لم تكن مشكلتي مع فيلم “الست” في كونه عملا ً ضعيفا ً فحسب، ولا في فقر أدواته الفنية، ولا حتى في محدودية خيال مؤلفه؛ بل في أمر أعمق وأخطر: أنه لم يفهم من يتناولها.
فبعض الأخطاء لا تكون إساءة متعمدة، بل جهلا ً فادحا ً؛ والجهل حين يقترب من الأساطير لا يُنتج سوى التشويه.

بعيدا ً عن الجدل الدائر، وعن الاتهامات المتبادلة، وعن محاولات الدفاع أو الهجوم، جاءتني المقارنة من مكان آخر تماما ً؛ من تجربة إنسانية خالصة، من لحظة استماع صادقة، بلا نية للنقد ولا رغبة في المحاكمة.

بالصدفة البحتة، استمعت إلى إحدى روائع أم كلثوم؛ قصيدة “حانة الأقدار”.
وهنا فقط، أدركت حجم الفجوة؛ ليس بين فيلم وصاحبة سيرة، بل بين العبقرية الحقيقية و الهشاشة المصنوعة.

قصيدة واحدة، عمل فني واحد، كفيل بأن يهدم – دون ضجيج – كل ما حاول الفيلم أن يبنيه بالصورة والديكور والادعاء.
لأن أم كلثوم لم تكن يوما ً مجرد “قوة صوت”، كما حاول الفيلم اختزالها في مشهد فقير داخل استوديو تسجيل؛ بل كانت عقلا ً موسيقيا ً نادرا ً، ووعيا ً مركبا ً، وقدرة استثنائية على السيطرة الكاملة على المقام، والزمن، والنَفَس، والإحساس.

في “حانة الأقدار” لا نستمع إلى غناء بقدر ما نشهد إدارة معركة فنية معقدة.
تنقّلات مقامية متعاقبة، سريعة، مختلفة في طبيعتها ومزاجها؛ لحن صعب لا يرحم المؤدي، ولا يمنح فرصة للارتباك أو التردد، ومع ذلك تمضي أم كلثوم خلاله بسلاسة مدهشة، وكأنها تسير على أرض تعرفها حجرا ً حجرا ً.

ومن يمتلك أدنى حس موسيقي، أو وعيا ً حقيقيا ً بما يسمع، لا يملك إلا أن يقف احتراما ً وإجلالا ً أمام هذا الإعجاز.
إعجاز لا تصنعه الحنجرة وحدها، بل العقل قبل الصوت، والفهم قبل الأداء، والسيطرة قبل الانطلاق.

ولم تكن “حانة الأقدار” حالة منفردة في مسيرة أم كلثوم، ولا استثناء عابرا ً يُستشهد به عند الحاجة؛ بل كانت حلقة ضمن مسار طويل من القصائد والأعمال المركبة، التي راقص فيها صوتها عقلها ووعيها الفني.
عشرات القصائد، من مدارس شعرية مختلفة، وألحان تنتمي إلى مناطق شديدة الوعورة، تعاملت معها بثبات العارف، لا بالمصادفة، ولا بالاعتماد على قوة الصوت، بل بامتلاك نادر لأدوات الفهم والسيطرة والتشكيل.
وهنا تتجلى الحقيقة الغائبة: العبقرية عند أم كلثوم كانت منهجا ً متراكما ً، لا لحظة موفقة.

وربما كان هذا هو المأزق الأوسع في مثل هذه الأعمال؛ فالتعامل مع شخصيات تاريخية استثنائية، مؤثرة، وصعب تكرارها، يفرض على صانع العمل قدرا ً من التحفّظ والوعي في الاختيار.
ليس إنكارا ً للبعد الإنساني، ولا مصادرة للدراما، بل إدراكا ً أن بعض التفاصيل – بصرف النظر عن صحتها أو الجدل حولها – حين تُقدَّم بإفراط، قد تُزاحم الجوهر بدل أن تخدمه.

وفي حالة بحجم أم كلثوم، يصبح التركيز الطبيعي هو الإعجاز المهني ذاته؛ ذلك الذي صنع مكانتها، وخلّد اسمها، وجعلها حالة فنية لا تُقاس بالسلوكيات الشخصية بقدر ما تُقاس بما قدّمته من وعي، وانضباط، وقدرة نادرة على السيطرة على أدواتها.
أما الإغراق في تفاصيل هامشية، أو التوقف طويلا ً عند مسارات جانبية، فقد يُربك زاوية الرؤية، ويُبعد العمل عن جوهر ما يستحق أن يُروى.

وعند هذه النقطة تحديدا ً، تتكشف مأساة الفيلم.
فهو لم يُخطئ في التفاصيل فقط؛ بل أخطأ في المدخل.
لم يدرك أن أم كلثوم ليست حالة صوتية استثنائية فحسب، بل مشروع ثقافي وفني وإنساني متكامل، تشكّل عبر وعي شعري، وذائقة موسيقية رفيعة، وقدرة نادرة على قراءة النص واللحن واللحظة.

لذلك جاء العمل كله وكأنه يتحدث عن شيء لا يعرفه، أو يقترب من عالم لا يمتلك مفاتيحه.
وجاءت النتيجة منطقية: فيلم يسقط في هاوية عميقة، ويترك خلفه علامة سوداء في سجل كل من شارك فيه؛ لا لأنه تناول الأسطورة، بل لأنه لم يرتقِ إلى مستوى الاقتراب منها.

المفارقة القاسية أن عملا ً فنيا ً واحدا ً، قصيدة واحدة، أداء واحدا ً، جاء أبلغ وأكثر صدقا ً وعمقا ً من مجمل ما قُدِّم في هذا الفيلم بكل ما أنفقه من جهد وضجيج ومحاولات.
هكذا رآها العالم .. 
وهكذا رآها العمل .

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: فيلم الست روائع أم كلثوم أم کلثوم

إقرأ أيضاً:

ناقلة واحدة فقط.. تراجع عدد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز

تراجع عدد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز إلى ناقلة واحدة فقط أمس الخميس، في أدنى مستوى منذ السابع من مايو، مع استمرار المخاطر التي تهدد حركة الملاحة البحرية في الشرق الأوسط، وعودة أسعار النفط إلى التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

وبحسب بيانات ملاحية ؛ عبرت ناقلة واحدة  مضيق هرمز في 23 يوليو ، مقارنة بثلاث ناقلات في اليوم السابق.

في المقابل، أظهرت بيانات كبلر ارتفاع إجمالي عدد ناقلات السلع العابرة لمضيق باب المندب إلى 32 ناقلة أمس الخميس، مقارنة بـ26 ناقلة في اليوم السابق.

ومن بين هذه السفن، تتجه 14 ناقلة إلى البحر الأحمر، بينما تغادر 18 ناقلة المضيق في اتجاه خليج عدن.

الخارجية الفرنسية : أولويتنا خفض التصعيد في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمزتصعيد خطير في مضيق هرمز .. هجوم صاروخي أمريكي على جزيرة قشمالأمم المتحدة: البحارة العالقون لا يزالون محاصرين مع توقف الملاحة في مضيق هرمز

وغادرت ناقلة النفط العملاقة New Giant  الخميس محملة بمليوني برميل من خام البصرة العراقي ومتجهة إلى الصين.

كما عبرت سفن البضائع في باب المندب ارتفع إلى 32 سفينة في 23 يوليو، بينها 9 سفن تحمل النفط الخام.

طباعة شارك مضيق هرمز مضيق باب المندب ناقلة النفط العملاقة New Giant خليج عدن

مقالات مشابهة

  • أبو عبيدة: معركة شعبنا الحقيقية مع العدو الصهيوني هي في الضفة المحتلة
  • 32.4 ألف مولود مقابل 4590 حالة وفاة خلال النصف الأول من العام
  • ناقلة واحدة فقط.. تراجع عدد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز
  • 1.9 مليار دولار إيرادات و189 مليوناً أرباحاً لـ"Peacock"
  • “المركزي”: الاعتمادات المستندية استحوذت على الحصة الأكبر من النقد الأجنبي
  • المركزي: الاعتمادات المستندية استحوذت على الحصة الأكبر من النقد الأجنبي
  • خبير: سر نجاح المنتجعات السياحية يبدأ من الضيافة الحقيقية وجودة الخدمة
  • الجلفة.. 7 جرحى من عائلة واحدة في انحراف سيارة
  • سنتكوم: تحويل مسار 12 سفينة وتعطيل واحدة منذ استئناف الحصار على إيران
  • مقارنة بين Galaxy Z Fold 8 Ultra وZ Fold 7.. هل يستحق هاتف سامسونج الجديد الترقية؟