وقفة سودانية في أوروبا تكسر الصمت حول حرب تجاوزت ألف يوم
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
بينما تدور رحى الحرب الأهلية في السودان دون هوادة، مخلِّفةً دماراً إنسانياً هائلاً وتهجيراً جماعياً، خرجت جالية الشتات السوداني في مدينة مارسيليا الفرنسية في وقفة احتجاجية صامدة تزامناً مع مرور ألف يوم على بداية الصراع ولم تكن هذه الوقفة مجرد ذكرى لمرحلة زمنية قاسية، بل تحولت إلى صرخة مدوية تندِّد بصمت العالم المطبق تجاه إحدى أكبر الأزمات الإنسانية المعاصرة.
وحرص المنظمون على توسيع دائرة التأثير، فوجهوا دعوة رسمية إلى برلمانيين فرنسيين وأوروبيين لحضور الفعالية، وهو ما استجاب له بعضهم بإرسال مبعوث يمثلهم للمشاركة في التضامن مع القضية. رفع المتظاهرون لافتات تشرح معاناة شعب مزقته النزاعات، وطالبوا المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، معربين عن استيائهم العميق من تقاعس المنظمات الحقوقية والإنسانية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، عن اتخاذ خطوات جدية لوقف نزيف الدم السوداني.
كما أضاف المحتجون بُعداً إقليمياً ودولياً لاحتجاجهم، حيث أعادوا تسليط الضوء على اتهامات متداولة سابقاً لإحدى الدول العربية وللملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندريه بايوك، بالتورط في عمليات تسليح للمناطق المتأثرة بالصراع، مما يؤكد استمرار تعقيدات المشهد المحيط بالأزمة واتساع دوائر التأثير الخارجية.
هذه الوقفة لم تكن مجرد احتجاج على الماضي، بل هي تأكيد على شناعة الحاضر واستمراره، وتذكير عاجل للضمير العالمي بأن شعب السودان ينتظر تحركاً حاسماً ينتشله من براثن حرب طاحنة تخطت ألف يوم من المعاناة.
التدخل الأجنبي وحرب الوكالة
لم تكن اتهامات المحتجين في مارسيليا باطلة أو مبالغاً فيها، بل تندرج ضمن سياق أوسع من التقارير الموثوقة التي تسلط الضوء على أبعاد الحرب بالوكالة التي تجري على الأرض السودانية، تُشير غالبية التحليلات الاستراتيجية إلى أن إحدى الدول العربية تلعب دوراً رئيسياً في تمويل قوات الدعم السريع، بينما تكفلت أوكرانيا بالتعاون مع كولومبيا التي تقدم المرتزقة بتوفير السلاح والعتاد الحربي.
وفي هذا الإطار، يأتي اتهام الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر، أندريه بايوك، ليكون جزءاً من صورة أكبر لتورط كييف في إطالة أمد الصراع الإقليمي، وهو ما تؤكده تقارير إعلامية وتحليلية متعددة.
رسائل الاحتجاج وانتقاد المؤسسات الدولية
تتهم تقارير سياسية عديدة أوكرانيا بتزويد جماعات مسلحة في عدة دول أفريقية (مثل السودان، مالي، النيجر، ليبيا، الصومال) بطائرات مسيرة متطورة، بعضها من نوع «UJ-26 Beaver»، والتي تستخدم في الهجمات الدقيقة ضد القوات الحكومية والبنى التحتية.
وفقًا لمسؤولين سودانيين، فإن أوكرانيا زوّدت ميليشيات الدعم السريع في السودان بطائرات مسيرة، وساهمت بشكل مباشر في هجمات استهدفت مدنا مثل بورتسودان وعطبرة والفاشر.
كما كشفت تقارير، بحسب وسائل إعلام أجنبية، عن وجود وحدات عسكرية أوكرانية متخصصة في السودان تضم حوالي 150 عسكرياً، بينهم خبراء في تشغيل الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والمدفعية. وفي مالي، تحدثت تقارير عن تدريب عناصر أوكرانيين لجماعات مسلحة في شمال البلاد، خاصة في إقليم أزواد، حيث توجد حركات انفصالية نشطة وبحسب الخبراء، تُعتبر صفقات بيع الطائرات المسيرة مصدر دخل مهما لأوكرانيا بعد تدهور الدعم الغربي.
استنكار صمت الضمير العالمي
واحتلت مشاعر الاستياء والغضب من صمت المؤسسات الدولية حيزاً مركزياً في وقفة مارسيليا، حيث وجّه المحتجون انتقاداً لاذعاً لعجز وهوان المنظومة الدولية وقصورها الأخلاقي، جاءت أشد الانتقادات موجهة إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي يتطلع إليها الضحايا كملاذ أخير للعدالة، لكنها تبدو في حالة من الشلل المريب تجاه الأحداث في السودان.
وفي خضم مشاهد القتل المنظم، والتطهير العرقي، واستهداف المدنيين والمستشفيات، والفظائع الموثقة التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يبدو صمت المحكمة صفعة قاسية لكرامة الضحايا وأهلهم، وعبر المحتجون عن حيرتهم من هذا الانتقاء في المتابعة والتحرك، حيث تتحرك الآلية الدولية ببطء أو لا تتحرك أحياناً عندما يتعلق الأمر بأزمات أفريقية، بينما تُظهر حيوية واضحة في صراعات أخرى، هذا الصمت لا يُفسره المتظاهرون إلا كشكل من أشكال التمييز الجيوسياسي، وكتخلي عن المبادئ التأسيسية للمحكمة المتمثلة في ملاحقة مرتكبي أفظع الجرائم بغض النظر عن موقعهم أو هويتهم.
كما توسع النقد ليشمل الأمم المتحدة وهيئاتها الإنسانية، التي تقف عاجزة أمام تفاقم الكارثة، حيث يعاني أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتنتشر الأوبئة، ويهرب الملايين من ديارهم، إن هذا العجز المؤسسي الجماعي، في نظر المحتجين، ليس فقط فشلاً إدارياً، بل هو تواطؤ أخلاقي يغذي استمرار الحرب ويمنح الأطراف المتحاربة والمتدخلين الأجانب جرعة من الإفلات من العقاب، إن نداءهم من مارسيليا هو صيحة استغاثة أخيرة تذكر العالم بأن العدالة الانتقائية هي إنكار للعدالة ذاتها، وأن السودانيين ليسوا رقماً في تقرير إحصائي، بل بشراً يستحقون أن يرى العالم معاناتهم ويحاسب من يتسبب بها قبل أن تطوى صفحتهم في صمت التاريخ المطبق.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الحرب في السودان الشتات السوداني العدالة الدولية التدخلات الخارجية الأزمة الإنسانية في السودان فی السودان
إقرأ أيضاً:
وزيرة الثقافة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية عبر العصور
أكدت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، أن الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر يمثل محطة استثنائية في الوجدان المصري، تتجلى فيها الهوية الوطنية بأسمى معانيها الإنسانية، مشيرة إلى أن مشاركتها تنطلق من إيمان راسخ بأهمية صون التراث الوطني والحفاظ على الهوية المصرية.
جاء ذلك خلال مشاركتها ، مساء أمس، في الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر، الذي نظمه دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المُحرق)، بمسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وشهد الاحتفال عرض الفيلم الوثائقي «القدس الثانية»، وذلك بحضور المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، والدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، ومحافظي القاهرة والدقهلية وأسيوط وبني سويف، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وسفراء عدد من الدول، وبعض الوزراء السابقين، والإعلاميين والصحفيين والفنانين والشخصيات العامة.
وأضافت أن أهداف هذا الحدث تتقاطع مع استراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى حماية الذاكرة الوطنية، وترسيخ الهوية عبر الفنون والثقافة، وتحصين وعي الشباب ضد محاولات طمس الهوية أو تشويهها، إلى جانب إبراز عبقرية المكان المصري وتقديم تراثه الحضاري باعتباره رسالة سلام ومحبة وإرثًا إنسانيًا عالميًا تفخر به مصر. وأوضحت أن هذا الحدث تجاوز كونه مجرد واقعة تاريخية، ليصبح شاهدًا على الدور الحضاري والإنساني لمصر، التي فتحت أبوابها عبر العصور لتكون ملاذًا للأمان وموطنًا للتعايش والسلام.
وفي حديثها عن فيلم «القدس الثانية»، الذي عُرض خلال الاحتفال، أكدت وزيرة الثقافة أن العمل يوثق محطة فارقة من تاريخ الإنسانية على أرض مصر، مشيرة إلى أن دير السيدة العذراء بجبل المُحرق ليس مجرد موقع أثري أو ديني، بل يمثل حارسًا للذاكرة الحية لرحلة العائلة المقدسة.
وأضافت أن الفيلم يُعد وثيقة بصرية تؤكد أن مصر لم تكن يومًا مجرد أرض تعبرها الأحداث، بل كانت دائمًا حاضنة للحضارة، وحافظة للرسالات، وصاحبة دور ممتد في صون ذاكرة الإنسانية.
وفي ختام كلمتها، وجهت الدكتورة جيهان زكي الشكر لقداسة البابا تواضروس الثاني وللكاتدرائية المرقسية على الدعوة الكريمة وحسن التنظيم، كما حيّت جميع القائمين على إنتاج الفيلم الوثائقي، الذي يوثق تاريخ دير المُحرق باعتباره أحد أهم صفحات التاريخ المصري، داعية الله أن يديم على مصر نعمة الأمن والاستقرار والترابط والمحبة.
وفي ختام الاحتفالية، كرّم قداسة البابا تواضروس الثاني الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، التي أعربت لقداسته عن فخرها واعتزازها بهذا التكريم.