وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة.. «الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ»
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026، الموافق 18 شعبان 1447هـ، وهي بعنوان «الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ».
نص موضوع خطبة الجمعة القادمةالحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ.
إنَّ الدعوةَ إلى اللهِ تعالى من أشرفِ الأعمالِ على الإطلاقِ، وهي وظيفةُ جميعِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، وحتى تؤتيَ الدعوةُ ثمارَها المرجوّةَ لا بدَّ أن تكونَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. (النحل: 125). قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ تعالى: “يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَدْعُوَ الْخَلْقَ إِلَى اللَّهِ {بِالْحِكْمَةِ}. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} أَيْ: بِمَا فِيهِ مِنَ الْزَّوَاجِرِ وَالْوَقَائِعِ بِالنَّاسِ ذَكَّرَهُمْ بِهَا، لِيَحْذَرُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعَالَى”. (تفسير ابن كثير).
والدعوةُ إلى اللهِ بالحكمةِ تعني: وضعَ الأمورِ في مواضعِها. أي مراعاةَ مقتضى الحالِ والزمانِ والمكانِ والمدعوينَ، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُ أصحابَهُ بالموعظةِ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، بِحَسَبِ الحاجةِ والضَّرورةِ، مُراعِيًا في ذلك نَشَاطَهم، فعَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنهُ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا». (متفق عليه واللفظ لمسلم).
وكذلك مراعاةُ أحوالِ الدعوةِ بالموعظةِ، وأن تكونَ حسنةً في كلِّ شيءٍ، في الألفاظِ والأداءِ والطريقةِ أثناءَ مخاطبةِ الناسِ. قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. (طه: ٤٤)، يقول الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ العتو والاستكبار، وَمُوسَى صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ إِذْ ذَاكَ، ومع هذا أُمِرَ أن لا يُخَاطِبَ فرعونَ إلاّ بالملاطفةِ واللينِ”. (تفسير ابن كثير). “وَلَمَّا قَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ بَكَى وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنْتَ الْإِلَهُ؟!”. (تفسير البغوي). “فاللهُ عزَّ وجلَّ عَلَّمَهُمَا أُسْلُوبَ الدعوةِ فقال لهما: {فقولا له قولًا لينًا} أي: خاليًا من الغِلْظَةِ والجَفَاءِ وسوءِ الإلقاءِ، رجاءَ أن يتذكَّرَ معانيَ كلامِكما وما تدعوانِه إليهِ فيراجعَ نفسَهُ فيؤمنَ ويهتديَ، أو يخشىَ العذابَ إن بقيَ على كفرِه وظلمِه، فيُسَلِّمَ لكما بني إسرائيلَ ويرسلَهم معكما.” (أيسر التفاسير - أبو بكر الجزائري).
فالدعوةُ إلى اللهِ تعالى تحتاجُ إلى لينٍ ورفقٍ. فعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». (مسلمٌ). وهذا الخليلُ إبراهيمُ عليهِ السلامُ، بدأَ بأقربِ الناسِ إليهِ، بدأَ بأبيهِ، ومع شدّةِ الخلافِ العقديِّ خاطبهُ بأرقِّ خطابٍ، قال تعالى: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: 42]. قال الإمامُ الرازيُّ رحمهُ اللهُ: «إِنَّهُ عليهِ السلامُ أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ الْحَسَنَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ كُلِّ كَلَامٍ يَا أَبَتِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْحُبِّ وَالرَّغْبَةِ فِي صَوْنِهِ عَنِ الْعِقَابِ وَإِرْشَادِهِ إِلَى الصَّوَابِ، وَأَنَّ الْهَادِيَ إِلَى الْحَقِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَطِيفًا». (مفاتيحُ الغيبِ).
أمّا إن كانت الدعوةُ إلى اللهِ تعالى فيها غلظةٌ وجفاءٌ فإنها لا تؤتي ثمارَها المرجوّةَ، بل تأتي بنتيجةٍ عكسيّةٍ، وقد تؤدي بصاحبِها إلى النارِ وبئسَ القرارِ! فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. (أحمدُ وأبو داودَ بسندٍ صحيحٍ). ومعنى متواخيينِ: أي متواخيينِ في اللهِ تعالى لا في النسبِ. أ.ه
وقال رجلٌ للرشيدِ: يا أميرَ المؤمنينَ! إنّي أريدُ أن أعظَكَ بعظةٍ فيها بعضُ الغلظةِ فاحتملْها. قال: كلا، إنَّ اللهَ أمرَ مَن هو خيرٌ منك بإلانةِ القولِ لمن هو شرٌّ منّي، قال لنبيِّه موسى إذ أرسلهُ إلى فرعونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. (طه: 44). وصدقَ اللهُ تعالى القائلُ لنبيِّهِ ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. (آل عمران: 159).
ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ في الدعوةِ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.هناكَ صورٌ مشرقةٌ في الدعوةِ إلى اللهِ تعالى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، نأخذُ من العِبرةِ ونطبّقُها على أرضِ الواقعِ:
فهذا حُصينُ الخزاعيُّ والدُ سيدِنا عمرانَ، كانت قريشٌ تعظّمُهُ، فطلبتْ منهُ أن يُكلِّمَ النبيَّ ﷺ في آلهتِها، فجاءَ حُصينٌ ومعهُ بعضُ أفرادِ قريشٍ حتى جلسوا قريبًا من بابِ النبيِّ ﷺ، ودخلَ حُصينٌ، «فلمّا رآهُ النبيُّ ﷺ قال: يَا حُصَيْنُ كَمْ إِلَهًا تَعْبُدُ اليومَ؟ قالَ: سبعةً، ستّةً في الأرضِ، وواحدًا في السماءِ. قالَ: فأيُّهم تعدُّ لرغبتِكَ ورهبتِكَ؟ قالَ: الذي في السماءِ. قالَ: يا حُصَيْنُ أمَا إنَّكَ لو أسلمتَ علَّمتُكَ كلمتينِ تنفعانِكَ». قالَ: فلمّا أسلمَ حُصينٌ قالَ: يا رسولَ اللهِ علِّمني الكلمتينِ اللتينِ وعدتَني، فقالَ: «قلْ: اللهمَّ ألهمني رُشدي، وأعذني من شرِّ نفسي». (الترمذيُّ).
أرأيتَ كيف دخلَ الرجلُ مُعرِضًا ناقمًا، فخرجَ صادقًا مسلمًا؟! إنّها الدعوةُ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
وهذا ثمامةُ بنُ أثالٍ الذي كانَ يُبغضُ الإسلامَ وأهلَهُ، فما لبثَ أن تحوَّلَ بدعوةِ الرسولِ ﷺ إيّاهُ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ”. (متفق عليه).
وهذا الفتى الذي أراد الرخصة في الزنا والعياذ بالله. فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ” إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا. قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ”.( أحمد والطبراني والبيهقي).
فقد احتوى هذا الموقفُ على أسلوبِ الحكمةِ والرفقِ في الدعوةِ والتربيةِ، وظهر ذلك في: (اُدْنُهْ)، (فدنَا منهُ قريبًا). بالإضافةِ إلى الإقناعِ بالأسلوبِ العقليِّ بقولِه: (أتحبُّهُ لأمِّكَ؟)، (أفتحبُّهُ لابنتِكَ؟).
ولا يخفى علينا واقعةُ الأعرابيِّ الذي بالَ في المسجدِ وكيف عالجَ الرسولُ ﷺ الموقفَ برفقٍ. فعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ أعرَابِّيٌ فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ” دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ“. (البخاري). قال النوويٌّ:” فيه الرّفقُ بالجاهلِ، وتعليمُهُ ما يلزمُهُ من غيرِ تعنيفٍ ولا إيذاءٍ، إذا لم يأتِ بالمخالفةِ استخفافًا أو عنادًا، وفيه دفعُ أعظمِ الضررين باحتمالِ أخفهمَا”.
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَ اللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: ”إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ”(مسلم). فتأملوا هذا الأسلوبَ النبويَّ، فرغم أنَّ هذا الخطأَ كان من مبطلاتِ الصلاةِ، إلا أنه ﷺ لم يعنِّفْ صاحبَهُ، ولم يُوبِّخْهُ، إنما علَّمَهُ برفقٍ وموعظة حسنة.
ونحنُ جميعًا نعلمُ حكمةَ داودَ وابنهِ سليمانَ عليهما السلامُ في القضاءِ والدعوةِ إلى اللهِ تعالى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ. فعنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «بينما امرأتانِ معهما ابناهُما، جاءَ الذِّئبُ، فذهبَ بابنِ إحداهما، فقالتْ هذهِ لصاحبتِها: إنما ذهبَ بابنِكِ أنتِ، وقالتِ الأخرى: إنما ذهبَ بابنِكِ، فتحاكمتا إلى داودَ، فقضى بهِ للكبرى، فخرجتا على سليمانَ بنِ داودَ عليهما السلامُ، فأخبرتاهُ، فقالَ: ائتوني بالسكينِ أشقُّهُ بينكما، فقالتِ الصغرى: لا يرحمكَ اللهُ، هو ابنُها، فقضى بهِ للصغرى». (متفقٌ عليهِ). وهكذا تؤتي الدعوةُ ثمارَها المرجوّةَ إذا كانت بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
ثالثًا: المبالغةُ في تكاليفِ الزواجِ (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَك).من الظواهرِ المنتشرةِ في هذا الزمانِ ظاهرةُ المغالاةِ في المهورِ وتكاليفِ الزواجِ، وهذه الظاهرةُ لها أثرُها السيئُ على الفردِ والمجتمعِ، فلا يخفى على عاقلٍ ما في غلاءِ المهورِ من المفاسدِ والمضارِّ التي منها انتشارُ العنوسةِ بين الجنسينِ، وإثقالُ كاهلِ المتزوجينَ بديونٍ يرزحونَ تحت وطأتِها لسنواتٍ عديدةٍ، فكم من شابٍّ أعيتهُ الأسبابُ فلم يقدرْ على هذه التكاليفِ التي ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ فاحتوشتهُ الشياطينُ وجلساءُ السوءِ حتى أضلّوهُ وأوردوهُ مواردَ العطبِ والخسرانِ، فخسرَ أهلَهُ وفسدَ اتجاهُهُ، بل خسرتهُ أمتُهُ ووطنُهُ، وخسرَ دنياهُ وآخرتَهُ!!
وكم من امرأةٍ ألجأها ذلكَ إلى الاستجابةِ لداعي الهوى والشيطانِ فجرّتِ العارَ والخزيَ على نفسِها وعلى أهلِها وعشيرتِها مما ارتكبتهُ من المعاصي التي تسببُ غضبَ الرحمنِ!!
لذلكَ كلهُ كان من هديِ الإسلامِ تخفيفُ مؤونةِ النكاحِ، ففيهِ البركةُ والخيرُ، فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أعظمُ النساءِ بركةً أيسرُهنَّ صداقًا». (الحاكمُ وصححهُ ووافقهُ الذهبيُّ). يقولُ الإمامُ المناويُّ: «بمعنى أنَّ يسرَهُ دالٌّ على خيريةِ المرأةِ ويُمنِها وبركتِها فيكونُ ذلكَ من قبيلِ الفألِ الحسنِ». (فيضُ القديرِ).
ولتعلمْ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وعدَ من يسعى في إحصانِ فرجِه بأن يعينَهُ وأن يُغنيَهُ من فضلِه، قال اللهُ تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. (النور:32).
يقولُ الإمامُ الزمخشريُّ رحمهُ اللهُ: «لقد كان عندنا رجلٌ رازحُ الحالِ، ثم رأيتُهُ بعدَ سنينَ وقد انتعشتْ حالُهُ وحسنتْ، فسألتُهُ؟ فقالَ: كنتُ في أولِ أمري على ما علمتَ، وذلكَ قبلَ أن أُرزقَ ولدًا، فلما رُزقتُ بكرَ ولدي تراخيتُ عن الفقرِ، فلما وُلدَ لي الثاني زدتُ خيرًا، فلما تتمّوا ثلاثةً صبَّ اللهُ عليَّ الخيرَ صبًّا، فأصبحتُ إلى ما ترى». (الكشافُ).
واعلموا - أيها الشبابُ - أنَّ اللهَ عونٌ لكلِّ من يريدُ العفافَ. فعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونُهم: المجاهدُ في سبيلِ اللهِ، والمكاتبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفافَ». (الترمذيُّ وحسنهُ).
وقد عاتبَ الرسولُ ﷺ أحدَ الصحابةِ لما رآهُ مغاليًا في الصداقِ والمهرِ. فعن أبي هريرةَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقالَ: إني تزوجتُ امرأةً من الأنصارِ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ: «هل نظرتَ إليها؟ فإنَّ في عيونِ الأنصارِ شيئًا». قالَ: قد نظرتُ إليها. قالَ: «على كم تزوجتَها؟». قالَ: على أربعِ أواقٍ. فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ: «على أربعِ أواقٍ؟ كأنما تنحتونَ الفضةَ من عرضِ هذا الجبلِ، ما عندنا ما نعطيكَ، ولكن عسى أن نبعثكَ في بعثٍ تُصيبُ منهُ». قالَ: فبعثَ بعثًا إلى بني عبسٍ بعثَ ذلكَ الرجلَ فيهم. (مسلمٌ).
يقولُ الإمامُ النوويُّ: «معنى هذا الكلامِ كراهةُ إكثارِ المهرِ بالنسبةِ إلى حالِ الزوجِ». (شرحُ النوويِّ على مسلمٍ).
فعليكمُ بالتيسيرِ في أمرِ الزواجِ إعفافًا لشبابِكم وبناتِكم، وحفظًا وصونًا لأعراضِكم، لتفوزوا بسعادةِ العاجلِ والآجلِ.
نسألُ اللهَ أنْ يبارك لنا في أولادنا وذرياتنا، وأنّ يحفظَ مصرنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
اقرأ أيضاًما هو موضوع خطبة الجمعة 11 شعبان 1447 - 2026؟
«قِيمَةُ الاحترامِ».. نص خطبة الجمعة 9 يناير 2026 مكتوبة
«التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم».. موضوع خطبة الجمعة المقبلة
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: وزارة الأوقاف خطبة الجمعة القادمة موضوع خطبة الجمعة موضوع خطبة الجمعة القادمة موضوع الجمعة القادمة موضوع خطبة الجمعة ج ع ل ن ی الل ا ث م ام ة إلى الله ل ا الن ا ر س ول إ ل ى ال
إقرأ أيضاً:
الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
أكدت وزارة الأوقاف، أن ثورة 23 يوليو شكَّلت نقطة تحول في بناء الدولة الوطنية، وتستمر مسيرتها اليوم عبر رؤية مصر ٢٠٣٠، التي ترتكز على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، ومكانة مصر الإقليمية والدولية.
وقالت وزارة الأوقاف، في بيان، إن لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م دور رئيسي ومحوري في إعادة بناء الجيش، حيث بدأت أولى الخطوات بكسر احتكار السلاح عام ١٩٥٥م، وذلك بعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، ثم مع الاتحاد السوفيتي، وبدأت عملية تنظيم الجيش وتزويده بالأسلحة الحديثة، وشمل التطوير إنشاء وحدات حديثة خاصة، مثل وحدات المظلات، والصاعقة، وإدارة الحرب الكيميائية، وتحديث وسائل الاتصال، مع الارتقاء بمستوى التدريب، وإنشاء مدارس إعداد الفنيين العسكريين، والكلية الفنية العسكرية، والمدرسة الثانوية الجوية.
كما تم إنشاء المصانع الحربية لمد القوات المسلحة بما تحتاجه من ذخائر، وساهمت هذه المصانع في الوفاء بقدر كبير من بعض أنواع الأسلحة والذخائر لمصر، وبعض الدول العربية والإفريقية، كما برز الاهتمام بنظم التدريب، وإرسال البعثات إلى الدول الرئيسة التي يتم استيراد السلاح منها، واتبعت مصر سياسة تدريب العسكريين العرب والأفارقة في المعاهد والكليات العسكرية المصرية، وتم أيضًا تدعيم الدور المدني للقوات المسلحة في تقديم خدمات وأنشطة مدنية.
إقامة جيش وطني قويوتابعت: وكان الهدف الخامس لثورة يوليو هو إقامة جيش وطني قوي، وفي سبيل ذلك حددت مهمة القوات المسلحة، وهي حماية الوطن ضد أي اعتداء خارجي، ودعم الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي وفقًا للثوابت الوطنية المصرية، وأن تتميز بالقدرة على الحركة السريعة وتمتلك الأسلحة الرادعة، وأن تساير التطور العلمي.
وقالت الوزارة، إن إقامة جيش وطني قوي وتجهيزه بأحدث الأسلحة، وحماية حدود الوطن لردع أي اعتداء خارجي، يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الأوطان وإعداد أسباب القوة اللازمة لحمايتها، عن عقبة بن عامررضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» [صحيح مسلم: ( ١٩١٧)]، (الرَّمْيُ) في عصرنا الحالي يمثل سلاح الطيران، والمدفعية، والصواريخ، والأسلحة الرادعة الحديثة، تكرار النبي صلى الله عليه وسلم للكلمة يؤكد أن سلاح الردع عن بُعد هو أساس القوة في كل عصر بحسب تطوره العلمي.
وأضافت الأوقاف، أن إنشاء المصانع الحربية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الذخائر والأسلحة يدخل تحت القاعدة الفقهية الشرعية المستمدة من مقاصد الشريعة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ولما كانت حماية الوطن والدفاع عنه واجبًا شرعيًا فإن السعي إلى امتلاك القدرات الدفاعية الوطنية ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ الأوطان وتحقيق القدرة على الدفاع عنها.
وذكرت أن الملكية الخاصة والمصلحة العامة: "قانون الإصلاح الزراعي" وأقرَّ الإسلامُ أنَّ لكلِّ شخصٍ الحقَّ في تحصيلِ الثروةِ والتملُّكِ؛ تلبيةً للدوافعِ التي فُطِرَ الناسُ عليها، طالما أنه يؤدّي واجباتِه الدينيةَ والاجتماعيةَ، وطالما أنه لا يحصِّلُ ثروته وأملاكه من خلالِ وسائلَ غيرِ أخلاقيةٍ؛ كالاتجارِ في السلعِ الضارّةِ؛ إذْ توجدُ قواعدُ فقهيةٌ تفرضُ ضوابطَ وقيودًا على الملكيةِ إذا ما امتدّتْ لإحداثِ أضرارٍ بالناسِ أو المجتمعِ (لا ضررَ ولا ضرارَ).
وقد وضعَ الإسلامُ مبادئَ راسخةً لحمايةِ المجتمعِ، ومنعِ الضررِ، وتحقيقِ المصلحةِ العامةِ؛ فالضررُ بجميعِ أنواعِه منهيٌّ عنه في الإسلامِ، ويجبُ اتخاذُ التدابيرِ الوقائيةِ لمنعِ حدوثِه، وعلاجِ آثارِه إذا وقعَ، والإسلامُ لم يكتفِ بتحريمِ التصرفاتِ الضارّةِ، لكنه حرَّمَ التصرفاتِ المباحةَ أصلًا والتي تقترنُ بنيةِ الإضرارِ، وقد أقرَّ الإسلامُ الملكيةَ الخاصةَ، لكنه جعلَها مرتبطةً بالمسئوليةِ الاجتماعيةِ، وعدمِ الإضرارِ، وتحقيقِ المصلحةِ العامةِ.
وتابعت: ما زالت ثورة يوليو تشكل علامة بارزة في تاريخ الوطن، ونقطة تحول أساسية في مساره الوطني، بما قدمته من إنجازات مهمة، وما أحدثته من تحولات جذرية في جميع جوانب الحياة. مثلّت الثورة تحولًا اجتماعيًا مهمًا لصالح قطاعات واسعة من العمال والفلاحين، فقضت على الإقطاع، واتخذت مجموعة من السياسات الاقتصادية، من بينها التأميم، وإعادة تنظيم ملكية بعض القطاعات الاقتصادية، بهدف تحقيق أهدافها وبناء قاعدة صناعية وطنية.
وساعدت في إلغاء الفوارق الطبقية بين أبناء الشعب المصري، وأصبح الفقراء قضاة، وأساتذة جامعات، وسفراء، ووزراء، كما حررت الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وما زالت هذه الفترة الأساسية من تاريخ مصر الحديث مادةً أساسيةً في التاريخ العربي، ومرجعًا ثابتًا للحديث عن الدور الرائد للشعب المصري على مر العصور.
الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية
وأوضحت أن الاقتصاد المصري استطاع إتمام بناء السد العالي وتحقيق نهضة تنموية وصناعية شاملة تمثلت في بناء مجمع ألومنيوم نجع حمادي، والحفاظ على نمو اقتصادي، وتحقيق فائض في الميزان التجاري عام ١٩٦٩م، وتوفير منتجات محلية بالأسواق، إلى جانب زيادة الرقعة الزراعية وتوسيع ملكية صغار الفلاحين للأراضي، وتأسيس قاعدة صناعية كبيرة، فانعكست النهضة الاقتصادية في عهد الثورة على مستوى التعليم، بفضل مجانية التعليم في كل مراحل الدراسة.
ويمثل مسار الدولة المصرية الحديثة امتدادًا لفكرة بناء الدولة القادرة التي كانت أحد أهم أهداف ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، حيث تواصل مصر اليوم جهودها في تعزيز مقومات الدولة الوطنية من خلال رؤية شاملة للتنمية ترتكز على بناء الإنسان المصري، وتطوير المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة والصناعة والتكنولوجيا.
فكما سعت الثورة إلى بناء قاعدة صناعية وتعليمية وتعزيز قدرات الدولة، تستكمل الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة مسيرة التطوير عبر المشروعات القومية الكبرى، والتحول الصناعي، وتوسيع فرص الاستثمار، ورفع كفاءة البنية الأساسية، بما يحقق أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠ في بناء دولة حديثة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز مكانة مصر ودورها الحضاري.
تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية
ومثلما كان لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م سياستها الداخلية، التي انعكست فيما قامت به من إجراءات وخطوات لتوطيد وبناء أركان الدولة المصرية الحديثة سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وأمنيًا... إلخ، فقد كان لها أيضًا سياستها الخارجية الطموحة، التي ارتكزت على ما تمتلكه مصر من تاريخ حضاري، وموقع جغرافي متميز، جعلها دولة رائدة في محيطها العربي، والإقليمي، والدولي.
وهو ما أكد عليه الرئيس جمال عبد الناصر في كتابه (فلسفة الثورة) عام ١٩٥٤م، بإشارته إلى حتمية ومسئولية مصر كفاعل جوهري في نطاق ثلاث دوائر، وهي: الدائرة العربية، والإفريقية، والإسلامية.
وقد ارتبطت الثورة في الأذهان بصورة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي بات رمزًا لدعم حركات التحرر في مواجهة الاحتلال، واستمرت هذه الصورة حتى يومنا هذا، بعد مرور ما يقرب من سبعة عقود على قيام الثورة، وكانت الثورة بمثابة الركيزة الأساسية للدور الإقليمي الرائد لمصر على المستويين العربي والإفريقي، وهو الدور الذي استمرت آثاره الإيجابية حتى اليوم.
وبعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢م، عززت الثورة مفهوم السيادة الوطنية، والاستقلال في القرار المصري، بل صارت مصر صاحبة سيادة كاملة، وصاحبة مواقف مؤثرة في السياسة الدولية، حيث لعبت قيادة الثورة دورًا رائدًا مع يوغوسلافيا بقيادة الزعيم تيتو، ومع الهند بقيادة نهرو، في تأسيس حركة عدم الانحياز، مما جعل لها وزنًا ودورًا ملموسًا ومؤثرًا على المستوى العالمي.
فمنذ ثورة يوليو ١٩٥٢م، وطوال فترة حكمه، وضع الرئيس جمال عبد الناصر، لأول مرة، معالم واضحة للسياسة الخارجية لمصر، وبعد الثورة بدأت السياسة الخارجية المصرية تتجه نحو القومية العربية، ونحو إفريقيا، وساهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز لدعم علاقات مصر الخارجية، وتبلورت دوائر اهتمام السياسة الخارجية المصرية في الدوائر العربية، والإفريقية، والإسلامية، علاوة على دائرة عدم الانحياز، بجانب إقامة علاقات متوازنة مع كافة دول العالم.
لم تكن ثورة يوليو مجرد حدث تاريخي، بل مثّلت لحظة وعيٍ شعبي وإرادة سياسية هدفت إلى تحقيق تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وترسيخ مفهوم الدولة القوية، وهي المبادئ التي تستكملها مصر اليوم، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، من خلال مشروعات قومية كبرى، وإصلاحات استراتيجية، تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
ستظل ثورة يوليو مصدر إلهام للمصريين، ودليلًا على أن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها الوطنية، وتؤمن بها، قادرة على مواصلة البناء، وتحقيق الانتصار، مهما كانت التحديات.
واختتمت البيان، بأن ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م تظل محطةً بارزةً في تاريخ مصر الحديث، بما أحدثته من تحولات أسهمت في بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز دورها الوطني والإقليمي، وتواصل مصر اليوم مسيرة البناء والتنمية في إطار رؤية مصر ٢٠٣٠، من خلال دولة حديثة ترتكز على قوة المؤسسات، وبناء الإنسان، وتحقيق التنمية المستدامة، وتؤكد هذه المسيرة أن حب الأوطان، وحمايتها، وبناء مؤسساتها، ليس مجرد واجب سياسي وتنموي، بل هو دينٌ يدين به الفرد لرب العالمين، تترجمه الجمهورية الجديدة اليوم في أبهى صور فقه بناء الدول، وتحقيق مقاصد الشريعة.