أمين حسن عمر لـعربي21: أي هدنة مع الدعم السريع ستؤدي لتقسيم السودان
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
قال مستشار الرئيس السوداني السابق عمر البشير والقيادي البارز في "التيار الإسلامي العريض"، الدكتور أمين حسن عمر، إن "اتهام التيار الإسلامي بعرقلة الهدنة الإنسانية يتجاهل حقيقة أن هذا الموقف يتطابق مع موقف غالبية الشعب السوداني، الذي يرى في الهدنة المطروحة قبلة حياة لمليشيا الدعم السريع المهزومة".
وحذّر عمر، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، من أن "أي وقف لإطلاق النار بشكل غير مشروط سيفتح الباب عمليا لتقسيم البلاد، كما حدث في تجارب إقليمية سابقة لم تنجح الضمانات الدولية في منع تكريسها على الأرض".
وأضاف أن "الادعاءات بشأن سيطرة الإسلاميين على الجيش السوداني تفتقر تماما إلى المصداقية"، موضحا أن "الجيش مؤسسة وطنية، وأن تدين أفراده لا يعني خضوعهم لتنظيم سياسي، كما أن التيار الإسلامي اليوم ليس سلطة فوق المجتمع، بل مكوّن شعبي يعكس الهوية الدينية والثقافية لغالبية السودانيين، ولا يفرض وصايته على المؤسسة العسكرية أو قرارها الوطني".
وأكد عمر أن "مواقف الرباعية الدولية المعادية للتيار الإسلامي ليست جديدة، ولن تؤثر على علاقته بالشعب السوداني أو على موقفه من الحرب"، لافتا إلى أن "إنهاء الحرب يمر عبر هزيمة المليشيا لا عبر هدنة تُعيد إنتاج الأزمة".
وشدّد مستشار الرئيس السوداني السابق، على أن "السودان يتجه، رغم التضحيات، نحو نصر يحققه الجيش بدعم شعبي واسع، يعقبه مسار إعمار وسيادة لا يقبل التبعية أو التقسيم".
وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
هل تُمثّل التطورات الأخيرة التي جرت في مدينة الفاشر وغيرها تحوّلا في ميزان القوى داخل البلاد؟
إن استيلاء المليشيا على مدينة الفاشر، بعد حصار طويل ومقاومة باسلة امتدت لنحو ثلاثين شهرا، يُعدّ أمرا مؤسفا بلا شك، لكنه لم يُحدث تغييرا حقيقيا في ميزان القوى العسكرية؛ فمدينة الفاشر، التي تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، شكّلت تحديا لوجستيا بالغ الصعوبة للجيش، نظرا لقربها من خطوط إمداد المليشيا عبر تشاد والحدود الليبية، في مقابل بُعدها الشديد عن خطوط إمداد الجيش.
وقد ظل الجيش يعتمد على الإمداد الجوي لفترة طويلة، إلى أن حصلت المليشيا - عبر وكلائها الإقليميين - على أجهزة رصد ودفاع جوي عطّلت فعليا حركة الطيران، ما أدى إلى خنق المدينة وإدخالها في مجاعة قاسية، اضطر معها غالبية السكان إلى أكل "الأمباز" المُعدّ أصلا كعلف للحيوانات.
أمام هذا الواقع الإنساني والعسكري القاسي، لم يكن أمام القوات داخل المدينة سوى اتخاذ القرار الصعب بالانسحاب وإعادة التموضع خارجها. غير أن المليشيا، عقب إخلاء المدينة، ارتكبت فظائع ومذابح مروّعة جدا، كشفت للعالم طبيعتها العنصرية المتوحشة والإرهابية. ولئن ظنت هذه المليشيا أن استيلاءها على الفاشر يُمثّل نصرا، فإن ما جرى كان في الحقيقة لحظة كاشفة فتحت أعين كثيرين على إجرامها، وعلى إجرام شركائها الممولين والداعمين لها.
كيف تردون على الاتهامات المباشرة التي تقول إن التيار الإسلامي - أو بعض أجنحته - بات "العقبة الكؤود" أمام إقرار هدنة إنسانية ووقف الحرب في السودان؟
التيار الإسلامي يرفض الهدنة التي تقترحها "الرباعية الدولية"، وهو موقف يتطابق إلى حدّ كبير مع موقف السواد الأعظم من الشعب السوداني، الذي لا يرى في هذه الهدنة سوى "قبلة حياة" لمليشيا مهزومة، ويُدرك الشعب السوداني جيدا أن أي هدنة من هذا النوع ستقود عمليا إلى تقسيم البلاد على أرض الواقع، عبر فصل إقليم دارفور وأجزاء من إقليم كردفان إلى الأبد.
ولا يقتنع السودانيون بتطمينات "الرباعية" أو غيرها بأنها لا تعترف – ولن تعترف – بهذا التقسيم؛ إذ يرون بأعينهم كيف تحوّل تقسيم ليبيا إلى واقع قائم، وقبله اليمن والصومال، بينما تعقد دول تتحدث عن "عدم الاعتراف بالكيانات الموازية" اتفاقيات وتقيم علاقات مع دويلة حفتر في شرق ليبيا، ومع دويلة "صوماليلاند".
وبلادنا، بإذن الله، لن تصبح دولةً مُقسّمة، ولن نسمح بذلك أبدا مهما حدث، ولن نقبل بضمانات لا تتجاوز كونها كلمات دبلوماسية عابرة، يطلقها دبلوماسيون من هنا وهناك، ثم تُنسى مع أول اختبار حقيقي.
لكن ماذا عن معاناة أهل السودان؟
كل حرب تنطوي بطبيعتها على معاناة، ولا أحد يستخف مطلقا بمعاناة الناس أو يقلل من حجمها، غير أن المفاضلة تصبح مطروحة عندما يكون البديل معاناة أشد؛ إذ يُضطر المرء حينها إلى اختيار أهون الشرّين، وفي هذا السياق تُعدّ الحرب أهون الشرّين.
فأي توقف أو تهدئة، مهما كانت دوافعها، من شأنها أن تعيد إشعال الحرب مُجددا، طالما أن الأسباب الخارجية التي تغذيها ما تزال قائمة، وكذلك الأسباب الداخلية، في ظل وجود قوة غير نظامية تتسم بالفوضوية وتمارس الإرهاب. لذلك، لا يراهن كثيرون على أن هدنة أو تفاهم مؤقت يمكن أن يقود إلى استقرار حقيقي أو يضع حدا للمعاناة.
قد يكون هذا تقديرا سياسيا، لكن استطلاع آراء غالبية الشعب السوداني يكشف عن قناعة مماثلة، وهو ما يفسر تساؤل البعض عن سبب وجود تأييد شعبي لاستمرار الحرب رغم قسوتها؛ إذ ترى قطاعات واسعة من الناس أن البديل ينطوي على مخاطر أشد.
كيف ترى قول البعض بأن الإسلاميين يسيطرون على الجيش السوداني؟
يقصدون بذلك الزعم بوجود ضباط إسلاميين يعملون في الخفاء ويديرون الجيش، ومن ثم يخلصون إلى اعتبار المؤسسة العسكرية بأكملها ذات طابع إسلامي، وأنها صنيعة نظام الإنقاذ، غير أن هذا الطرح يفتقر تماما إلى الدقة، ولا يستند إلى أسس واقعية، بل إن ذلك كلام فارغ من أي أساس.
هؤلاء يزعمون أن الجيش "إسلامي"، وهذا خطأ وكذب فج؛ فالجيش ليس إسلاميا. كون أن أغلب الجيش مسلم ومتدين لا يعني أنه جزء من منظومة إسلامية. في الماضي كان الجيش معروفا بالفوضى وشرب الخمر، ثم تغير هذا، وأنا دائما أقول إن هذا التغيير قادته الحركة الإسلامية منذ 1976 في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري، حيث مُنع الخمر، وأُنشئت المساجد في سكنات الجيش، وتغير الشعار، وفُرضت دورات تثقيفية.
لكن وجود ضباط متدينين لا يعني أنهم جزء من تنظيم، ومَن يقول هذا متخلف في متابعة المراحل، ونحن تجاوزنا مرحلة التمسك باللافتات والعناوين. الحركة الإسلامية الآن تيار ضمن الشعب السوداني، والشعب السوداني مسلم بطبيعته.
برأيكم، هل أخطأت "الرباعية الدولية" عندما وجّهت بيانها اتهامات مباشرة إلى تيار الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في السودان وسمّتهم بالاسم؟ وما دلالة هذا التوصيف على قراءة القوى الدولية لخريطة الفاعلين في الداخل السوداني؟
الرباعية لم تُخطئ في إعلان موقفها المعادي للتيار الإسلامي؛ فهي تدرك جيدا أننا نعرف موقفها المسبق من هذا التيار، بسبب عدم مسايرته لاتجاهات التبعية والتطبيع المفروضة في المنطقة.
ومواقف دول الرباعية ليست جديدة ولا مجهولة، ولو لم تُعلنها صراحة لقرأناها بوضوح بين السطور.
غير أن هذا الموقف لن يغيّر شيئا من واقع علاقتنا المتينة بشعبنا، ولن يمسّ رصيدنا الراسخ في وجدان السودانيين؛ فهذه المواقف ليست جديدة علينا، ولا تثير فينا خوفا أو ارتباكا، ونحن راسخون في ركن ركين من شعبنا، وواثقون في ربنا، وفي أنفسنا، لا يهزّنا إرجاف ولا ترهيب.
في ضوء الانتقادات الدولية الصريحة لدور بعض الإسلاميين في تغذية الحرب، هل لدى التيار خطة لإعادة بناء علاقته مع المجتمع الدولي أم ما زال يفضّل الاحتماء بخطاب "المؤامرة" ورفض الضغوط الخارجية؟
الاتهامات الصادرة عمّن يُسمّون أنفسهم "المجتمع الدولي" – وهم في حقيقتهم تحالف استكباري معاد لشعوبنا – لا تعنينا في شيء. أما مسألة تسعير الحرب، فهم يعرفون تماما مَن أشعلها، ومَن لا يزال ينفخ في نارها.
وأما الحديث عن "نظرية المؤامرة"؛ فلم يعد ما يجري مؤامرة خفية حتى يُجادل حولها، بل هو مُخطط معلن وأحداث مؤسفة تراها كل عين بصيرة، ولا يعمى عنها إلا العملاء أو الجبناء.
إلى أي مدى يمسك التيار الإسلامي فعليا بمفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية؟ وهل يمكن الحديث عن "تحجيم" لخيارات الجيش في ملف الهدنة والسلام بسبب حسابات خاصة بالتيار الإسلامي؟
لا يحتاج التيار الإسلامي إلى فرض موقفه على الجيش في مسألة رفض الهدنة؛ فالجيش يرفضها من موقعه الوطني، ويرفضها معه الشعب الذي يناصره ويدعمه. ذلك أن الجميع يدرك أن الهدنة المطروحة ليست مسعى صادقا نحو سلام عزيز لأهل السودان، بل فخ دولي وإقليمي محبوك، يهدف إلى إنقاذ مليشيا منهزمة ومنحها فرصة لإعادة التقاط أنفاسها.
بعد ثلاثين عاما من حكم الحركة الإسلامية، يعيد البعض جذور الخلل البنيوي في الدولة السودانية إلى تلك المرحلة تحديدا.. فهل يملك التيار الإسلامي اليوم شجاعة الاعتراف بدوره في هذا الخلل وتقديم مراجعات فكرية وسياسية حقيقية؟
الحديث عن وجود خلل بنيوي في الدولة السودانية حديث صحيح في جوهره، غير أن هذا الخلل لم تُنشئه الحركة الإسلامية، بل صنعه الاستعمار منذ نشأة الدولة، عبر تجاهله لدين الشعب وثقافته وحقه في حرية قراره، ولا يزال الاستكبار العالمي يعمل على استدامته حتى اليوم.
فالخلل الحقيقي في الدولة السودانية، كما في كثير من الدول العربية والأفريقية والإسلامية، يتمثل في خلل الارتباط البنيوي بثقافة وسياسة واقتصاد ومعادلة استعمارية تسعى لإبقاء شعوبنا في حالة استتباع وخضوع. التيار الإسلامي رفض هذه المعادلة، وسيظل يرفضها ويقاومها، ولن يرى يوما أن غاية التعقّل هي القبول بأمر واقع بئيس يُراد له أن يستدام.
نعم، قد نخطئ في التقدير أو نقصر في العمل أثناء سيرنا في الاتجاه الصحيح الممانع والمقاوم، وهذا أمر نقرّ به ونراجعه مرة بعد أخرى؛ فنحن ننتمي إلى دين يعلّمنا أن محاسبة النفس على الخطأ والتقصير هدي قويم، ولم نكف يوما عن مراجعة المسيرة، وانتقاد أخطائها، وتصحيح مسارها نحو قبلة يرضاها شعبنا وربنا.
كيف يمكن للتيار الإسلامي أن يقدّم اليوم "رؤية للخروج من الحرب" لا "رؤية لاستمرارها"؟ وما الضمانات التي يمكن أن يقدّمها لبقية القوى السودانية بأن هذه الرؤية لن تكون غطاءً لإعادة إنتاج هيمنته السابقة؟
رؤيتنا لإنهاء الحرب واضحة لا لبس فيها: دحر المليشيا وهزيمة المقاصد التي تقف خلف استخدامها. أعجب ذلك من أعجبه، ولم يعجب مَن لم يعجبه، فذلك لا يعنينا. ما يعنينا هو الانحياز لإرادة الشعب السوداني في السيادة وحرية القرار.
أما الشق الثاني من السؤال، فلن أكرمه بإجابة.
في حال فُتح مسار سياسي جاد يفضي إلى انتخابات حرّة، هل يقبل التيار الإسلامي الدخول في هذا المسار وفق قواعد شفافة تتيح تداول السلطة فعليا أم ما زال هاجس "التمكين" هو المحدد الأساسي لسلوكه السياسي؟
التيار الإسلامي قبل دائما، وسيظل يقبل، بالانتخابات معيارا وحيدا لتولي الحكم. أما الحديث عن "التمكين" وكأن الإسلاميين حكموا بغير إرادة أو قبول من الشعب، فهو يعكس موقفا متحيزا أو خطابا ببغائيا يردد ما تروّجه وسائل إعلام معادية لا أكثر.
كيف تنظرون إلى شرط استبعاد الإسلاميين من المشهد السوداني؟
استبعاد الإسلاميين شرط غير قابل للتحقق مطلقا، ولذلك لا ننشغل به. هو كلام يُقال في الخارج، من الدوائر ذاتها التي اعتادت استبعاد أصوات الممانعة والمقاومة للتبعية والانصياع. لا يقلقنا هذا الخطاب، فهو غير قابل للتنفيذ، وإن أراد أصحابه تسلية أنفسهم بترديده، فلا نمانع.
من وجهة نظركم، هل يمكن معالجة الأزمة الواضحة بين الإمارات وتيار الإسلام السياسي في المنطقة والتي تنعكس بدورها على الأوضاع في السودان؟
لا توجد أزمة بالمعنى السياسي، وإنما يوجد استهداف. فإن كُفّ هذا الاستهداف، يمكن أن تستقيم العلاقة.
هل يمكن أن تنتهي الحرب قبل نهاية العام الجاري؟
الحديث عن موعد مُحدد لإنهاء الحرب ضرب من الهذيان. تنتهي الحرب عندما ييأس مَن أشعلها وسعّر نارها من تحقيق مقاصده. ونحن نقترب سريعا من سوقه إلى تلك اللحظة، في ظل تحولات إقليمية باتت عاملا مساعدا لم نكن نتوقعه، لكننا نحمد الله عليه.
وبلا شك ستشهد المرحلة المقبلة معارك، ولا يمكن الجزم بالمدة التي ستستغرقها؛ فلا يُتوقع أن تكون قصيرة كما يعتقد البعض، ولا طويلة بالقدر الذي يتصوره آخرون، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت قائما.
وتتمثل نقطة الضعف الأساسية لدى قوات الدعم السريع حاليا في فقدانها للتجانس؛ إذ بات جزء كبير من عناصرها يتكوّن من مرتزقة ينتمون إلى دول متعددة. كما أن التحالف القائم بين قوات عبد العزيز الحلو والميليشيا يواجه تعقيدات ومشكلات عميقة، إلى جانب صراعات قبلية معروفة بين بعض المكونات. ومن شأن هذا الواقع أن يقود، في مرحلة ما، إلى حالة من الانكسار.
ما فرص نجاح المبادرة السعودية - الأمريكية في وقف الحرب؟ وما موقفكم الرسمي منها؟
حتى هذه اللحظة، لم يُطرح حديث واضح عن مبادرة ثنائية متكاملة، وما يُتداول لا يخرج عن كونه تكرارا لطرح هدنة غير مشروطة. والأعجب أن يشترط متطفل لم تدعه أصلا ليكون وسيطا ألا يكون لك أي شروط فيما تقبل أو ترفض.
نحن لا تعنينا أقوال لا تحترم حقنا السيادي في القبول والرفض، ونتجاهلها فحسب.
إلى أين يتجه السودان في ظل التطورات الميدانية الراهنة؟
تتجه الأمور، بإذن الله، سواء تسارعت أو تباطأت، نحو نصر يحققه الجيش والشعب الذي يناصره، إما باستسلام المليشيا وكفّها عن العدوان وفق خارطة الطريق التي قدّمها السودان للأمم المتحدة، أو بإلزامها بذلك بالقوة الجبرية.
ومهما ظن بعض مَن تشربت نفوسهم روح الانهزام أن هذا طريق وعر؛ فنحن نراه طريق الكرامة والسيادة، ولا نرى طريقا آخر يفضي إليهما سواه.
السودان ماضٍ بقوة في معركة تحرير، وحتما سينتصر بإذن الله، بأقل الخسائر الممكنة، ثم تبدأ رحلة الإعمار، ونحن نؤكد أن الظروف العسكرية والإقليمية الآن لصالح الشعب السوداني مُمثل في جيشه والمقاومة الشعبية والقوات المشتركة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية مقابلات السوداني الهدنة الدعم السريع السودان الهدنة حميدتي الدعم السريع البرهان المزيد في سياسة مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الحرکة الإسلامیة التیار الإسلامی الشعب السودانی الحدیث عن یمکن أن أن هذا غیر أن
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.