إعادة برمجة خطابية للنظام العالمي
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
كيف يُعاد تدوير السيطرة إعلاميا بخطاب السلام؟
نشهد على مرأى ومسمع العالم، محاولاتٍ لتشكيل ما يُسمّى بمجلس السلام، بوصفه بديلا مطروحا أو مُتخيَّلا لمنظومة الأمم المتحدة في إدارة النزاعات العالمية. في المقابل، لا تزال الأمم المتحدة تُقدّم نفسها بوصفها الإطار الوحيد الذي يجمع الدول كافة حول طاولة واحدة، متناسية أنها ليست الأولى؛ فقد سبقتها تجربة عصبة الأمم التي سقطت، لا لأن الفكرة كانت خاطئة، بل لأن خطابها لم يكن قادرا على النجاة.
عصبة قوة بلا تجميل
بعد حرب عالمية، وفي عالمٍ كان ما يزال يعترف بالاستعمار كأمرٍ طبيعي، وُلدت عصبة الأمم بخطابٍ سياسي مباشر، قليل التجميل، وبنظامٍ سلطويٍّ صريح، نخبوِيٍّ وأوروبيّ المركز. لم تدّعِ العصبة الحياد، ولم تُتقن لغة القيم الكونية، كما لم تكن تمتلك أدوات إلزام حقيقية، ولا مركز قرار واضح. حتى أنها لم تُحاول إخفاء ذلك. لم تكن المشكلة في العجز وحده، بل في ظهوره عاريا. فعندما فشلت العصبة في فرض قراراتها، بدا الفشل فاضحا وغير قابل للتأويل. انهارت صورتها، ومعها انهارت المؤسسة نفسها، لأنها لم تمتلك خطابا قادرا على احتواء عجزها أو إعادة تفسيره.وعليه، تبيّن أن الصراحة هنا كانت خطأ وظيفيا في سياق كان بحاجة لتجميل الهيمنة.
من أوروبية المركز إلى شمولية الخطاب
لم يكن سقوط عصبة الأمم نهاية النظام، بل نهاية لغته. وعلى أنقاضها نشأت الأمم المتحدة، لا لتفكّك منطق السيطرة، بل لتُعيد برمجته خطابيا فقط. تحدّثت بلغة شمولية حول السلام، وحقوق الإنسان، والمجتمع الدولي، والشرعية، والقانون الدولي. لم تُنهِ بالطبع الظلم، لكنها أتقنت إدارة الأزمة دون انفجار شامل، أيضا لم تحلّ النزاعات، لكنها نجحت في تدوير الفشل مرارا عبر إدارة السردية وضبط المفردات والعمل على تخفيض سقف الغضب العام. لذا هنا لم يعد الفشل سببا للسقوط، بل مادة قابلة للتدوير.
عقدة السرد لا عقدة القرار
ترامب قالها بلا مواربة، وبلا تزيين، وبلا قناع أخلاقي، فأعاد عن غير قصد إنتاج الصراحة التي أسقطت عصبة الأمم، كاشفا عمق الانقسام العالمي، ومذكّرا الجمهور بحقيقة طالما غُلّفت
في زمن الصورة والبث، وصعود الرأي العام، وتحوّل الإعلام إلى لاعب سياسي عابر للحدود، تغيّر الخطاب.. لا البنية للأسف. فقدّمت الأمم المتحدة القانون الدولي بوصفه درعا لغويا، وحقوق الإنسان إطارا أخلاقيا، والسلام ككلمة مفتاح بل فيتو ناعم. أما مجلس أمنها، فجرى تسويقه كآلية توازن وحكمة دولية، بينما هو في الحقيقة مركز احتكار للقوة. فالفيتو لا يُقدَّم كأداة تعطيل، بل كضمانة استقرار.والجريمة تُسمّى فيه انتهاكا محتملا، والفشل فيها لا يُعترف به، بل يُدار عبر قلق بالغ ودعوات لضبط النفس. هكذا عشنا في عالم لا يُحلّ فيه الصراع، بل تُديره المنظومة لغويا.
مجلس السلام كإدارة جديدة للصراع
لم يلبث ترامب الجامح، باندفاعه المعروف، أن يُفاجئ العالم بطرح مجلس سلام جديد، منطلقا من غزة، محاولا تحويلها إلى بورصة سياسية مفتوحة.الفرق بين طرحه وطرح الأمم المتحدة ليس في الجوهر، بل في الخطاب فقط. كلا النظامين يقوم على الدفع، ومن يدفع أكثر يحصل على حصة أكبر، غير أن ترامب قالها بلا مواربة، وبلا تزيين، وبلا قناع أخلاقي، فأعاد عن غير قصد إنتاج الصراحة التي أسقطت عصبة الأمم، كاشفا عمق الانقسام العالمي، ومذكّرا الجمهور بحقيقة طالما غُلّفت.
ما بين عصبة الأمم والأمم المتحدة، لم ينتقل العالم من الهيمنة إلى العدالة، بل من الهيمنة العارية إلى الهيمنة المغلَّفة بالخطاب؛ تغير الاسم، تطورت اللغة، تعددت اللجان ثم أتى اليوم الذي أعلن فيه فَجّ جديد عن آليات مختلف صريحة يحب أن يدار بها هذا العالم لكن السؤال الجوهري بقي معلقا:
هل يُراد للسلام أن يكون حقا للشعوب، أم أداة في يد من يملك القوة لتعريفه وتوقيته وحدوده؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الأمم المتحدة مجلس السلام ترامب الأمم المتحدة النظام العالمي ترامب مجلس السلام قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الأمم المتحدة عصبة الأمم
إقرأ أيضاً:
الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة "ستيفان دوجاريك" أن النداء العاجل المعدل للبنان، سيجري إطلاقه في جنيف يوم الجمعة المقبل، بالتعاون مع الحكومة اللبنانية ويهدف إلى زيادة المساعدات الإنسانية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، حيث تنسق السلطات وشركاء الأمم المتحدة في المجال الإنساني جهودهم للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، كان الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" قد أطلق نداء إنسانيا عاجلا بقيمة 308.3 مليون دولار خلال زيارته لبيروت في مارس.
ولكن الآن، كما هو متوقع، تضاعفت الاحتياجات بشكل كبير، حسبما قال "دوجاريك".
بدوره، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن لبنان يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة نتيجة تداخل خطير بين النزوح وازدياد انعدام الأمن الغذائي، ولا يزال أكثر من مليون شخص في حالة نزوح، فيما تؤدي الأسعار المرتفعة وفقدان مصادر الدخل وضغط الأسواق إلى جعل الغذاء بعيدا بشكل متزايد عن متناول الأسر الأكثر ضعفا.
وأوضح البرنامج الأممي، أنه وسع استجابته بسرعة على مستوى البلاد، إلا أنه نبه إلى أن الوضع لا يزال هشا للغاية، مؤكدا ضرورة ضمان استمرار الوصول الإنساني واستقرار تدفقات الإمدادات وتوافر التمويل بشكل متوقع، لمواصلة تقديم المساعدة لمن هم بأمس الحاجة إليها.
واستعرض البرنامج الأممي آخر المستجدات بشأن عملياته وحالة الأمن الغذائي في لبنان: فمنذ 2 مارس، وصل برنامج الأغذية العالمي إلى أكثر من 700 ألف شخص متأثرين بالنزاع في مختلف أنحاء لبنان عبر المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة.
وقدم البرنامج، في المتوسط، الدعم لنحو 150 ألف شخص يوميا منذ بدء التصعيد، من خلال توفير وجبات ساخنة وحصص غذائية جاهزة للأكل وسلال غذائية للعائلات المقيمة في مواقع النزوح.
ويسهم النزاع المستمر، مع القصف اليومي وأوامر الإخلاء، في تعقيد الوصول الإنساني واستمرار النزوح، كما تقيد هذه الظروف إيصال المساعدات الحيوية، لا سيما إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها.
وأكد البرنامج الأممي أنه تم تسيير 24 قافلة إنسانية إلى جنوب لبنان، شملت القرى الحدودية وصور والهرمل، للوصول إلى المجتمعات التي تواجه قيودا في الوصول، وقد تم تأجيل أو إلغاء أكثر من 50% من القوافل المطلوبة بسبب مخاطر الحركة وصعوبة الوصول.
كما أكد البرنامج أنه يحتاج إلى 112 مليون دولار للفترة بين مايو وأغسطس 2026 (بمعدل 44.1 مليون دولار شهريا)، من أجل الحفاظ على المساعدات المنقذة للأرواح والاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن قدرته على مواصلة تقديم المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة للأسر الضعيفة في لبنان ستواجه خطر التراجع بدون تمويل كاف ومتوقع.