آبل تتراجع عن مدرب الصحة بالذكاء الاصطناعي وتغيّر خطتها بهدوء
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
في خطوة تعكس إعادة تقييم داخلية لطموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي الصحي، قررت شركة آبل التراجع عن إطلاق خدمة كانت تستهدف تقديم مدرب صحي ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي ويُحاكي دور الطبيب الشخصي.
القرار، الذي لم يُعلن رسميًا من الشركة، كشفته تقارير صحفية متخصصة، وأشار إلى أن آبل اختارت مسارًا أكثر تحفظًا في التعامل مع البيانات الصحية والتقنيات الذكية المرتبطة بها.
الخدمة التي كان يجري تطويرها داخل أروقة الشركة عُرفت بشكل غير رسمي باسم Health+، وهدفت إلى تقديم تجربة متكاملة داخل تطبيق الصحة على هواتف آيفون. وبحسب ما نُشر سابقًا، كان من المفترض أن تعتمد هذه الخدمة على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المستخدم الصحية، وتقديم نصائح تتعلق بنمط الحياة، وتصحيح وضعيات التمارين الرياضية باستخدام كاميرا الهاتف، فضلًا عن المساعدة في تتبع الغذاء والعادات اليومية.
ورغم أن آبل لم تكشف يومًا عن هذه المبادرة بشكل رسمي، فإن التسريبات على مدار العام الماضي رسمت صورة لمشروع طموح أرادت من خلاله الشركة أن تضع قدمًا أكثر جرأة في سوق الصحة الرقمية، الذي يشهد منافسة متصاعدة من شركات وتطبيقات متخصصة مثل Oura وغيرها، إلا أن الرياح، على ما يبدو، لم تسر كما خططت آبل.
وفقًا للتقارير، جاء قرار إيقاف المشروع بعد أسابيع من إعادة هيكلة تنظيمية داخل الشركة، انتقلت بموجبها مسؤولية قطاع الصحة إلى إدارة الخدمات تحت إشراف إيدي كيو، أحد أبرز التنفيذيين في آبل.
وتشير المعلومات إلى أن كيو كان يسعى إلى تسريع وتيرة التطوير، لكنه رأى في النهاية أن المشروع بصيغته الحالية لن يكون قادرًا على منافسة الحلول القائمة في السوق، سواء من حيث السرعة أو مستوى التقدم.
بدلًا من إطلاق مدرب صحي ذكي متكامل، قررت آبل تفكيك الفكرة إلى أجزاء أصغر. أي أن المزايا التي طُوّرت بالفعل لن تُهدر، بل ستظهر تدريجيًا داخل تطبيق الصحة نفسه، كل ميزة على حدة.
وتشمل هذه المزايا مقاطع فيديو توعوية تشرح حالات صحية مختلفة، إلى جانب أدوات قادرة على تقديم توصيات مبنية على بيانات المستخدم الصحية، مع الالتزام بنهج آبل التقليدي في الخصوصية وحماية البيانات.
وتشير التوقعات إلى أن بعض هذه الخصائص قد تبدأ في الظهور خلال العام الجاري، دون أن تحمل هوية مدرب صحي ذكي واضحة، بل كتحسينات طبيعية على التطبيق القائم. كما تعمل الشركة، بحسب التسريبات، على تطوير روبوت محادثة صحي يعتمد على الذكاء الاصطناعي للإجابة عن أسئلة تتعلق بالعافية ونمط الحياة، لكن هذا الحل يُنظر إليه على أنه مؤقت.
الهدف النهائي لآبل، كما يبدو، هو دمج هذه القدرات مستقبلًا في نسخة متطورة من “سيري”، المساعد الصوتي للشركة، الذي يجري العمل على إعادة تصميمه ليصبح أقرب إلى روبوت محادثة ذكي قادر على فهم السياق والتفاعل بشكل أعمق مع المستخدم. وفي هذا الإطار، قد تتحول الصحة إلى أحد أهم مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي داخل منظومة آبل خلال السنوات المقبلة، ولكن بخطوات محسوبة.
قرار آبل يعكس أيضًا حساسية المجال الصحي، حيث لا يتعلق الأمر فقط بتطوير تقنيات ذكية، بل بالثقة، والمسؤولية القانونية، والدقة العلمية. ففكرة “طبيب افتراضي” قد تفتح الباب أمام توقعات كبيرة من المستخدمين، وربما مخاطر في حال أسيء تفسير النصائح أو الاعتماد عليها بدل الاستشارة الطبية المتخصصة.
من زاوية أخرى، يرى مراقبون أن تراجع آبل لا يعني انسحابها من سباق الصحة الرقمية، بل إعادة ترتيب الأولويات. فالشركة لا تزال تستثمر بقوة في أجهزة مثل Apple Watch، وتوسّع قدراتها في تتبع المؤشرات الحيوية، وتضيف باستمرار خصائص صحية جديدة، لكن ضمن إطار أكثر تحفظًا وأقل استعراضًا.
في النهاية، قد لا يكون إلغاء مشروع مدرب الصحة الذكي خبرًا صاخبًا بقدر ما هو مؤشر على فلسفة آبل في التعامل مع الذكاء الاصطناعي: التقدم بخطوات بطيئة، اختبار كل تفصيلة، ثم الإطلاق حين تكون التجربة ناضجة بما يكفي لتحمل اسم الشركة. وبينما يندفع المنافسون نحو حلول جريئة وسريعة، تفضّل آبل، مرة أخرى، أن تتأخر قليلًا على أن تخاطر بثقة مستخدميها.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.
ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".
وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".
كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.
وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"
ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.
وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.
وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.
وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".
ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.
وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".