لماذا اختارت إيران نقل المحادثات من تركيا إلى سلطنة عمان؟
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
في لحظة كانت كفيلة بنسف المحادثات بين إيران والولايات المتحدة قبل انطلاقها، تقدمت طهران بمطلب اعتبر مفصليا٬ وهو نقل مكان الاجتماع من إسطنبول إلى مسقط، عاصمة سلطنة عُمان، وإلغاء مشاركة دول عربية وإسلامية، لصالح وساطة السلطنة وحدها.
وبحسب ما أورده الصحفي دودي كوجان في صحيفة “إسرائيل اليوم”، لم يكن اختيار عُمان مجرد تفصيل لوجستي، بل قرارا محسوبا يرتكز على تاريخ طويل من الحياد، وثقة متراكمة، وخبرة عُمانية في إدارة الملفات المعقدة خلف الأبواب المغلقة.
مسقط بدل إسطنبول
يشير التقرير إلى أن طهران وضعت نقل الاجتماع إلى مسقط كأحد مطالبها الأساسية في لحظة أزمة كادت أن تطيح بالمحادثات قبل أن تبدأ، إلى جانب طلب آخر تمثل في استبعاد مشاركة دول عربية وإسلامية، والاكتفاء بوساطة عُمان التي تقع على الجانب الآخر من مضيق هرمز.
ويستعيد التقرير ما يصفه بـ”الذاكرة العامة القصيرة”، حيث يذكر بأن عُمان أدت دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة خلال خمس جولات من المفاوضات التي سبقت الحرب في حزيران/يونيو الماضي، والتي عقدت في مسقط وفي السفارة العُمانية بروما.
غير أن كوجان يؤكد أن دور السلطنة كوسيط ليس طارئا، بل يمتلك جذورا أعمق بكثير في تاريخ المنطقة.
“الدولة الإباضية الوحيدة”
ونقل كوجان عن إيلان زلايت، الباحث في شؤون دول الخليج في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، قوله إن “سلطنة عمان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي ينتمي معظم سكانها إلى الطائفة الإباضية، وهي ثالث أكبر طائفة في الإسلام بعد السنة والشيعة، والتي انشقت في وقت مبكر جدا من التاريخ الإسلامي”.
ويضيف زلايت، وفق ما ورد في التقرير، أن هذه الهوية التي تنتمي إليها غالبية السكان والعائلة المالكة، تمنح السلطنة “حيادا طبيعيا”، مشيرا إلى أن السلطان الراحل قابوس بن سعيد شدد لعقود على التسامح الديني، وحافظ على هذه السياسة تجاه العالم السني والسعودية من جهة، وتجاه إيران من جهة أخرى، وهو ما وصفه التقرير بأنه “استقرار الحياد”.
ملتقى دبلوماسي بين كتلتين متصارعتين
وبحسب كوجان، فإن هذا الحياد جعل مسقط نقطة التقاء دبلوماسية تستقبل الجميع، إذ توسطت السلطنة بين السعودية وإيران في العملية التي أفضت إلى المصالحة عام 2023، كما لعبت دورا وسيطا بين الولايات المتحدة والحوثيين ضمن مسار قاد إلى وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو الماضي.
كما يعدد التقرير مواقف عُمان التي عززت صورتها كطرف غير منحاز، من بينها:
- رفضها الانضمام إلى التحالف السعودي ضد الحوثيين عام 2015.
- عدم مشاركتها في مقاطعة قطر عام 2017.
- عدم قطع علاقاتها مع نظام بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية.
وفي المقابل، حافظت السلطنة ـ كما يورد التقرير ـ على علاقات وثيقة مع واشنطن، حيث لا تزال سفن البحرية الأمريكية ترسو في موانئها.
علاقات “ودية” مع إسرائيل
ويشير كوجان إلى أن علاقات عُمان مع الاحتلال الإسرائيلي تتسم أيضا بقدر من “الود” على مستوى المنطقة، إذ استضاف السلطان قابوس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2018، أي قبل “اتفاقيات أبراهام” بفترة طويلة.
كما يذكر التقرير أن عُمان، إلى جانب قطر، كانت أول دولة تفتح مكاتب تمثيلية في إسرائيل عقب اتفاقيات أوسلو.
وفي هذا السياق، نقل كوجان عن زلايت قوله: “إن العلاقات الخاصة وغير الرسمية التي تربط عُمان بإسرائيل هي أيضا نتيجة لهذا الحياد. وتسعى عُمان للحفاظ على مكانتها كملتقى طرق بين الكتلتين”.
علاقة عميقة مع طهران
ويصف تقرير “إسرائيل اليوم” علاقات عُمان مع إيران بأنها عميقة للغاية، وتعود جذورها إلى عهد الشاه.
ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، واجهت السلطنة ثورة في منطقة ظفار جنوب البلاد، بدأت كانتفاضة انفصالية بدعم من الصين والاتحاد السوفيتي الشيوعي.
ويذكر التقرير أن السلطان قابوس ـ الذي أطاح بوالده عام 1970 ـ طلب مساعدة الشاه وحصل على دعم عسكري.
ويضيف زلايت، وفق ما نقله كوجان: “وقد أرسى هذا أساسا للثقة بين البلدين، استمر حتى بعد الثورة الإسلامية”.
أول زعيم عربي يرسل وفدا إلى إيران
ويشير التقرير إلى أنه حتى بعد سقوط الشاه عام 1979، لم تتخل عُمان عن طهران، بل كان قابوس أول زعيم عربي يرسل وفدا إلى إيران بعد الثورة.
ومع ذلك، يوضح التقرير أن عُمان سمحت في البداية للولايات المتحدة باستخدام أراضيها ضمن عملية إنقاذ الرهائن الفاشلة خلال أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران.
وعلى مدى السنوات اللاحقة، حافظت السلطنة ـ بحسب التقرير ـ على قنوات اتصال مفتوحة مع النظام الإيراني الجديد، مراعاة لمصالحها مع دولة تتشارك معها مضيق هرمز.
شريان يفرض الاستقرار والثقة
ويرى كوجان أن هذه الشراكة بين مسقط وطهران تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: استقرار مضيق هرمز باعتباره شريانا تجاريا عالميا حيويا، والثقة المتراكمة بين الطرفين على مدى عقود، وحقيقة أن عُمان لم تسع قط إلى لعب دور “قوة إقليمية”.
ويخلص التقرير إلى أن هذه العوامل جعلت السلطنة أكثر ملاءمة لإيران من دول أخرى سارعت إلى لعب دور الوسيط، مثل تركيا وقطر.
وبحسب ما نقلته صحيفة “إسرائيل اليوم” عن “نيويورك تايمز”، فإن طهران خشيت من أن يُوحي اجتماع واسع النطاق بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقوم بـ”استعراض”، وأن عبء الانتظار لا يقع على واشنطن وحدها، بل على المنطقة بأسرها.
الإيرانيون يشكّون في الجميع
وفي توصيفه للمناخ السياسي الإيراني، نقل كوجان عن زلايت قوله: “الإيرانيون يشكّون في الجميع في الوضع الراهن، مع بلوغ حالة من جنون الارتياب ذروتها داخليا وخارجيا، حتى في قطر.
لكن عُمان تتمتع بسمعة طيبة في التكتم، والأطراف تعرف بعضها بعضا، مما يجعلها وسيطا مثاليا في نظرهم”.
تاريخ طويل من القنوات السرية
ويشير تقرير “إسرائيل اليوم” إلى أن مسقط كانت على الدوام الوجهة المفضلة عندما تبحث الولايات المتحدة عن قناة للحوار الجاد مع إيران.
ففي عام 2011، توسطت السلطنة في إطلاق سراح ثلاثة سياح أمريكيين كانوا محتجزين في إيران، بل دفعت كفالتهم.
كما استضافت في أوائل التسعينيات محادثات سرية مهدت الطريق لاحقا للاتفاق النووي لعام 2015.
وفي ختام هذه النقطة، نقل كوجان عن زلايت قوله: “تمتلك عُمان البنية التحتية اللازمة، وفهما دقيقا لجميع تفاصيل البرنامج النووي. لا حاجة لإعادة فتح الملف، فالهيكل الأساسي موجود بالفعل”.
وفق ما خلص إليه تقرير دودي كوجان، فإن اختيار طهران لمسقط لم يكن قرارا عابرا، بل ترجمة لحسابات دقيقة٬ وهي وسيط هادئ، يحافظ على قنواته مع الجميع، لا يثير ضجيجا سياسيا، ويتمتع بسمعة “التكتم” والقدرة على إدارة الملفات الحساسة.
وبينما تتنافس قوى إقليمية على لعب أدوار الوساطة في الشرق الأوسط، تبدو عُمان ـ مرة أخرى ـ الطرف الذي يعود إليه الجميع حين تصبح الأزمات على حافة الانفجار.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية إيران ع مان المفاوضات واشنطن إيران واشنطن مفاوضات ع مان صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إسرائیل الیوم إلى أن
إقرأ أيضاً:
ترامب يعلق على توقف المحادثات مع إيران.. ويوجه رسالة إلى طهران
وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التقارير الإعلامية التي تحدثت عن توقف قنوات الاتصال بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية بأنها "أخبار كاذبة ومضللة"، مؤكداً أن المحادثات بين الجانبين مستمرة دون انقطاع على مدار الأيام الماضية.
وقال ترامب، في تصريح له: "إن تقارير الأخبار الكاذبة التي زعمت أن الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية توقفتا عن التحدث قبل بضعة أيام هي تقارير كاذبة وخاطئة تماماً".
ترامب: إيران خدعت أمريكا والعالم 47 عاماً - موقع 24هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران والرئيس الأسبق باراك أوباما، متهماً طهران بـ"التلاعب" بالولايات المتحدة على مدى 47 عاماً، ومعتبراً أن إدارة أوباما منحت إيران "عقد حياة جديداً" عبر الاتفاق النووي، والأموال التي أفرجت عنها واشنطن.
وأوضح الرئيس الأمريكي أن قنوات الحوار ظلت نشطة بشكل يومي ومتواصل، قائلاً: "المحادثات بيننا مستمرة بشكل متواصل، بما في ذلك قبل أربعة أيام، وقبل ثلاثة أيام، وقبل يومين، وبالأمس، واليوم أيضاً. وإلى أين ستؤدي هذه المحادثات؟ لا أحد يعرف أبداً".
ووجه ترامب رسالة إلى القيادة الإيرانية بضرورة إنهاء عقود من السياسات الحالية والقبول باتفاق جديد، مضيفاً: "لكن كما قلت لإيران: لقد حان الوقت، بطريقة أو بأخرى، لكي تبرموا صفقة. لقد ظللتم تفعلون هذا الشيء نفسه طوال 47 عاماً، ولا يمكن السماح باستمرار هذا الأمر لفترة أطول!".