تجتاح كندا منذ أكثر من عام حالة من التمرد على أمريكا، وها هي هذه الحالة تنتشر أخيرا في الغرب كله. فلم تكن الرسالة التي تضمنتها خطبة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس الشهر الماضي ـ وتحدث فيها عن «تمزق النظام العالمي» ـ بالجديدة على الكنديين؛ إذ أعلن كارني، بعيد انتخابه في أبريل، أن «علاقتنا القديمة بالولايات المتحدة، العلاقة القائمة على تزايد الكامل واطراده، قد انتهت».
على مدار العام الماضي، وفي مواجهة خطاب الرئيس دونالد ترامب العاصف، توافق كثير من صناع السياسة الأوروبيين على انتظار نهاية هذا الهراء واللجوء إلى سياسة الاسترضاء كلما أمكن ذلك. وقد جاء خطاب كارني في ذات اللحظة التي ثبت فيها تهافت هذا الموقف، مع تهديدات الرئيس ترامب المحتدة بضم جرينلاند بالقوة، ناهيكم بإهاناته لقوات الناتو التي حاربت ومات منها جنود بجانب جنود أمريكين في أفغانستان.
فلن تنسى أوروبا عبارة «إنهم كانوا يتأخرون قليلا، متراجعين شيئا ما عن الخطوط الأمامية» كما لم ينسوا قول الرئيس السابق كينيدي بالألمانية في خطبة شهيرة «أنا مواطن من برلين» ومقولة ريجان الشهيرة عن سور برلين «حطم هذا السور يا جورباتشوف»، فسوف تظل مقولة ترامب الرئاسية تجسيدا للروح الأمريكية في اللحظة التي قيلت فيها؛ إذ بغتة بات من المحال تجاهل اندفاع ترامب الجنوني إلى التوسع في الأرض ورغبته في الإذلال والنيل من الكرامة.
بالنسبة لكندا الآن، بات استخفاف أمريكا وترهيبها أمرا معهودا. إذ يبدو أن تعيين بيت هوكسترا سفيرا أمريكيا لدى كندا كان يرمي أساسًا إلى أن يكون مصدرًا للإهانات، وأنه مكلف تكليفا بالتهوين من أمر مستضيفيه أينما ووقتما تسنح له فرصة. (ولقد كانت نصيحته للكنديين الذين استاءوا من قول الرئيس ترامب إن كندا يجب أن تكون الولاية الأمريكية الحادية والخمسين هي «تجاوزوا عن هذا»). وقد تكشف أخيرا أن مسؤولين أمريكيين التقوا بانفصاليين من ألبرتا فكانت تلك إشارة إلى أن إدارة ترامب ربما لم تتخل عن فكرة تفكيك كندا. وتهديد الجيران، كما تعلمت كندا على مدار العام الماضي بأشق طرق التعلم، سمة من سمات القادة ذوي العقلية الاستبدادية.
غير أن خطبة كارني مضت فتجاوزت التشخيص؛ إذ ألمحت إلى المخرج. لقد كان من أسباب ترك رئيس الولايات المتحدة جرينلاند وشأنها أن الدنمارك وحلفاءها وضعوا فيها مزيدًا من القوات.
كما أنه لم يتراجع عن تهديداته الأخيرة بالرسوم الجمركية في يناير إلا حينما ناقش الاتحاد الأوروبي تفعيل (أداة مقاومة الإكراه)، وهي مجموعة أدوات إجراءات ثأرية تعرف أيضا بـ«بازوكا التجارة». والدرس المستفاد هو أن أمريكا قد تصوب إليك مسدسا، لكنها سوف تضطر إلى ضبط سلوكها إن صوبت إليها مسدسا في المقابل.
على مدار عام، تحركت مؤسسات الحياة الكندية بأسرع ما يمكن للتهيؤ لانحدار أمريكا إلى الاستبدادية. فيجري إنشاء خطوط تجارية جديدة إلى السوق الآسيوية. ويتردد أن الجيش يضع خطط مقاومة لغزو أمريكي مفترض تقوم على تكتيكات التمرد المستوحاة في ما يفترض من المجاهدين في أفغانستان.
وقد قال أحد كبار مسؤولي الدفاع السابقين: إن الكنديين ينبغي أن يجعلوا «جميع خياراتنا مفتوحة» في مسألة الأسلحة النووية. ويتزايد صعود المحتوى الإعلامي ذو التوجه الكندي (ومرة أخرى يتابع الجميع، وليس الكنديين فقط، مسلسل «التنافس المحموم»).
تتحرك بلاد أخرى في الاتجاهات نفسها.
فالتطبيقات التي أطلقت في كندا منذ أوائل 2025 لمساعدة المستهلكين على مقاطعة المنتجات الأمريكية تنتشر بقوة في أماكن من قبيل الدنمارك والسويد. وليس هذا بعديم الأثر. فمع قيام العديد من المقاطعات الكندية بإخلاء أرفف المتاجر من المشروبات الروحية الأمريكية، تراجعت الصادرات الأمريكية منها بنسبة 85% في 2025، وأوقف مصنع جيم بيم للبوربون إنتاجه مؤقتا في أحد معامل التقطير التابعة له في كنتاكي. فالنفور قوة اقتصادية وجيوسياسية ذات بأس.
العدوان الأمريكي والتراجع الأمريكي وجهان لعملة واحدة. ففي الوقت الذي أعلن فيه كارني مجموعة الإجراءات الرامية إلى تعزيز صناعة المركبات الكهربائية الكندية، لم ينازع أحد للحظة في قدرة نظيرتها الأمريكية على المنافسة. وبفضل الإعفاءات الضريبية للمركبات الكهربائية، ضمن الرئيس ترامب أن تكون المركبة الكهربائية الأمريكية يوما ما في ذمة الماضي.
لقد قررت أمريكا الخروج من المنافسة، وأن تكتفي باتخاذ المواقف. فمن يدمج الآن نفسه في مجال النفوذ الأمريكي أو مهما تكن التسمية التي يطلقها جهاز الأمن القومي التابع للرئيس ترامب، فإنه يدمج نفسه في تحفة عفا عليها الزمن، أو حتى في ما هو أسوأ من ذلك.
في الوقت نفسه، تصبح أمريكا مرادفا لعشوائية خطيرة؛ فالنظام الدستوري فيها ينهار. والجناح التشريعي، المؤلف من كل من الديمقراطيين والجمهوريين، غائب عن المشهد. والمحكمة العليا تناقش العبث المحض، بينما النظام التشريعي الذي أمسك البلد طوال مئتين وخمسين سنة يتداعى في طريقه إلى نهاية مخزية. ولا أحد يعلم ما أمريكا الآن، لا الأمريكيون ولا أعداؤهم، ولا أصدقاؤهم.
ولم يكن قبول هذا الواقع بالأمر اليسير على كندا. فالاستثنائية الأمريكية أشبه بمخدر لعين، إذ يصعب التخلص من عادة الظن بأن الأمريكيين أشخاص طيبون. وما يجري في مينيسوتا ومينيابوليس هو بالنسبة للكنديين أمر يجري لأصدقائنا، وجيراننا، وزملائنا، وعشيرتنا، يجري لمن نحبهم ونفهمهم خيرا من أي أحد غيرهم. لكن «التمزق» على حد تعبير كارني ليس سوى رؤية واضحة. واليوم، أمريكا هي التي تمثل تهديدا لحريتنا وديمقراطينا. لا روسيا، وإنما أمريكا.
والآن، يبدأ العمل. لحسن الحظ أو لسوئه، فإن ما يزداد الناس إعجابا به في كندا، أكثر حتى من النجاح، هو القدرة على الصمود، ولا شك أن ذلك ناجم عن قسوة الطبيعة. لقد نجا أتنارجوات -بطل أسطور ة الإنويت- من مكيدة دامية بجريه في الجليد عريان. وترير فوكس -كما يعلم كل تلميذ كندي صغير- ظل يجري الماراثون كل يوم طوال مائة وثلاثة وأربعين يوما على ساق واحدة ليدبر مالا للعلاج من السرطان.
والمعبودون في رياضتنا الوطنية يبصقون أسنانهم ثم يعودون لاستئناف المباراة. وقد كانت خطبة كارتي لمحة من تلك الروح. وما تحتاج إليه البلاد الديمقراطية الليبرالية اليوم أكثر من ذي قبل هو إرادة الاستمرار، دونما حنين إلى ما كان في يوم من الأيام.
يشعر الغرب الآن بأن تعرضه للخيانة يتحول إلى غضب. والعالم يفيق ليكتشف ضعفه وليكتشف أيضا قيمته. لكن ما يأتي متأخرا خير مما لا يأتي مطلقا، وكلنا الآن كنديون.
ستيفن مارش مؤلف كتاب «الحرب الأهلية التالية».
الترجمة عن ذي نيويورك تايمز
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي
قالت صحيفة "فيلت" نقلا عن مسؤول كبير في وزارة الحرب الأمريكية، إن البنتاجون يعتزم تقديم خطط ملموسة للانسحاب الجزئي لقواته من نظام الدفاع الأوروبي في يونيو خلال مؤتمر "الناتو".
وقال مصدر في "البنتاجون" في تصريح صحفي: "سيتم دمج هذه التغييرات في مقترحنا بشأن القوات والقدرات العسكرية خلال مؤتمر حلف "الناتو" في يونيو المقبل.
وتابع: "نريد تزويد الحلفاء بالمعلومات والوضوح اللازمين لتسريع الانتقال إلى نظام دفاع أوروبي بأسرع وقت وأكثر فعالية ممكنة، حيث يتحمل الحلفاء المسؤولية الرئيسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا".
وأشارت الصحيفة إلى أن ألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين في حلف "الناتو" كانوا على دراية منذ فترة طويلة بنية الولايات المتحدة التخلي عن دورها كحام رئيسي. ومع ذلك، افترضت الأوساط الحكومية الألمانية أن هذه العملية ستكون تدريجية ومنسقة. والآن، تحرم واشنطن الأوروبيين فعليا من فترة انتقالية طويلة، كما نقلت صحيفة "فيلت".
في سياق آخر قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، في تصريحات لقناة "فوكس نيوز" إن إيران وافقت على عدم امتلاك أسلحة نووية.
وفي وقت سابق، أفادت تقارير أمريكية عن مسؤول رفيع المستوى في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن مسؤولًا أمريكيًا كبيرًا أشار إلى أن "الأمور قد تتضح بشأن الاتفاق النووي مع إيران، نهاية الأسبوع المقبل"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "مستعدة للانتظار"، وفق تعبيره.
وقال المسؤول الأمريكي: "ستتم الصفقة. سنرى إن كانت حتمية، نحن مستعدون للانتظار حتى يحصل الرئيس على ما يطلبه. ربما أسبوع. ربما أقل. ربما أكثر. نأمل أن نتوصل إلى نتيجة ما بحلول نهاية الأسبوع".
في سياق آخر أصدرت الأمم المتحدة، 3 تقارير، ترسم صورة قاتمة للوضع الإنساني في السودان، محذرة من تفشي الجوع واتساع النزوح وتدهور أوضاع النساء والفتيات.
ومع دخول الحرب عامها الرابع منذ اندلاعها في أبريل 2023، تتزايد التحديات أمام وكالات الإغاثة الدولية في الاستجابة لاحتياجات ملايين المتضررين.
وتشير التقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى أن الأزمة السودانية لم تعد تقتصر على تداعيات العمليات العسكرية، بل تحولت إلى أزمة إنسانية متعددة الأبعاد تشمل الأمن الغذائي والصحة والحماية والنزوح والخدمات الأساسية.
قصف وإطلاق نار إسرائيلي يستهدف مناطق شرقي غزة
أفادت مصادر فلسطينية، الأحد، بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذت عمليات قصف مدفعي ونسف وإطلاق نار استهدفت مناطق شرقي قطاع غزة، في ظل استمرار التوترات الميدانية والاتهامات المتبادلة بشأن خروقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
ونقل المركز الفلسطيني للإعلام عن مصادر فلسطينية قولها إن القوات الإسرائيلية نفذت عملية نسف شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع تجدد القصف المدفعي على مناطق شرقي حي الزيتون جنوب شرقي المدينة.
وأضافت المصادر أن زوارق حربية إسرائيلية أطلقت النار قبالة سواحل مدينة غزة وكذلك قبالة مدينة خان يونس، فيما استهدفت آليات إسرائيلية مناطق شرقي ووسط خان يونس بإطلاق نار مباشر، بحسب الرواية الفلسطينية.
من ناحية أخرى أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية، أن الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ الثاني من مارس الماضي وحتى الثلاثين من مايو الجاري ارتفعت إلى 3371 شهيدًا و10129 جريحًا.
وأوضح المركز في بيان أن هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية الناجمة عن الاعتداءات المستمرة التي طالت مناطق عدة في لبنان خلال الفترة المذكورة، وسط استمرار عمليات الرصد والتوثيق للحالات التي تصل إلى المستشفيات والمراكز الصحية.
وأشار البيان إلى أن الجهات الصحية تواصل متابعة الأوضاع الميدانية وتقديم الرعاية الطبية للمصابين، في ظل التحديات التي يفرضها التصعيد الأمني وتزايد أعداد الضحايا والجرحى.