أمجد الوكيل: استقلال مرفق الكهرباء «ضرورة» لإصلاح القطاع.. والنموذج النووي شاهدًا
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
قال الدكتور أمجد الوكيل، عضو الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء ورئيس هيئة المحطات النووية السابق، إن استقلال جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك عن التبعية الإدارية المباشرة لوزارة الكهرباء لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة إصلاحية وهيكلية لا غنى عنها لضمان استدامة الطاقة وقيام سوق كهرباء تنافسي حقيقي.
فصل «صناعة السياسة» عن «تنظيم السوق»
وتابع الوكيل في منشور له على صفحته على فيسبوك أنه في النظم الرشيدة عالميًا، هناك فصل واضح بين دورين لا ينبغي أن يتقاطعا: دور صانع السياسة، الذي تضطلع به الوزارة عبر وضع الاستراتيجيات القومية والأهداف العامة، ودور المنظِّم (Regulator)، الذي يراقب التطبيق ويضمن العدالة والشفافية وحماية المنافسة.
وأضاف: إن تبعية الجهة المنظمة إداريًا للوزير المسؤول عن نفس القطاع تخلق بطبيعتها تضاربًا بنيويًا في الأدوار؛ فكيف يمكن للمنظِّم أن يمارس دوره كـ«حَكَم» محايد بينما يتبع إداريًا لأحد «اللاعبين» الرئيسيين في السوق؟ هذا الوضع يُضعف قدرة الجهاز على إنفاذ قواعد المنافسة، ويقلل ثقة المستثمرين في حيادية واستقرار القرارات التنظيمية، كما يُربك مسار أي محاولة جادة لتحرير سوق الكهرباء أو إدخال آليات تداول الطاقة والنفاذ العادل للشبكة.
النموذج النووي المصري: تجربة وطنية ملهمة
وتابع الوكيل: لسنا بحاجة للذهاب بعيدًا للبحث عن نماذج دولية، فالتجربة المصرية في القطاع النووي تقدم مثالًا وطنيًا واضحًا على أهمية استقلال الجهة الرقابية.
ففي مراحل سابقة، كان مركز الأمان النووي جزءًا من هيئة الطاقة الذرية التابعة لوزارة الكهرباء، وهو ما كان يضع الرقابة والتنفيذ تحت مظلة واحدة. ومع انطلاق البرنامج النووي المصري، أدركت الدولة أن الالتزام بالمعايير الدولية ومتطلبات الشفافية يفرض فصلًا مؤسسيًا كاملًا، فتم إنشاء هيئة الرقابة النووية والإشعاعية كجهة مستقلة تتبع رئيس مجلس الوزراء ومنفصلة تمامًا عن الجهة المنفذة للمشروعات النووية.
وأضاف: هذا الفصل المؤسسي لم يكن إجراءً شكليًا، بل كان أحد أهم أسباب اكتساب البرنامج النووي المصري مصداقية واسعة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضمان تطبيق أعلى معايير الأمان والشفافية. والسؤال المنطقي هنا: إذا كان هذا النموذج قد نجح في أحد أكثر القطاعات حساسية وخطورة، فلماذا لا يُستفاد منه في تنظيم قطاع الكهرباء التقليدي والمتجدد؟
الاستقلال كضمانة للاستثمار وحماية الدولة
إن وجود جهة تنظيمية مستقلة يُعد الضمانة الأولى لجذب الاستثمارات طويلة الأجل، إذ يبحث المستثمر دائمًا عن القدرة على التنبؤ بالقرارات واللوائح بعيدًا عن التقلبات السياسية أو الضغوط قصيرة المدى. لكن الأهم من ذلك أن الاستقلال التنظيمي هو حماية للدولة قبل أن يكون انحيازًا للمستثمر.
ويتجلى ذلك في عدة أبعاد أساسية:
الحياد التنافسي: ضمان وقوف المنظِّم على مسافة واحدة من شركات الدولة والقطاع الخاص، بما يحقق عدالة السوق ويمنع التشوهات.
التسعير العادل: بناء تعريفة الكهرباء على أسس اقتصادية وفنية واضحة، تحمي الموازنة العامة وتضمن الاستدامة المالية لشركات القطاع.
حماية المستهلك: تمكين الجهاز من محاسبة مقدمي الخدمة بفاعلية، وضمان جودة الخدمة باعتبارها حقًا أصيلًا للمواطن.
إنجاح تحرير السوق: إذ لا يمكن الحديث عن سوق كهرباء محررة أو تداول طاقة أو نفاذ عادل للشبكة دون منظم مستقل وقوي.
وأضاف الوكيل في النهاية أن انتقال القيادة داخل جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك يجب أن يُنظر إليه كفرصة لإعادة فتح ملف الاستقلال المؤسسي على أسس موضوعية، وبمنهج إصلاحي يخدم الدولة قبل أي طرف آخر.
فبناء منظِّم قوي ومستقل لا يرتبط باسم رئيس، بل بإطار قانوني ومؤسسي يضمن استمرارية الدور، وحيادية القرار، وثقة المستثمر والمستهلك على السواء. ومع تقدير الجهود التي بُذلت خلال المرحلة السابقة، فإن المرحلة القادمة تتطلب شجاعة مؤسسية لاستكمال الإصلاح، مستلهمة من التجربة النووية المصرية التي أثبتت أن الفصل بين التنظيم والتنفيذ ليس ترفًا، بل شرطًا للنجاح والمصداقية.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من محطات التوليد، بل من المنظومة التشريعية والتنظيمية التي تحكم القطاع. وقد آن الأوان لأن يكون لدينا منظِّم كهرباء قوي ومستقل، يمثل حجر الزاوية في رؤية مصر لمستقبل طاقة مستدامة وعادلة، وقادرة على دعم التنمية.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك قطاع الكهرباء سوق الكهرباء وزارة الكهرباء البرنامج النووي مرفق الکهرباء
إقرأ أيضاً:
مجلس الدولة: ندعو الليبيين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء
أكد المجلس الأعلى للدولة الاستشاري، متابعته ببالغ القلق لاستمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتفاقم طرح الأحمال في مختلف أنحاء ليبيا، محذرًا من تداعياتها على المواطنين، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وما تسببه من أعباء على الأسر وتعطيل للمرافق العامة وإضرار بالأنشطة الاقتصادية والخدمية.
وقال المجلس، في بيان له، إن استمرار الأزمة رغم الاعتمادات المالية الضخمة التي خُصصت لقطاع الكهرباء ومشروعات التطوير المعلنة، لم يعد يُفسَّر كظرف طارئ، بل يعكس، بحسب البيان، خللًا إداريًا يستوجب المراجعة والمساءلة.
وحمّل المجلس حكومة الدبيبة، المسؤولية السياسية والإدارية عن الإخفاق في إدارة ملف الكهرباء، باعتبارها الجهة المشرفة على الشركة العامة للكهرباء، مؤكدًا أن إدارة المرافق الحيوية يجب أن تستند إلى الكفاءة والخبرة والتخصص، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
ودعا المجلس، هيئة الرقابة الإدارية، وديوان المحاسبة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والنيابة العامة، إلى فتح تحقيق شامل في الجوانب الإدارية والمالية والفنية لقطاع الكهرباء، لكشف أسباب القصور وتعثر المشروعات، والتحقيق في أي شبهات فساد أو إهدار للمال العام، مع إعلان نتائج التحقيق للرأي العام ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون.
وشدد البيان، على أن توفير خدمة كهربائية مستقرة وآمنة يعد حقًا أصيلًا لكل مواطن، مؤكدًا أن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا قائمًا على الكفاءة والشفافية والمساءلة، بما يضمن استقرار هذا المرفق الحيوي والحفاظ على المال العام.
كما دعا المجلس، المواطنين إلى ترشيد استهلاك الطاقة خلال المرحلة الراهنة، مع التأكيد أن ذلك لا يعفي الجهات التنفيذية من مسؤوليتها الكاملة في اتخاذ الإجراءات العاجلة لإنهاء الأزمة ومعالجة أسبابها من جذورها.
واختتم المجلس الأعلى للدولة بيانه، بالتأكيد على مواصلة متابعة هذا الملف وممارسة دوره السياسي والرقابي حتى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استقرار قطاع الكهرباء، وصون حقوق المواطنين، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.