إيكونوميست: كولومبيا تفشل في كسر اقتصاد الكوكايين بالقوة
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
فوق مقاطعة بوتومايو الملبّدة بغيوم التوتر في جنوب غربي كولومبيا، لا يكسر صمت الأدغال سوى أزيز مروحيات "بلاك هوك" وهي تشق طريقها فوق مساحات خضراء شاسعة، تبدو للناظر كجنانٍ غنّاء، لكن أغصان الموز والكاكاو المنتشرة هناك تخفي وراءها حقيقة صادمة.
وفي توصيف أشبه بأفلام الإثارة والحركة، استهلت مجلة إيكونوميست البريطانية تقريرها الميداني بمشهد مروحيتين تحلِّق إحداهما على ارتفاع منخفض فوق بلدة فيلاغارسون في بوتومايو لتشتيت الانتباه، بينما تهبط الأخرى، محدثة دوامات هوائية عنيفة تطيح بشجيرات الكوكا المحيطة.
ويقفز من المروحية نحو 12 عنصرا من "كوماندوز الغابة"، وهي وحدة نخبوية في شرطة مكافحة المخدرات الكولومبية. ويتقدمون بحذر حاملين بنادقهم الهجومية نحو هدفهم، وهو كوخ خشبي متوارٍ بين أشجار الموز.
مهمتهم -وفق المجلة- تدمير مختبرات تديرها العصابات في المناطق الواقعة على الحدود مع دولتي الإكوادور والبيرو، حيث يُنتج قرابة 70% من كوكايين العالم.
وتجبر العصابات بعض المزارعين على تصنيع عجينة الكوكا، مهددة إياهم بالقتل، وتُجنِّد أبناءهم كمقاتلين في صفوفها، بينما يزرع آخرون الكوكا ببساطة لأنها أكثر ربحية.
نجاحات ضئيلة للشرطة
ورغم كثافة عمليات الشرطة تلك، فإن "إيكونوميست" تقول إنها لا تحقق سوى مكاسب مؤقتة في مواجهة شبكة إنتاج وتهريب تتسم بمرونة عالية.
تأتي هذه المداهمات ضمن إستراتيجية ثلاثية تنتهجها الحكومة اليسارية في كولومبيا، بقيادة الرئيس غوستافو بيترو، لمكافحة تهريب المخدرات. وتركّز الإستراتيجية على تشديد الرقابة على شحنات الكوكايين في الموانئ، وملاحقة كبار المتورطين وتسليمهم، وتدمير مرافق التصنيع.
وأشارت المجلة إلى أن هذه الإستراتيجية تواجه انتقادات حادة، لا سيما من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي هدد بجعل "مصانع الكوكايين" هدفا قادما لعملياته العسكرية بعد فنزويلا.
إعلانهذا التوتر الدبلوماسي -برأي إيكونوميست- بلغ ذروته مع سحب واشنطن صفة "الحليف" من كولومبيا في حرب المخدرات.
إيكونوميست: جذور المشكلة أعمق من أن تُحل بالغارات والمتفجرات، فطالما ظل الطلب العالمي على الكوكايين قائما، واستمرت هشاشة الدولة في مناطق الأطراف، ستبقى كولومبيا عالقة في حرب استنزاف لا نهاية واضحة لها. إنتاج هائلأسفرت العمليات العسكرية عن ضبط 2840 طنا من الكوكايين خلال المدة منذ تولي الرئيس اليساري بيترو السلطة في عام 2022 وحتى نهاية العام الماضي، وهي كمية تزيد بمقدار 61%، مقارنة بما حققته الحكومة اليمينية السابقة خلال فترة مماثلة.
غير أن هذه الأرقام تكشف، في الواقع، عن الحجم الهائل للإنتاج، الذي توسّع بالتوازي مع اتساع رقعة زراعة الكوكا. فقد بلغ إنتاج الكوكايين في كولومبيا مستوى قياسيا وصل إلى 3001 طن في عام 2024، بحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 13% عن العام السابق، وأكثر من ضعف الكمية المسجلة في عام 2021، أي قبل تولي بيترو السلطة، ويشير منتقدون إلى هذا الارتفاع بوصفه دليلا على فشل سياسات الرئيس، وفق التقرير الميداني.
فشل برامج استبدال المحاصيلويبرز التقرير التناقض المركزي في الحرب على المخدرات: فكل مختبر يُدمَّر يُعاد بناؤه بسرعة، وكل ضربة أمنية تقابلها توسعة في زراعة الكوكا. أما مزارعو هذه النبتة، فيقفون بين مطرقة الدولة وسندان العصابات، محرومين من بدائل اقتصادية حقيقية، في ظل فشل برامج استبدال المحاصيل التي لم تشمل سوى جزء محدود من الأراضي المزروعة.
سياسيا، تواجه بوغوتا ضغوطا متزايدة من واشنطن، فالرئيس ترمب، الذي عاد إلى تصعيد لهجته ضد المخدرات، لوّح بإجراءات عقابية ضد كولومبيا، وانتقد بشدة تشكيك بيترو في تقارير الأمم المتحدة وعرقلته عمل مكتبها المعني بالمخدرات. كما امتدت التداعيات إلى الجوار الإقليمي، مع فرض الإكوادور رسوما أمنية على الواردات الكولومبية.
وخلصت إيكونوميست إلى أن جذور المشكلة أعمق من أن تُحل بالغارات والمتفجرات. فطالما ظل الطلب العالمي على الكوكايين قائما، واستمرت هشاشة الدولة في مناطق الأطراف، ستبقى كولومبيا عالقة في حرب استنزاف لا نهاية واضحة لها، حيث يُطفأ حريق هنا ليشتعل آخر في مكان آخر.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
"نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بأن أكثر من 200 شخص لقوا مصرعهم منذ أن أطلقت وزراة الحرب الأمريكية حملة تستهدف قوارب يزعم أنها تابعة لعصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية.
وأعلن الجيش الأمريكي يوم السبت عن مقتل ثلاثة رجال في شرق المحيط الهادئ في غارة جوية أمر بها الجنرال فرانسيس إل. دونوفان قائد القيادة الجنوبية، ضد قارب كان "متورطا في عمليات تهريب مخدرات".
وبذلك يرتفع إجمالي عدد القتلى إلى 202 على الأقل في أكثر من 60 غارة جوية.
وذكرت الصحيفة الأمريكية أن هذه الضربات أحيطت بالسرية، ولم يتم انتشال سوى عدد قليل من جثث القتلى، ولا يوجد سوى بعض الأدلة المادية على وجود حطام أو مخدرات تدعي إدارة ترامب أن القوارب كانت تنقلها.
ويؤكد عدد كبير من الخبراء القانونيين أن هذه الضربات غير قانونية، إذ يُحظر على الجيش استهداف المدنيين عمدا، حتى لو كان يعتقد أنهم ارتكبوا جريمة، ما لم يشكلوا تهديدا مباشرا.
كما يؤكد الخبراء أيضا أنه لا يوجد دليل على أن هذه الضربات قد أثرت على كمية الكوكايين التي تصل إلى الولايات المتحدة من أمريكا الجنوبية.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن عدد القتلى لا يمثل سوى بُعدا واحدا من عواقب الحملة القاتلة.
وتقول الصحيفة إن المجتمعات الساحلية في كولومبيا والإكوادور حيث يُعتقد أن معظم القوارب تنطلق من هناك، لا تحصي الخسائر فقط في الأقارب الذين لم يعودوا أبدا، ولكن أيضا في كيفية تأثير الهجمات على حياة أولئك الذين يكسبون رزقهم من المحيط بينما يخشونه الآن.
ووصف السكان مجتمعات بأكملها وهي تتخلى عن الصيد لأن "اللانشات" الصغيرة، أو الزوارق السريعة، التي يستخدمها المتاجرون بالبشر والصيادون غالبا ما تكون متشابهة.
وفي الإكوادور وكولومبيا، وصف السكان أنفسهم بأنهم عالقون بين قوى خارجة عن سيطرتهم: إدارة ترامب الجريئة التي رفضت اتهامات ارتكاب مخالفات مع تقديم القليل من الأدلة لدعم مزاعمها، وتجار المخدرات الذين غالبا ما يفترسون الصيادين، ويستولون على قواربهم لاستخدامها لأغراض التهريب.
وقال البعض إن الخطوط الفاصلة بين الصيادين والمتاجرين بالبشر قد تتداخل أيضا، ففي المواسم المنخفضة أو ببساطة كوسيلة لزيادة المكسب عن دخل الصيد الضئيل، يلجأ بعض الصيادين إلى أعمال الاتجار بالبشر بشكل متقطع لتأمين قوت عائلاتهم.
وعلى عكس حكومة الإكوادور اليمينية، انتقد الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو، بشدة الضربات واصفا إياها بـ"القتل".
وذكر غوستافو بيترو أنه في إحدى الضربات التي وقعت في أكتوبر الماضي، قتل صياد كولومبي.
وعقب تلك الضربة، علق بيترو تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الجيش الأمريكي فيما يتعلق بأهداف تلك الضربات.
وبلغت الضربات ذروتها في ديسمبر 2025، حيث بلغ عددها 14 في ذلك الشهر، لكن وتيرتها بدأت تتسارع مؤخرا وشهدت الفترة بين 11 أبريل و8 مايو ضربات كل ثلاثة أيام تقريبا.