لم يكن التعليم العالي في مصر يومًا مجرد مسار دراسي أو محطة للحصول على وظيفة، بل كان على امتداد التاريخ مرآة لروح هذا الوطن وقدرته على النهوض من كل العثرات. 

فالأمم تُقاس بما تنتجه من علم، وبما تصنعه جامعاتها من عقول، ومصر أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، حين تحوّل الأزهر الشريف قبل أكثر من ألف عام إلى أول جامعة حقيقية في المنطقة، ومنها انطلقت فكرة أن المعرفة قوة وأن الكتاب يمكن أن يكون أداة لبناء الدولة مثل السيف تمامًا.

من أروقة الأزهر خرجت تيارات فكرية شكّلت وجدان المصريين، وهناك تلاقى طلاب العلم من المشرق والمغرب، وتكوّن عقل ديني مستنير قاوم الجمود وفتح الباب أمام أسئلة العصر. 

لم يكن الأزهر مؤسسة تعليمية فحسب، بل كان برلمانًا معرفيًا يناقش قضايا المجتمع والسياسة واللغة والفلسفة، ولذلك ظل لقرون طويلة قلب الحياة الثقافية في مصر. 

وحين دخلت البلاد عصر الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر، لم يكن ممكنًا بناء نهضة جديدة دون أن يتجاور هذا التراث مع علوم العصر.

جاء مشروع محمد علي ليضع البذرة الأولى للتعليم الحديث، فأنشأ مدارس الطب والهندسة والألسن، وأرسل البعثات إلى أوروبا، وعاد رفاعة الطهطاوي ليترجم علوم الغرب إلى لغة يفهمها المصريون.

 كانت تلك اللحظة أشبه بجسر بين زمنين: زمن المؤسسة الدينية التقليدية، وزمن الجامعة المدنية الحديثة. 

ومن رحم هذه التحولات وُلدت الجامعة المصرية عام 1908 كحلم وطني قاده مثقفون آمنوا بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من قاعة الدرس.

تحوّلت الجامعة لاحقًا إلى جامعة القاهرة، وصارت نموذجًا لبقية الجامعات التي انتشرت في أنحاء البلاد. 

وبعد ثورة يوليو اتخذ التعليم العالي بُعدًا اجتماعيًا واضحًا، فأصبحت الجامعة حقًا لأبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، لا امتيازًا للنخبة وحدها. 

تأسست جامعات في الأقاليم، وامتلأت المدرجات بأبناء القرى الذين وجدوا في التعليم سلّمًا للعدالة الاجتماعية. 

غير أن هذا التوسع الكمي حمل في داخله تحديات كبيرة، فما أسهل أن نبني مباني، وما أصعب أن نبني عقولًا.

في التسعينيات دخل التعليم العالي مرحلة جديدة مع ظهور الجامعات الخاصة والأهلية، وبدأ الحديث عن الجودة والاعتماد، وعن ضرورة ربط الخريج بسوق العمل.

 ومع مطلع العقد الأخير أخذت الدولة مسارًا أكثر جرأة، فأنشأت جامعات الجيل الرابع، وفتحت الباب أمام أفرع الجامعات الدولية، وتحدّثت للمرة الأولى بلغة الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي.

 أرقام اليوم تقول إن لدينا أكثر من مئة جامعة بمختلف أنماطها، ونحو أربعة ملايين طالب، وعشرات الآلاف من أعضاء هيئة التدريس، وهو رقم ضخم يعكس حجم المسؤولية قبل أن يعكس حجم الإنجاز.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي أن تتسع الخريطة الجامعية كي نقول إننا امتلكنا تعليمًا عاليًا حقيقيًا؟ التجربة تقول إن العبرة ليست بعدد الجامعات، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة. 

ما زلنا نعاني فجوة واضحة بين ما يُدرَّس في القاعات وما يحتاجه سوق العمل، وما زال البحث العلمي في كثير من الأحيان نشاطًا نظريًا لا يتحول إلى قيمة اقتصادية.

 والجامعة التي لا تصنع تأثيرًا في محيطها الاجتماعي تبقى مبنى جميلًا بلا روح.

التحدي الأكبر اليوم هو أن تتحول جامعاتنا من مؤسسات لتلقين المعرفة إلى مصانع لإنتاجها. 

العالم يتغير بسرعة مذهلة، والوظائف التي نُعدّ لها طلابنا قد تختفي خلال سنوات قليلة. 

لم يَعُد إصلاح منظومة التعليم العالي ترفًا اختياريًا، بل أصبح قضية وطنية مصيرية تتصدر أولويات الدولة في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصر. 

وهو التوجّه الذي يؤكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في كل محفل، إيمانًا بأن التعليم الحديث هو القاطرة الحقيقية للتنمية، والطريق الذي ينقل وطننا من دائرة الاستهلاك إلى رحاب الإنتاج والابتكار، ليصبح قادرًا على بناء اقتصاد وطني قوي قائم على المعرفة، وسواعد أبنائه المبدعين.

نحن بحاجة إلى مناهج مرنة، وإلى أستاذ جامعي يمتلك أدوات العصر، وإلى شراكة حقيقية بين الجامعة والصناعة، وإلى بحث علمي يجد طريقه إلى المصنع والمستشفى والحقل.

كما أن العدالة في التعليم تظل قضية جوهرية. 

فالتوسع في التعليم الخاص لا يجب أن يصنع طبقية معرفية جديدة، والجامعات الحكومية مطالَبة بأن تستعيد بريقها العلمي كي لا يصبح الفقراء وحدهم ضحايا التراجع.

المعرفة حق للجميع، لكن جودتها مسؤولية الدولة والمجتمع معًا.

لقد نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في تحسين موقع عدد من جامعاتها في التصنيفات الدولية، وزاد النشر العلمي، وتوسعت برامج التعاون مع جامعات العالم.

 وهي خطوات مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم يشعر الطالب داخل المدرج بأن ما يتعلمه سيصنع مستقبله فعلًا، لا أن يكون مجرد شهادة تُعلَّق على الجدار.

إنني أؤمن أن التعليم العالي في مصر يقف اليوم على مفترق طرق يشبه ذلك الذي وقفت عليه البلاد قبل قرن، حين تأسست الجامعة المصرية. 

آنذاك كان السؤال: كيف نبني جامعة وطنية مستقلة؟ أما اليوم فالسؤال: كيف نبني جامعة قادرة على المنافسة عالميًا؟ الفرق كبير، لكن الروح يجب أن تكون واحدة: روح الإيمان بأن نهضة مصر تبدأ من عقول أبنائها.

من الأزهر إلى جامعات الذكاء الاصطناعي تمتد خيوط قصة طويلة، فيها لحظات مجد وإخفاق، وفيها علماء أناروا الطريق، وطلاب حلموا بغد أفضل.

 هذه القصة لم تنتهِ بعد، ونحن الجيل المكلّف بكتابة فصلها الجديد. 

وإذا كانت السياسة تبني الحاضر، فإن الجامعة تبني المستقبل، والمستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، بل لمن يصنعه بالعلم والعمل.

إن مصر التي علّمت العالم معنى المدرسة قادرة على أن تعلّمه من جديد معنى الجامعة الحديثة، شرط أن نمتلك الشجاعة للإصلاح، والإيمان بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في البشر. 

وعندما تستعيد الجامعة دورها التنويري والبحثي والاجتماعي، سنكتشف أن طريق التنمية يبدأ دائمًا من بوابة المعرفة.

المصدر

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: أروقة الأزهر الازهر الشريف الجامعة المصرية الجامعات الخاصة جامعة القاهرة القرن التاسع عشر جامعات الجيل الرابع التعليم العالي في مصر التعلیم العالی فی مصر

إقرأ أيضاً:

رئيس جامعة القاهرة يتابع سير امتحانات لجامعة الأهلية

أجرى الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، جولة تفقدية لمتابعة سير امتحانات نهاية الفصل الدراسي الثاني للعام الجامعي 2025/2026 بعدد من كليات وبرامج جامعة القاهرة الأهلية والفرع الدولي. 

نائب رئيس جامعة القاهرة يطمئن على تطبيق تعليمات امتحانات نهاية العام

جاء ذلك للاطمئنان على انتظام أعمال الامتحانات، والتأكد من توفير الأجواء الملائمة للطلاب داخل اللجان، ومتابعة تطبيق المعايير الأكاديمية والتنظيمية التي تضمن حسن سير العملية الامتحانية.

ورافق رئيس الجامعة خلال الجولة كل من الدكتور محمد العطار نائب رئيس جامعة القاهرة الأهلية للشئون الأكاديمية، والدكتورة هبة نوح مساعد رئيس جامعة القاهرة لشئون الفرع الدولي، والدكتور عبد الهادي العوضي عميد كليات قطاع الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، والدكتور مصطفى عابدين عميد كليات قطاع الهندسة والعلوم الأساسية، والأستاذ نصر الروبي أمين عام جامعة القاهرة الأهلية، إلى جانب مديري البرامج الأكاديمية المختلفة.

وشملت الجولة تفقد عدد من لجان الامتحانات والاختبارات الإلكترونية، حيث حرص الدكتور محمد سامي عبدالصادق على متابعة سير الامتحانات الرقمية والاطمئنان على جاهزية البنية التكنولوجية وكفاءة أنظمة الاختبارات الإلكترونية، والتأكد من توافر الدعم الفني داخل المعامل واللجان للتعامل الفوري مع أي ملاحظات أو استفسارات، بما يضمن أداء الطلاب لامتحاناتهم في أجواء مستقرة ومنظمة تعكس مستوى التطور الذي تشهده الجامعة في مجال التحول الرقمي.

وخلال الجولة، استمع رئيس الجامعة إلى آراء الطلاب وملاحظاتهم حول طبيعة الأسئلة ومستوى الامتحانات ومدى توافقها مع المقررات الدراسية ومخرجات التعلم المستهدفة، كما اطمأن على انتظام أعمال اللجان وتواجد أعضاء هيئة التدريس والفرق الفنية المختصة بالدعم التقني، موجهاً بتقديم جميع أوجه الدعم للطلاب وتذليل أي عقبات قد تواجههم خلال فترة الامتحانات.

ووجه رئيس الجامعة بضرورة البدء في أعمال التصحيح فور انتهاء امتحان كل مقرر، وتفعيل دور لجان الممتحنين، والانتهاء من أعمال الرصد والمراجعة بدقة وكفاءة، بما يضمن إعلان النتائج وفق الجداول الزمنية المقررة وبأعلى درجات الدقة والشفافية. كما أشاد سيادته بما لمسه من حسن تنظيم وانضباط داخل اللجان، مثمنًا جهود إدارات الكليات وأعضاء هيئة التدريس في متابعة العملية الامتحانية وتهيئة المناخ الملائم للطلاب.

ومن جانبه، أوضح الدكتور محمد العطار، نائب رئيس جامعة القاهرة الأهلية للشئون الأكاديمية، أن الامتحانات تُعقد وفق الجداول الزمنية المعلنة دون معوقات، في ظل متابعة مستمرة من القيادات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس، مؤكدًا الالتزام بمواصفات الورقة الامتحانية والمعايير الأكاديمية المعتمدة، بما يضمن قياس مختلف المهارات والمستويات المعرفية للطلاب وتحقيق مخرجات التعلم المستهدفة.

وأضاف أن جامعة القاهرة الأهلية تحرص على تقديم تجربة تعليمية متكاملة لطلابها، من خلال توفير بيئة أكاديمية حديثة تدعم الإبداع والتميز، وتسهم في إعداد خريجين قادرين على المنافسة في سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا.

ومن جهتها، أكدت الدكتورة هبة نوح، مساعد رئيس جامعة القاهرة لشئون الفرع الدولي، حرص إدارة الجامعة على توفير جميع الإمكانات اللازمة لضمان حسن سير الامتحانات وفق المعايير الأكاديمية الدولية المطبقة بالبرامج الدراسية، مشيرة إلى أن انتظام أعمال الامتحانات يعكس حجم التنسيق والتعاون بين إدارات الكليات وأعضاء هيئة التدريس، بما يسهم في توفير بيئة امتحانية آمنة ومنضبطة للطلاب، مع المتابعة المستمرة لسير اللجان والاستجابة الفورية لأي ملاحظات أو شكاوى حتى انتهاء الامتحانات بنجاح.

وزير التربية والتعليم: واجهنا التحديات المزمنة في العملية التعليمية جامعة الجلالة تعرض أول نظام محاكاة مصري للتدريب على الرنين المغناطيسي وزير التربية والتعليم يبحث مع اليونسكو تطوير المنظومة التعليمية نائب رئيس جامعة القاهرة يطمئن على تطبيق تعليمات امتحانات نهاية العام تخريج دفعة جديدة من دارسي لغة الإشارة المصرية في جامعة عين شمس رئيس جامعة العاصمة: التوسع في زراعة جميع المساحات الصالحة للزراعة وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم يتفقدان معهد الكوزن المصري الياباني شراكة بحثية دولية تُثري الابتكار في التحليل الدوائي في الجامعة الألمانية بالقاهرة ننشر المصروفات الدراسية في جامعة حلوان الأهلية 2026 لدعم الأنشطة الطلابية.. جامعة العاصمة تفتح باب اختبارات منتخب كرة القدم


 

مقالات مشابهة

  • رئيس جامعة القاهرة يتابع سير امتحانات لجامعة الأهلية
  • حسام الحداد يكتب: ما بعد "الغموض الاستراتيجي".. الشرق الأوسط في مرحلة "التموضع القسري"
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم والنائب الأول لـ"جايكا" يتفقدون معهد الكوزن المصري الياباني
  • رئيس جامعة العريش يتفقد الاختبارات الإلكترونية بالكليات: التكنولوجيا تصنع مستقبل التعليم الجامعي
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي لغة الإشارة المصرية في جامعة عين شمس
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم يتفقدان معهد الكوزن المصري الياباني
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟
  • وزير التعليم العالي يشهد إطلاق أول برنامج ماجستير دولي في الإدارة الرياضية بالشرق الأوسط
  • نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية