أنانية المسؤول وضعف الأداء!
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
في كل مؤسسة، هناك هرم وظيفي يدير منظومة الأداء الفعلي في عمل الموظفين ويراقب مستويات الأداء والإنجاز، وطالما كانت هناك نظرة مرتفعة أن الموظف هو اللاعب الأساسي في الإنتاج وتقدم أداء المؤسسة، فإن هذا الكيان سيكون له مكانة وشأن كبير بين المنافسين الآخرين.
في بعض مواقع العمل، يُسند إلى المسؤول الأعلى مسؤولية تطوير الأداء كونه أكثر خبرة ودراية في مجال العمل، ولكن في كثير من الأحيان هذا التفرد في المسؤولية يحدث مزيدًا من المشكلات والاختلافات، وأحيانًا يدفع بعض الموظفين نحو ترك أماكنهم في العمل نهائيًا بسبب الممارسات التي تصدر من هذا المسؤول ولا تعجب الموظفين، خاصة إذا كانت خاطئة ولا تقبل النقاش أو التراجع.
في كثير من الأحيان، تدفع المناصب الإنسان نحو اتجاهات مختلفة لم يعهد منها ذلك، وربما منح كرسي المسؤولية بعض التطلعات وأدخله في دوائر لا طاقة له بها. فالبعض بمجرد وصوله إلى هذه المسؤولية، تظهر عليه أعراض التحول، ومنها سعيه إلى القفز من "منطاد الوهم"، وفرض القوانين الجديدة، والقواعد المجحفة للحقوق دون مراعاة أو تريث، ولا يتوانى في استخدام سطوته المستمدة من منصبه في إيذاء الآخرين.
وبما أن سلوكه سيستمر في هذا المنهج، فإن المنظومة العملية التي يديرها مهددة بالفشل، حتى ولو بعد حين.
إن القيادة الناجحة لا ترتبط أبدًا بـ"الأمر أو النهي أو الزجر المفرط"، بقدر ما هي فن رفيع يحدث حالة من التجانس الكبير ما بين "الموظف والمسؤول"، وفق أطر قانونية ومهارة عملية تسودها روح العدالة والمساواة والنقاش، بحيث يكون العمل متحدًا في قالب واحد دون تميز أو تفضيل لطرف على حساب الآخر.
البعض يربط الحزم والبطش بالقدرة على تحقيق النتائج الباهرة، وهذا خطأ فادح وذنب لا يغتفر.
انتماء الموظفين إلى المؤسسة التي يعملون فيها وحرصهم على تقدمها وتحقيق أعلى نسب النجاح لا يأتي من الضغوط عليهم أو من خلال فرض شخص واحد قوته عليهم، بل يأتي نجاح أي مؤسسة من أصغر موظف إلى أكبرها.
من السهل تأليف الكتب في فن الإدارة الصحيحة لقطاع العمل، ولكن من الصعب تطبيق كل النظريات على أرض الواقع، فهناك محددات وأطر لا يمكن تجاوزها، والمسؤول أو المدير في العمل عليه أن يخلق بيئة عملية متوازنة وصحية، فكلما كان هناك سخط أو لغط أو تخبط، كلما انهارت أساسيات البناء الوظيفي في المؤسسة.
إذن، نحن أمام تحدٍ صعب وهو كيفية إيجاد مواءمة نظرية وعملية في تحقيق النجاح. البعض يرى أن النظريات القديمة يمكن أن تصلح في أي زمان ومكان، ولكن الحقيقة عكس ذلك، بمعنى أن العالم أصبح أكثر انفتاحًا وتطورًا عن السابق بمراحل كبيرة، فما كان يصلح بالأمس لا يصلح تطبيقه اليوم.
أداء الحقوق جزء مهم في تحفيز الموظفين على زيادة الإنتاج، فكلما كان هناك شعور تام بالرضا لدى الموظف، كلما كان لديه رغبة في تحمل مسؤولية العمل والإنتاج بسخاء، والعكس صحيح، فعندما تكون بيئة العمل منفرة وظالمة وطاردة للكفاءات، كلما كان أداء الموظفين دون المستوى المطلوب.
ويزاد الطين بلة عندما يسلط المسؤول جل اهتمامه على نفسه أولًا، والمقربين منه ثانيًا وثالثًا، فتصبح بيئة العمل طاردة للمخلصين. ونظرة بعض المسؤولين إلى أن فقدان شخص متميز يمكن استبداله بشخص غيره هي نظرة خاطئة، فالتجارب تؤكد أن الأشخاص المميزين يصعب تعويضهم بسهولة، خاصة في بعض الأعمال الدقيقة والتخصصات الحيوية.
كما أن عدم حصول الموظفين على حقوقهم المادية أو المعنوية، والسعي إلى تميز الآخرين عليهم، حتى وإن كانوا في نفس إطار العمل، من شأنه أن يحدث نوعًا من السخط، وبتالي ينشغلون في المطالبة بحقوقهم بدل التركيز على العطاء.
أمام المسؤول عن العمل مهام صعبة، ومن أهمها ضرورة إزالة الحواجز والفوارق بين الموظفين من ناحية التعامل اليومي، حتى لا تتسع رقعة الخلاف والتذمر، خاصة عندما تُصدر بعض القرارات غير العادلة ولا تصب في مصلحة العمل. فكلما كان هناك لقاء مفتوح بين المسؤول والموظفين، كلما استطاع أن يتعرف على مشاكلهم ومتطلباتهم، وفي الوقت نفسه يكون له رغبة حقيقية في إيجاد الحلول وإعطاء الحقوق.
بعض المسؤولين يأتي بصمت ويذهب بصمت، لكن قراراته المجحفة تظل مستمرة في دورة العمل. فهو منذ توليه المنصب يركز على الجانب السلبي أكثر من الإيجابي، وحتى عندما يحقق الموظفون نسب إنجاز مرتفعة، فإن رسائل الشكر والتقدير التي يصدرها لا تذهب إلى ملفات الموظفين، بل تصبح مجرد حبر على ورق "لا أهمية لها"، بينما تُضمّ كل الجزاءات والعقوبات في ملفاتهم ليراها من يأتي لاحقًا.
إذن، العلاقة بين المسؤول والموظف يجب أن تكون علاقة أساسية في صنع النجاح، فكلاهما يمثل يدًا لا يمكنها أن تصفق دون الأخرى أو تحمل البناء.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: کلما کان
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..