جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@00:48:05 GMT

الفن في عُمان

تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT

الفن في عُمان

 

 

آية السيابي **

 

كيف تتشكل هوية المدن اليوم؟ ولنقرب الفكرة أكثر، لماذا مدينة فلورنسا تُعد من أغنى المناطق السياحية ثقافيا وتاريخيا؟ السبب كما يبدو أبسط من فك شيفرة معقدة، وهو أنَّ لها هوية واضحة المعالم، فالزائر أكثر ما يدهشه هو طرقاتها ومساراتها التي تبدو كأنها لوحة مرسومة بيد فنان ماهر جسّد نهضة حضارية تضع السائح مباشرة في حضرة الفن ولذة ما ينطوي خلف ثقافته.

كما هو الحال مع باريس التي تمتزج فيها الأكاديميات الكلاسيكية والحداثية. هذه المدن تأسست على اعتبار أن الفن والفلسفة والجمال عناصر بنيوية قائمة على الإنسان الذي يفكّر ويخلق ويبتكر. وأصبحت وجهات سياحية نشطة. فلا شيء يقرب المدينة من الإنسان كالفن بكل لغاته. وهو عضو رئيس في قيام الجسد الثقافي النابض.

أما في مسقط، فقد توالى انسحاب معارض الفن التشكيلي. بدءا من محل الفنان مرتضى اللواتيا في مطرح، الذي كان مقصد السياح من كل مكان. ثم "بيت مزنة" الجميل للفنانة مزنة آل سعيد. كان البيت يحمل طابعاً عربياً مميزاً وجاذباً. وفقدنا مؤخرا أيضا معلما فنيا مهما، وهو رواق عالية، الذي يعد وجهة سياحية يقصدها السائح للتعرف على هوية الفنان العُماني. يعد الرواق أحد أكبر صالات العرض في الوطن العربي. وما جعله استثناء في المشهد الفني هو أنه أضخم مساحة خُصصت لفنان واحد. في الحقيقة، مؤلم جدا إغلاق المعارض الفنية. كوجهات حق للعُماني أن يتباهى بوجودها في مدينة تتطلع إلى أن تتصدر القوائم السياحية في العالم. كانت هذه المعارض نوافذ تحيل السائح بيسر إلى هوية المباني العُمانية، ووجه المرأة العُمانية من خلال حضورها الفني بهذا المستوى. وحين يُغلق معرض رسم بعد أن حقق حضورا دوليا رفيعا، فإننا نبكي ستارا أسدل على الذاكرة الفنية لنا. كخيط كان يربط المبدعين بجمهور الذائقة الفنية. فالفن التشكيلي ليس ترفا فائضا، ولا هواية تفرض نخبويتها على طبقة بعينها دون الآخرين. ولكنه ثقافة ووعي. يتشكّل لدى زواره بدءا من طلبة المدارس الذين قد ينبت في نفوس أحدهم بذور الفن باكرا، ومرورا بتحفيز الفنان الذي لا يملك أن يستقل بصالته ويكتفي أن يتوارى ضمن نخبة من الفنانين العُمانيين الذين تصدروا المشهد الفني دولياً. فعُمان ثرية بفنانين محترفين ومتحققين أمثال: أنور سونيا، حفصة التميمي، مريم الزدجالي، نايلة المعمري، نعيمة الميمني، رابحة محمود، مريم الوهيبي، فخرية اليحيائي، حليمة البلوشي، عالية الفارسي، حسين عبيد، جمعة الحارثي، خميس البلوشي، بدور الريامي، سعيد العلوي، يوسف النحوي، أنعام اللواتيا.. وغيرهم الكثيرين ممن لا يتسع المقال لذكرهم جميعا. ووجود مراسم ومعارض فنية بهذه الجودة من الأعمال، هو استثمار حضاري وسياحي كبير. لأنَّ اللوحة تعبر عن سرد هوياتي يشير إلى حقبة زمنية معينة. وهذا في حد ذاته تاريخ سوف تقرأه أجيال قادمة. كما نقرأ اليوم ما تركته الحضارات البعيدة في فنونها وآثارها. ولولا ذلك الإرث، لما نشأت فكرة المتاحف أصلاً. رفقا بالفنانين العُمانيين، نحاتين، ورسامين.. وبكل يد صاغت فناً في هذا البلد الثري. فهؤلاء طاقات المجتمع الثقافي الناعمة. التي تصل العُمانيين بالعالم عبر لوحاتهم. ومن هنا، أرى أننا في حاجة إلى قانون يحمي هذه المشاريع من الشلل الاقتصادي. ويخفف عليها عبء البيروقراطية التي تستهلك وقت الفنان وجهده بما لا يعود بالنفع. قد نجد أيضاً بدائل مستدامة للمعارض التي أغلقت. كل ذلك، سعياً لبناء مشهد حضاري متزن يليق بتاريخ عُمان وثقافتها الممتدة.

** كاتبة وروائية عُمانية

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • شمس البارودي تخطف الأنظار في أحدث ظهور.. صورت نفسي على استحياء
  • بعثة الحج العُمانية تعود إلى البلاد
  • إطلاق مبادرة "ساس للتميز" لتعزيز تنافسية الشركات التقنية العُمانية عالميًا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • في ذكرى ميلاده.. محطات بارزة في حياة الفنان محمود ياسين وأشهر أعماله الفنية
  • عبر «أبشر أعمال».. خطوات وشروط إصدار هوية مقيم
  • بعد إصدار كتاب «عاشقة الخيل» عن رحلتها الفنية.. إيمان الهيدوس: الخيل العربية الأصيلة صنعت هويتي الفنية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟