرية تستضيف معرض «ديارنا» لدعم الحرف التراثية
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • نائب رئيس حزب الاتحاد: العلمين الجديدة تجسد رؤية الدولة لبناء مدن عالمية حديثة