في تحولٍ ميداني بارز، أحدث الجيش السوداني اختراقاً وصف بالاستراتيجي في جبهة جنوب كردفان، بانتزاعه زمام المبادرة وفك الحصار المضروب على مدينة كادوقلي، إثر عملية عسكرية خاطفة نجحت في ربط المدينة بخطوط الإمداد القادمة من الشمال.

هذا التقدم جاء بعد عمليات عسكرية منسقة انطلقت من مدينة الدلنج، وشملت السيطرة على مناطق أخرى مما أعاد ربط مدن الولاية ببعضها وبالطريق القومي المؤدي شمالاً.



فقد حشد الجيش السوداني قوات كبيرة بجانب قوة مشتركة تابعة لحركات الكفاح المسلح (حركات موقعة على سلام مع الحكومة) حيث تقدمت هذه القوات وتوزعت منذ نحو ثلاثة أيام على مناطق متفرقة في جنوب كردفان تمهيداً لبدء عملية عسكرية شاملة لفك الحصار عن كادوقلي وقطع طرق الإمداد التي تستخدمها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية بين ولايتي شمال وجنوب كردفان، كما انتشرت هذه القوات على مناطق واسعة لتأمين مدينة الدلنج والطرق المؤدية إليها.

إعلان رسمي
وقد أعلن رئيس مجلس السيادة بالسودان عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء رسميا عن فك الجيش للحصار المفروض على مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، بعد أن فرضت "قوات الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية حصارا على المدينة منذ الأشهر الأولى لاندلاع الحرب مع الجيش في 15 أبريل 2023.

كما أعلن الجيش السوداني في بيان، تمكن قواته من فتح طريق كادوقلي - الدَّلَنْج بعد ملحمة وصفها بالبطولية قال إن قواته "سطّرتها بعزيمة لا تلين وبأس لا يُقهر".

وأضاف: "اندحرت فلول المليشيا ومرتزقتها (قوات الدعم السريع) تحت الضربات القاصمة، وتكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وفرّ من تبقى منهم أمام تقدم قواتنا وهي تفتح الطريق وتكسر الحصار عن المدينة".



تقويض "استراتيجية الخنق"
ويرى متابعون للشأن السوداني أن فك الجيش للحصار المفروض على مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، لا يمثل مجرد استعادة لممر بري، بل بداية لتقويض "استراتيجية الخنق" التي انتهجتها قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب.

ويؤكد متابعون أن هذه التطورات المفاجئة تضع خارطة العمليات في كامل إقليم كردفان أمام واقع عسكري جديد، ينتقل فيه الجيش السوداني من وضعية الدفاع إلى الهجوم المعاكس في هذه المنطقة الاستراتيجية، بعد أن كانت جبهة جنوب كردفان تمثل الخاصرة الضعيفة التي تضغط من خلالها قوات الدعم السريع لقطع التواصل بين المركز وإقليم دارفور، وتشتيت مجهود الجيش السوداني.

وفي وقت كانت قوات الدعم السريع تراهن على عامل الوقت ونفاد المخزون الإستراتيجي داخل كادوقلي، أصبح بمقدور الجيش إدخال المساعدات الإنسانية إلى المدينة التي كانت تتهددها المجاعة، بجانب تقوية موقفه العسكري لاسترداد بقية المناطق التي ما زالت تسيطر عليها "الدعم السريع" مع حليفتها "الحركة الشعبية" في ولاية جنوب كردفان الحدودية مع دولة جنوب السودان.



تأمين خطوط الإمداد
ومن خلال فتح طريق (الدلنج - كادوقلي)، استعاد الجيش السوداني قدرته على تحريك التعزيزات العسكرية واللوجستية براً، مما يقلل الاعتماد المكلف على الطيران الحربي، وبات بإمكان الجيش تحريك آلياته العسكرية البرية بسلاسة.

ويؤكد متابعون أن هذه التطورات تمنح القادة العسكريين فرصا لتوسيع نطاق العمليات البرية خارج كادوقلي، وتحويلها من مدينة محاصرة إلى مركز ثقل هجومي يهدد وجود الدعم السريع في كامل قطاع كردفان.

وبدأ الجيش التقدم لفك حصار كادوقلي بعدما تمكن مدعوماً بالقوات المساندة له من فك الحصار عن مدينة الدلنج الاستراتيجية في الولاية نفسها الأسبوع الماضي بعد معارك ضارية مع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، وسيطرته أيضاً على بلدة هبيلا التي تقع على بعد 42 كيلومتراً جنوب شرقي الدلنج

ويسيطر الجيش حاليا على معظم أجزاء ولاية جنوب كردفان ومدنها، ماعدا أجزاء في الناحية الشمالية الغربية ما زالت بيد "الدعم السريع"، بينما تنتشر قوات الحركة الشعبية، جنوب الولاية على الحدود مع دولة جنوب السودان منذ إعلانها التمرد على الحكومة المركزية في الخرطوم عام 2011.

وتسيطر "الدعم السريع" على كل مراكز ولايات دارفور الخمس غربا من أصل 18 ولاية بعموم البلاد، بينما يسيطر الجيش على أغلب مناطق الولايات الـ13 المتبقية بالجنوب والشمال والشرق والوسط، وبينها العاصمة الخرطوم.

ويشكل إقليم دارفور نحو خمس مساحة السودان البالغة أكثر من مليون و800 ألف كيلو متر مربع، غير أن غالبية السودانيين البالغ عددهم 50 مليونا يسكنون في مناطق سيطرة الجيش.

ويرى الصحفي المتابع للشؤون الأفريقية أحمد محمد فال، أن التطورات الأخيرة في السودان، تؤكد أن الحرب في هذا البلد دخلت مرحلة جديدة، نظرا "لنجاح الجيش في الانتقال من مرحلة الدفاع عن مناطق معزولة إلى ربط جغرافي سيسهل تحركاته وخططه الهجومية.

وأضاف في تصريح لـ"عربي21": "فك الحصار عن كادوقلي، يعد بمثابة ضربة معنوية قوية لقوات الدعم السريع التي كانت تخطط لتحويل البلاد إلى أقاليم معزولة بعضها عن بعض".

وتوقيع أن تتسارع الأحداث في السودان خلال الأسابيع القادمة، من خلال عمليات نوعية قد ينجح الجيش في تنفيذها، بعد أن بات بإمكانه تحريك آلياته البرية بشكل أكثر سلاسة.

مسيّرات على حدود مصر
وفي سياق متصل نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين وخبراء إقليميين قولهم إن نشر نموذج قوي من مسيرات قتالية تركية في مدرج جوي على حدود مصر الجنوبية الغربية يشير إلى تصعيد حاد في الحرب في السودان، مما يوحي بزيادة انخراط القاهرة في الصراع.

ونقلت الوكالة عن ثمانية محللين إقليميين وثلاثة دبلوماسيين أطلعهم مسؤولون مصريون على الموقف قولهم إن القاهرة بدأت في تغيير موقفها تجاه الصراع عندما حققت قوات الدعم السريع سلسلة من التقدم في منطقة دارفور بغرب السودان، حيث استولت أولا على مثلث استراتيجي في الشمال الغربي بين مصر وليبيا في يونيو الماضي، ثم اجتاحت مدينة الفاشر، آخر معقل للجيش السوداني في دارفور، في أكتوبر.

وبينما تراقب القوى الدولية والإقليمية هذا التحول، يبقى السؤال الأبرز: هل يدفع كسر طوق كادوقلي الوسطاء الدوليين لإعادة تقييم موازين القوى على طاولة المفاوضات؟.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية السوداني الدعم السريع البرهان السودان حميدتي الدعم السريع البرهان المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ولایة جنوب کردفان قوات الدعم السریع الجیش السودانی فک الحصار الحصار عن

إقرأ أيضاً:

لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس

تعيش العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توتراً في السنوات الأخيرة، وفق ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في تقرير موسع أشار إلى أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليعكس صراعاً معقداً بين الاعتبارات الانتخابية الأمريكية والحسابات الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية بذلت جهوداً واضحة لنفي فكرة أن نتنياهو هو من يوجه السياسات الأمريكية تجاه الملف الإيراني أو العمليات العسكرية في لبنان، مؤكدة على لسان وزير الدفاع أن “لا أحد يمسك بزمام الأمور سوى ترامب”، في إشارة إلى محاولة احتواء الجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.

لكن خلف هذا النفي الرسمي، تتحدث مصادر سياسية وإعلامية عن تصعيد غير مسبوق بين الجانبين، بدأ يتبلور نتيجة ضغوط متعددة، تشمل تزايد التوتر في لبنان، والقلق الأمريكي من انهيار مسار التفاوض مع إيران، إضافة إلى اعتبارات داخلية مرتبطة بصورة ترامب أمام قاعدته السياسية، خاصة المسيحية منها.

واشنطن تربط الإفراج عن أصول إيران المجمدة بحجم تنازلاتها في المفاوضاتروبيو: لا رفع للعقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز.. والملف النووي هو الفيصل

ويشير التقرير إلى أن الأزمة أخذت بعداً شخصياً حين نقل عن ترامب غضبه الشديد من نتنياهو، وقيامه بتوجيه عبارة حادة مفادها: “لولا وجودي لكنت في السجن”، في تعبير يعكس مستوى التوتر غير المسبوق بين الشخصين. 

ويفسر هذا التصعيد بأنه لا يرتبط بلحظة آنية فقط، بل بتراكمات استراتيجية تتصل بطريقة إدارة العمليات الإسرائيلية في لبنان وتأثيرها على السياسة الأمريكية.

على المستوى التكتيكي، يسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”أزمة مسيحية في لبنان”، حيث أشارت تقارير متداولة إلى حوادث اعتداء طالت رموزاً دينية مسيحية خلال العمليات العسكرية، بينها صور لجنود إسرائيليين في ممارسات وصفت بأنها مسيئة للرموز الدينية. وقد ساهم انتشار هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة موجة انتقادات داخل أوساط اليمين الأمريكي، خصوصاً بين الشخصيات الإعلامية المؤثرة التي تخاطب القاعدة الإنجيلية الداعمة لإسرائيل تقليدياً.

واشنطن تربط الإفراج عن أصول إيران المجمدة بحجم تنازلاتها في المفاوضاتروبيو: لا رفع للعقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز.. والملف النووي هو الفيصلتوقف مفاجئ للمحادثات غير المباشرة .. إيران تكشف آخر رسالة وجهتها إلى واشنطنالمستشار العسكري للمرشد: مضيق هرمز يخضع لإدارة إيران ونرفض استمرار الحصار

وتذهب التحليلات إلى أن هذا البعد الديني بات يشكل ضغطاً سياسياً مباشراً على ترامب، الذي سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما يجعله أكثر حساسية تجاه أي صور أو تقارير قد تضعف هذا الخطاب أمام ناخبيه.

أما على المستوى الاستراتيجي، فتتمثل الأزمة – وفق التقرير – في تباين الرؤى بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران. إذ ترى الإدارة الأمريكية أن التصعيد في لبنان قد يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق أو تهدئة مع طهران، في حين تتهم بعض الدوائر الأمريكية إسرائيل بأنها تدفع باتجاه توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.

وتشير تسريبات إعلامية إلى أن ترامب أبدى قلقاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في لبنان، ومن أسلوب إدارة العمليات العسكرية في بيروت، ما دفعه بحسب التقرير ، إلى استخدام أوصاف حادة بحق نتنياهو، بينها وصفه بـ”المجنون”، في سياق انتقاد سياسة التصعيد.

في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية إعادة ضبط الإيقاع السياسي، مؤكدة أن القرارات العسكرية والسياسية في المنطقة تبقى تحت قيادة واشنطن، وليس أي طرف آخر. كما يحرص ترامب في تصريحاته العلنية على التأكيد أن نتنياهو “يتصرف بشكل جيد”، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع تفاقمه إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.

ويأتي هذا التوتر في وقت حساس بالنسبة للولايات المتحدة، التي تستعد لسلسلة مناسبات وطنية كبرى، ما يجعل أي اضطراب خارجي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد السياسي الداخلي.

وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو، حتى وإن لم يعلن رسمياً كأزمة دبلوماسية، يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث لم تعد قائمة فقط على التحالف التقليدي، بل باتت تخضع لتقاطعات السياسة الداخلية الأمريكية وحسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

طباعة شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنيامين نتنياهو الانتخابية الأمريكية الحسابات الأمنية الإسرائيلية لبنان إيران التوتر في لبنان

مقالات مشابهة

  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنفذ عددا من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية
  • الاشتباكات تدفع 385 شخصا للنزوح من جنوب كردفان خلال يومين
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • الاحتلال يُواصل تجريف أراضي مزروعة بالزيتون جنوب جنين
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟
  • وزير خارجية ألمانيا يعرب عن قلقه إزاء تقدم الجيش الإسرائيلي في لبنان
  • بعد 80 عاما من الحيرة.. الذكاء الاصطناعي يكسر واحدة من أشهر ألغاز الرياضيات| ما القصة؟
  • دبلوماسي هندي: زيارة رئيس ميانمار تمهد السبيل لوضع خارطة طريق جديدة للعلاقات
  • الأسرة تأخرت 15 ساعة.. تفاصيل واقعة وفاة الصغير ضحية الفول السوداني