في العصور الوسطى، كان الفلاح يكدح في أرض لا يملكها، مستخدما أدوات بدائية، ليذهب جل محصوله إلى "الإقطاعي" الذي يمنحه في المقابل حق البقاء والحماية.

أما اليوم، وبعد قرون من التطور الصناعي والديمقراطي، يرى الفيلسوف الاقتصادي يانيس فاروفاكيس أننا نعود إلى ذلك النظام القديم، لكن برداء تكنولوجي براق، فنحن لسنا مجرد "مستخدمين" للإنترنت، إنما "منتجو بيانات" في إقطاعية رقمية عابرة للقارات.

لطالما قامت الرأسمالية على فكرة السوق، مكان يلتقي فيه البائع والمشتري وتتحدد الأسعار بناء على العرض والطلب، لكن في عصر "لوردات السحابة" (Cloud Lords)، اختفى السوق ليحل محله المنصة. فأنت عندما تدخل إلى "أمازون" (Amazon) أو "فيسبوك" (Facebook)، أنت لا تدخل سوقا حرا، بل تدخل مملكة خاصة يملك صاحبها كل القواعد.

وهنا يكمن الفرق الجوهري، فالإقطاعي الرقمي لا يربح من بيع المنتجات فقط، بل يربح من الريع، فهو يتقاضى عمولة من كل بائع، وضريبة من كل مشتر، والأهم من ذلك، هو يستولي على المادة الخام التي ينتجها الجميع مجانا وهي البيانات.

وإذا نظرنا إلى نشاطك اليومي على المنصات الرقمية كعملية إنتاجية، سنكتشف حقيقة صادمة، فكل صورة ترفعها، وكل تعليق تكتبه، وحتى السكوت الرقمي أو التوقف الطويل عند منشور معين، هو بمثابة "فلاحة" في حقل الخوارزمية. وهذه البيانات هي النفط الجديد، لكن الفرق أنك أنت من يستخرجها، وأنت من ينقيها، وأنت من يقدمها للمنصة على طبق من ذهب.

وهذا "العمل الرقمي" يتميز بخصائص فريدة، فهو عمل غير مأجور، ومستمر على مدار الساعة، ويتم بدافع الرغبة في التواصل أو الترفيه. المنصات لا تدفع لك راتبا، بل تدفع لك بـ "الدوبامين" (Dopamine)، وتلك النقرات الصغيرة من السعادة التي تشعر بها عند وصول إشعار جديد. إنه نظام "سخرة" حديث، حيث يتم استبدال السوط بالخوارزمية التي تعرف نقاط ضعفك النفسية أكثر مما تعرفها أنت.

المنصات تتقاضى ثمن خدمتها من انتباهك الكامل، وتمنحك في المقابل "الدوبامين" كحافز كيميائي للبقاء داخل نظامها (غيتي)السيادة الرقمية.. صراع البقاء في ٢٠٢٦

في قمة الويب ٢٠٢٦، برز تساؤل وجودي، هل يمكننا استعادة سيادتنا؟ التقارير التي نشرت والأحايث التي خرجت، لم تكتف بالجانب التقني، بل غاصت في الجانب السيادي. فإذا كانت البيانات هي ثروة العصر، فإن تركها في يد حفنة من الشركات في "سيليكون فالي" (Silicon Valley) يعني استعمارا جديدا للعقول والأنظمة الاقتصادية.

إعلان

والدول اليوم، وخاصة في المنطقة العربية، بدأت تدرك أن امتلاك الخوارزمية هو بمثابة امتلاك الأرض في الماضي. فالسيادة الرقمية تعني أن نتحول من "أقنان" ينتجون البيانات لغيرهم، إلى "ملاك" لهذه البيانات، وهذا يتطلب بناء بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي، وتشريعات تضمن أن منتج البيانات (المستخدم) له الحق في ملكية ثمرة عمله الرقمي.

هل هناك مخرج من حقل الخوارزميات؟

إن الاعتراف بأننا "عمال بيانات" هو الخطوة الأولى نحو التحرر هكذا يقول المراقبون، فالعالم بحاجة إلى عقد اجتماعي رقمي جديد، ينقله من مرحلة "الاستخدام المجاني" الذي هو في الحقيقة أغلى ثقلا من المال إلى مرحلة "الشراكة الرقمية". ويجب أن يدرك المستخدم أن وقته، وانتباهه، وبياناته هي أصول اقتصادية وليست نفايات رقمية.

ومع ذلك فالصورة ليست قاتمة تماما، فالتكنولوجيا التي استخدمت لتقييدنا في "إقطاعيات رقمية" هي نفسها التي تمنحنا الأدوات للتواصل والتنظيم والمطالبة بالحقوق. و"الإقطاع الرقمي" ليس قدرا محتوما، بل هو مرحلة انتقالية تتطلب وعيا جمعيا يرفض أن تكون حياة الإنسان مجرد مادة خام تباع وتشترى في بورصات السحابة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

محافظ البحر الأحمر يتفقد المكتبة الرقمية العائمة بمنتجع العائلات

تفقد الدكتور وليد البرقي، محافظ البحر الأحمر، اليوم الجمعة، المكتبة الرقمية العائمة بمنتجع العائلات بمدينة الغردقة، وذلك عقب تثبيتها واستقرارها في الموقع المحدد لها بالمنتجع، للوقوف على التجهيزات النهائية والبدء الفعلي في إجراءات التشغيل واستقبال الزوار من المواطنين والأسر.

وخلال الجولة، تابع البرقي الجاهزية التقنية والبنية التحتية للمكتبة، والتي تأتي ثمرة لبروتوكول التعاون المبرم بين محافظة البحر الأحمر وجامعة الإسكندرية، بهدف دمج المعرفة الرقمية بالأنشطة الترفيهية والسياحية، وتقديم خدمة ثقافية متكاملة لرواد الشاطئ وفق أعلى معايير الجودة والاستدامة.

وأشاد الدكتور وليد البرقي بالتجهيزات التكنولوجية التي تم دعم المكتبة بها، حيث تضم 20 جهاز تابلت تفاعلياً محملاً بمحتوى معرفي شامل يغطي مختلف العلوم والكتب الإلكترونية والأفلام الوثائقية، إضافة إلى شاشات عرض تفاعلية تعمل بالكامل بالطاقة الشمسية ترسيخاً لمفاهيم التحول الأخضر.

وأكد محافظ البحر الأحمر أن هذا المشروع يمثل منارة ثقافية ونوعية تهدف إلى بناء الإنسان والارتقاء بالوعي العام، مشيراً إلى أن المكتبة أصبحت في كامل جاهزيتها للعمل واستقبال الجمهور للاستمتاع بتجربة معرفية فريدة تجمع بين الاستجمام وتحصيل العلم وسط أجواء شاطئية مميزة.

وجّه البرقي القائمين على إدارة المكتبة بضرورة المتابعة والصيانة الدورية للتجهيزات التقنية والشاشات التفاعلية، وتوفير فريق دعم فني متواجد بشكل دائم لتقديم المساعدة للزوار وتسهيل تصفحهم للمحتوى الرقمي، مع العمل على تنظيم ورش عمل وأنشطة تفاعلية دورية للأطفال والشباب لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه المنشأة الثقافية.

رافق المحافظ خلال تفقده للمكتبة المهندس حسن محمد صفوت موافي، سكرتير عام المحافظة، وأشرف فؤاد، مدير منتجع العائلات، وهيثم فارس، مدير مكتب المحافظ، وسيد طلبة، مدير مكتبة مصر العامة.

مقالات مشابهة

  • محافظ البحر الأحمر يتفقد المكتبة الرقمية العائمة بمنتجع العائلات
  • تعزيز أمن وخصوصية البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي بالمجلس القومي للمرأة
  • الذكاء الاصطناعي الخفي يهدد بتسريب بيانات الشركات
  • بعد تدخل رونالدو.. حيدر عبد الكريم يلتحق بمعسكر النصر في لشبونة
  • خطوات استخراج بطاقة الرقم القومي أونلاين عبر مصر الرقمية
  • الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟
  • تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
  • الجمارك الأمريكية تصادر 445 ألف قطعة مونديالية مقلدة
  • التموين توضح إجراءات التظلم من الاستبعاد : تحديث البيانات شرط أساسي لقبول الطلب
  • تقرير مؤسسة الوسيط: الرقمنة لم تنه البيروقراطية بل نقلتها إلى المنصات الإلكترونية