هل تُكلف صراحة كارني الدبلوماسية كندا اقتصاديا؟ خبراء يجيبون
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
ألبرتا- يواجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في الآونة الأخيرة ضغوطا سياسية وتجارية متزايدة، بعد خطابه في منتدى دافوس.
وتأتي هذه الضغوط تارة من الولايات المتحدة الجارة، ومن داخل كندا تارة أخرى، بسبب صراحته الدبلوماسية ونهجه الذي يُركز على تعزيز استقلال البلاد وموقفها الإستراتيجي.
وأثارت تصريحات كارني المباشرة وخطواته تساؤلات كبيرة في الأوساط المحلية والمعارضة: هل يقود إستراتيجيته نحو استقلال اقتصادي أقوى؟ أم تتسبب مصارحته في مشاكل فورية لكندا وعزلة سياسية أمام إدارة ترمب؟ أم أنها على العكس ستعزز مكانة كندا الإستراتيجية على المدى الطويل؟
انتقاد وتحديات
وانتقد الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال الكندي، جولدي هايدر، إستراتيجية كارني في إدارة العلاقات التجارية مع أمريكا، محذّرا من أن خطابه في دافوس لم يحظَ بدعم واسع من حلفاء كندا، بل دفع بعضهم للابتعاد.
وقال هايدر في مقابلة مع فايننشال بوست "يشبه الأمر أن الجميع يقول: قل أنت ذلك، لكنني لن أدعمك. هذا موقف سيئ لكندا"، مشيرا إلى أن دولا أخرى "قرأت الرسالة" وزارت البيت الأبيض وتعهّدت باستثمارات كبيرة في الاقتصاد الأمريكي، مما فتح لها صفقات تجارية بتعريفات أقل.
ونوّه إلى أن بعض المديرين التنفيذيين الكنديين أبدوا قلقهم من إمكانية أن تبرم أمريكا صفقة منفصلة مع المكسيك، حيث اتخذت الرئيسة كلوديا شينباوم نهجا أقل مواجهة علنية مع ترمب، إذ يقولون "عندما تذهب إلى واشنطن، ما تسمعه منهم هو أن المكسيك تحرز تقدما جيدا في المحادثات مع الولايات المتحدة".
وفي السياق، قالت السفيرة الكندية المنتهية ولايتها في أمريكا، كيرستن هيلمان إن "فقدان الثقة" بين الكنديين تجاه علاقة بلادهم بواشنطن لن يكون سهلا إصلاحه، معتقدة أن العلاقة بين البلدين قد تغيّرت ولن تعود إلى ما كانت عليه، على الأقل لفترة طويلة جدا، إن لم يكن للأبد، وفق ما نشرته شبكة غلوبال نيوز الكندية.
إعلانوعن التحديات التي يواجهها كارني في تعزيز استقلال كندا، رأى أستاذ التاريخ والاقتصاد السياسي في جامعة بريتش كولومبيا، هشام صفي الدين، أن التحدي الأول يكمن في الجغرافيا؛ إذ تمتد الحدود البرية مع أمريكا إلى أكثر من 8 آلاف كيلومتر جنوبا.
إضافة للحدود في الشمال الغربي مع ألاسكا، قبالة غرينلاند التي هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالاستحواذ عليها، فضلا عن التنافس مع روسيا في القطب الشمالي، وفصلها عن باقي أوروبا وشرق آسيا بآلاف الكيلومترات البحرية.
وأضاف صفي الدين للجزيرة نت "إذا ما أضفنا أن أمريكا هي الشريك الاقتصادي الأكبر لكندا، أدركنا صعوبة -ولا أقول استحالة- حماية كندا من أي مطامع توسعية أمريكية، وفك التبعية الاقتصادية لها".
واستبعد صفي الدين أن تكون صراحة كارني الدبلوماسية سببا مباشرا في أية خسائر اقتصادية، فهو يردّ على تصعيد ترمب، وهو براغماتي ومستعد للتسوية والمساومة في حال بادر الأخير إلى ذلك، وأي خسائر ستعتمد على نيات ترمب وقدرة كندا على التفاوض ولعب أوراقها جيدا.
وحول التحديات الداخلية، أوضح أن بعض الأصوات الانفصالية قد ترتفع هنا وهناك، لكنّ الانفصال ليس أمرا سهلا أو "نزهة" دون دعم أمريكي مباشر.
وأضاف أن كارني كسب ثقة الكنديين بفضل خطابه الموزون وفهمه العميق للعبة التوازنات السياسية، ويساعده في ذلك وجود سياسيين محافظين مثل حاكم مقاطعة أونتاريو دوغ فورد، الذين يلجؤون إلى لهجة تصعيدية ضد ترمب عند الحاجة. وبالتالي، فإن معارضة سياسات ترمب تتجاوز الاصطفاف الحزبي الداخلي.
وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، قد كشفت مؤخرا أن مسؤولين في إدارة ترمب، عقدوا لقاءات سرية مع قادة "مشروع ازدهار ألبرتا" (المقاطعة الكندية الغنية بالنفط) الأمر الذي أثار قلقا متزايدا في أوتاوا بشأن احتمال تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للبلد.
ابتزاز ومزاج أمريكامن جهته، قدّم الخبير الاقتصادي الدكتور زياد الغزالي، رؤية مغايرة لسابقه، قائلا "أي خطاب سياسي غير محسوب قد يُترجم فورا لضغط تجاري أو إجراءات حمائية، لا سيما مع اقتراب موعد مراجعة اتفاقية التجارة الحرة، التي تمنح إدارة ترمب أدوات ابتزاز قانونية وسياسية قوية؛ فهي تتعامل بمنطق المؤسسات، بل غالبا بمنطق الصفقات وردود الفعل".
وأضاف الغزالي للجزيرة نت: أن الاعتماد البنيوي لكندا على الاقتصاد الأمريكي يعتبر أبرز التحديات، إذ يرتبط قطاع الوظائف عمليا بالمزاج السياسي في أمريكا، إلى جانب الانقسام الداخلي الحاد؛ فبعض الأقاليم ترى بأي تصعيد مع واشنطن مغامرة غير مسؤولة، بينما تطالب أقاليم أخرى بموقف سيادي أكثر صلابة.
ورأى أن على كارني اتباع خطاب لا يحمل تحديا مباشرا يؤدي إلى خسائر اقتصادية سريعة، وذلك أفضل من الصراحة الدبلوماسية الموجهة أساسا للرأي العام الداخلي، فهو محكوم بالسير على حبل مشدود بين تلبية تطلعات الرأي العام الوطني ومتطلبات الواقعية الاقتصادية القاسية.
وأمام هذه القراءات والتحليلات، وفي ظل تصاعد التوترات الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وزيادة حديث الانفصال في بعض المقاطعات، وعدم وجود خيارات كثيرة أمام كندا، اقترح الغزالي على حكومة كارني:
إعلان فصل الخطاب عن التفاوض: خطاب سيادي قوي للداخل، وتفاوض بارد ومرن مع الخارج. تجنب صراع الكرامات: معاملة الخلاف كملف مصالح قابل للإدارة، لا قضية هوية. تنويع الشراكات: مسار تدريجي حقيقي نحو أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة، ليمنح كندا ورقة تفاوضية نفسية وسياسية أمام الضغط الأمريكي. إعادة الإجماع الوطني: طمأنة الأقاليم الصناعية، وحماية المتضررين من التوتر التجاري، وتجنب خطاب النخبة الذي يفاقم الانقسام. التصرف كرجل مؤسسات: إدارة الخلاف بهدوء وواقعية، لا استعراض شعارات؛ الاستقلال يُقاس بتقليل الكلفة وتحويل الخلاف إلى فرصة تفاوض، لا عزلة. واقعية ذكية: لا قطيعة كاملة مع واشنطن، ولا تبعية مطلقة؛ تعرف متى تقول "لا" ومتى تبتلع الخسارة المؤقتة بانتظار لحظة أقوى.أما الأكاديمي هشام صفي الدين، فقد حثّ رئيس الوزراء كارني على توسيع الشراكات الاقتصادية لكندا بشكل تدريجي، مع تجنب إغضاب أمريكا قدر الإمكان، والحفاظ على الاستقرار النقدي والاقتصادي الداخلي لمنع حكومته من فقدان ثقة الجمهور، "وهذه كلها تحديات صعبة" حسب قوله.
بدوره، رأى الأستاذ المشارك في كلية العمل الاجتماعي بجامعة كالغاري، الدكتور يحيى اللهيب، أن كندا لا تعاني من مشكلة استقلالية تستدعي تعزيز استقلالها، بل يسعى كارني لمواجهة السياسات المحلية من خلال استمالة الكنديين عبر خطابات ترفع سقف التحدي أمام ترمب.
ويظهر هذا النهج بوضوح في إستراتيجية حشر زعيم حزب المحافظين، بيار بوالييفر، وإحراجه بقضية الضغوط الأمريكية، مما يعكس محاولة لتعزيز الموقف الوطني.
وذهب اللهيب في حديثه للجزيرة نت، إلى أن أسلوب كارني لا يشير إلى صراحة دبلوماسية، بل يهدف لإعداد الأرضية لموقف صلب، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المتوقعة هذا العام. حيث يمتلك كارني، كاقتصادي أولا وسياسي ثانيا، الأهلية والخبرة اللازمة لمناقشة اتفاقية التجارة الحرة، إذ يمنحه تاريخه الاقتصادي ثقة الكنديين في التفاوض على اتفاقية جديدة تؤسس لعلاقات ندّية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات صفی الدین
إقرأ أيضاً:
وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر
ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي بحث في اتصال هاتفي مع نظيره السعودي فیصل بن فرحان آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر في المنطقة.
وأوضحت وكالة الأنباء الإيرانية أن الوزير عباس عراقجي، تحدث مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، عبر الهاتف بعد ظهر الثلاثاء.
وأضافت: "ناقش وزير الخارجية عباس عراقجي، ونظيره السعودي فيصل بن فرحان، خلال المكالمة الهاتفية، أحدث التوجهات الدبلوماسية لخفض التوترات في المنطقة".
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.