هل هو #آخر_القادة؟
بقلم: د. #ذوقان_عبيدات
لن أستخدم البلاغة في الحديث عن تشييع أحمد الأردن، فقد شهدت جنازة -لا أستطيع تقدير حجمها مع أن التقديرات بالآلاف – لكني شهدت حفلًا غير مسبوق: كمّا ونوعًا! جماعات وأفرادًا، لم يكن الحزن ما يجمع بين هذه الجماعات، لكنه الفخر بالوقوف مع أحمد عبيدات، أو ردّ الوفاء بالوفاء!
لم يكن المشيعون حزنى، ولا فرحين، ولكنهم كانوا يشعرون بالعزة والكبرياء! كان يومًا وطنيّا بامتياز!!
(١)
ما المجتمع الأردني؟
في علم الاجتماع، يمكن دراسة المجتمع، وقيَمه، وصلابته عن طريق مؤشرات بسيطة؛ فمن خلال النكتة مثلًا يمكن دراسة خصائص المجتمع، وأحواله السياسية، والاقتصادية، والقيمية، ومن خلال طوابير الخبز يمكن كتابة “سردية” متكاملة عن أخلاقيات المجتمع، وتوجهاته!
وأنا اليوم، سأحاول تحليل شخصية المجتمع الأردني من خلال حدث واحد، صحيح أن الحدث واحد فقط، ولكنه حدث واحد مكثف غني، مليء بالقيم والسمات! إنه سلوك المجتمع الأردني، خلال مرض” أحمد الوطن”، وخلال تشييعه اليوم!
فماذا يمكن أن يكتب؟
(٢)
شخصية محورية
كان” أحمد الوطن” الشخصية الأولى الأكثر تجسيدًا أمام الشعب؛ وكل إنسان لاحظ أحاديث المواطنين، وتوتراتهم، و”دعواتهم”بأن يحفظ الله هذه الشخصية المميزة! نعاه القاصي والداني، الأفراد، والمنظمات، المعارضة، وغير المعارضة، المقاومة وغير المقاومة، الشعب الأردني والفلسطيني.
لم يكن أحمد عبيدات، بل كان أحمد الوطن ومحموده! فالكل كان يتقبل العزاء!
(٣)
سِمات المجتمع!!
لن أتحدث عن”فزعة المجتمع”، ولا عن تعاطفه مع الحدث، ولا عن صلابته في الأحداث؛ فهذه صفات معروفة قبل أحمد الوطن وبعده!! لكني أتحدث في العمق قليلًا عن بعض ما كشفته عنه جنازة أحمد الوطن!!
(٤)
لا!!!
قال أحمد الوطن: لا!، والتف الشعب حولها: لا للفساد، لا للمساومة، لا لصفقات السلام الجائر! لا للوقوف كمتفرج إزاء فلسطين!! لا للتقاعس العربي!
لم تكن لاءات عبثية، بل هناك “نعَمات” عديدة بديلة: نعم لحرية الشعوب! نعم لموقف عربي جاد!
نعم لفلسطين من البحر إلى النهر!
نعم للمقاومة …!!
الكل استحضر حديثه الأخير:
كل من يفرّط في ذرة من تراب فلسطين خائن لوطنه، وعروبته، ودينه!!
هذه اللاءات، وتلك “النعَمات” هي
آهات المجتمع الأردني الذي يقول: لا للتخاذل! نعم للفداء!
فلاءات أحمد و”نعماته” هي أبرز سِمات المجتمع.
(٥)
الصلابة بدل السيولة!
تميزت مواقف أحمد الوطن بالصلابة والمرونة، وليست سيولة اللاموقف، واتخاذ شكل الإناء!
لم يقل: وما أنا من غزيّة إن غزت!
غزوت!، ولا سياسة: “حُط راسك بين الروس”!!
وهذه هي الصفة الثانية للمجتمع الأردني: الحدّية والجدّية. وهذا ما يجعل أحمد الوطن مرآة للمجتمع الأردني!!
(٦)
الوحدة الوطنية!
أحمد الوطن هو صاحب الميثاق الوطني١٩٩١. ميثاق التنوع والوحدة! أو الوحدة عبر التنوع، حيث تفاعل القومي مع الإسلامي، مع الشيوعي. وتفاعل ابن البادية
مع المدينة والقرية، والمرأة مع الرجل، والمُعارِض مع غير المُعارِض! ونتج ميثاق وحدة الشعب، وحريته، وكرامته!
وهذه السّمة الثالثة للشعب الأردني، والمجتمع الأردني!
(٧)
حقوق الإنسان!
ناضل أحمد الوطن من أجل حقوق الأفراد، والمجتمع! أعد تقارير كشفت الانتهاكات!! وكان الشعب مع حقوقه! وهذه السّمة الرابعة للمجتمع!
(٨)
نعم أخطأت
حين سُئِل أحمد الوطن: أين أخطأت؟ أجاب: في كل موقع، هناك أخطاء! وهنا يتحد أحمد الوطن مع المجتمع في سِمة خامسة!
(٩)
قدّم استقالتك!!
يصعب حصر عدد الاستقالات أو “الإقالات”. ولكنها كلها كانت تعكس مواقف الشعب: الاستقالة هي نفسها، من الحكومة، من الأعيان، من المركز الوطني لحقوق الإنسان ! لها عنوان واحد هو الكرامة، وتفاهة التمسك بالمنصب!! وهذه سِمة أخرى للمجتمع الأردني!!
حين يكون الإنسان أقوى من المنصب! وحين تكون الكرامة أقوى من السيولة! وحين تجد
” لا “قوية، فإنك تجد المجتمع الأردني، وتجد أحمد الوطن !!
فهمت عليّ؟!!
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: آخر القادة ذوقان عبيدات المجتمع الأردنی أحمد الوطن
إقرأ أيضاً:
ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود
في الثاني والعشرين من مايو، لا يستحضر اليمنيون مجرد تاريخ سياسي عابر، بل يستدعون لحظة وطنية عظيمة اختزلت أحلام شعبٍ كامل ظل لعقود يتطلع إلى وطنٍ موحد، يجمع أبناءه تحت راية واحدة وهوية واحدة ومصير واحد.
إنها ذكرى قيام الوحدة اليمنية، الحدث الذي مثّل في وجدان اليمنيين انتصارًا للإرادة الوطنية على كل عوامل التشطير والانقسام.
ستة وثلاثون عامًا مرّت منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م، لكنها ما تزال حاضرة في ذاكرة الناس باعتبارها أعظم مشروع وطني في تاريخ اليمن الحديث.
فقد جاءت الوحدة ثمرة لنضال طويل وتضحيات جسيمة قدّمها أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا، ممن آمنوا بأن اليمن لا يمكن أن يبقى ممزقًا بين حدود وحواجز صنعتها الظروف السياسية والصراعات الدولية.
لقد كانت الوحدة حلم الفلاح البسيط، والعامل، والطالب، والجندي، وكل يمني كان يرى في الانقسام جرحًا في جسد الوطن.
وحين تحقق الحلم، خرج اليمنيون إلى الشوارع بقلوبٍ مليئة بالفرح، مؤمنين أن المستقبل قد بدأ، وأن عهدًا جديدًا من الاستقرار والتنمية قد وُلد.
ورغم ما واجهته الوحدة خلال العقود الماضية من أزمات وحروب ومؤامرات ومحاولات تمزيق، إلا أنها بقيت راسخة في الوعي الشعبي كقضية وطنية لا يمكن التفريط بها.
فالوحدة بالنسبة لليمنيين ليست اتفاقًا سياسيًا مؤقتًا، بل قدر أمة وتاريخ شعب وروابط دم وجغرافيا وهوية مشتركة.
لقد حاولت قوى عديدة أن تضرب هذا المشروع الوطني الكبير، مستغلة الظروف الاقتصادية والسياسية والحروب التي عصفت بالبلاد، لكن اليمن ظل يثبت في كل مرحلة أن وحدته أقوى من المؤامرات، وأن أبناءه مهما اختلفوا فإنهم يعودون في النهاية إلى حقيقة واحدة: لا كرامة لليمن دون وحدته، ولا مستقبل له في ظل التمزق والانقسام.
وستظل الوحدة اليمنية راسخة وثابتة مهما حاولت قوى الارتزاق وأدوات العمالة تجزئة الوطن، أو أعانت الأعداء على تمزيق النسيج الوطني وضرب الهوية الجامعة للشعب اليمني.
فاليمن الذي صمد عبر قرون أمام الغزاة والمؤامرات، لن تنال منه مشاريع التشتيت والتفريق، لأن وحدة الشعب أقوى من كل رهانات الخارج، ولأن اليمنيين يدركون أن الانقسام لا يجلب سوى الضعف والخراب.
إن الحديث عن الوحدة اليوم لا يعني تجاهل التحديات أو إنكار الأخطاء، بل يستدعي مراجعة وطنية صادقة تعيد الاعتبار لقيم العدالة والشراكة والمواطنة المتساوية، فالوحدة الحقيقية لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما ببناء دولة عادلة يشعر فيها كل مواطن أن الوطن يتسع للجميع.
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، يبقى الأمل حاضرًا رغم الألم، وتبقى الوحدة حلمًا متجددًا في قلوب اليمنيين الذين أنهكتهم الحروب، لكنهم ما زالوا يؤمنون بأن اليمن قادر على النهوض من جديد، وأن هذا الوطن الذي صمد عبر التاريخ لن تكسره الأزمات مهما اشتدت.
ستظل الوحدة اليمنية عنوانًا للهوية الوطنية الجامعة، ورمزًا لصمود شعبٍ رفض أن تفرقه الجغرافيا أو تمزقه الصراعات.
وستبقى ذكرى الثاني والعشرين من مايو، محطة وطنية تذكّر الجميع بأن اليمن الكبير أقوى من كل الانقسامات، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بالتلاحم والإرادة والإيمان بالمستقبل