شهادات مؤثرة لأطباء غزة بعد عرض فيلم الطبيب الأخير بمنتدى الجزيرة
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
في جلسة نقاشية مفعمة بالشهادات الحية المؤثرة، استضاف منتدى الجزيرة الـ17 نخبة من الأطباء الذين عايشوا أهوال الحرب في غزة، وذلك في أعقاب عرض فيلم "الطبيب الأخير".
وبكلمات تختزل ملاحم الصمود الأسطوري للمنظومة الصحية، حذر المشاركون من مخططات استعمارية خبيثة تهدف إلى تفتيت السيادة الفلسطينية على القطاع الطبي وسلب مؤسساته القدرة على الاستمرار.
ويستعرض فيلم "الطبيب الأخير" -الذي انتجته الجزيرة ومتاح داخل منصة الجزيرة 360– الذي يوثق رحلة مدير مستشفى كمال عدوان في قطاع غزة الطبيب حسام أبو صفية وطاقمه الطبي خلال خدمتهم للمصابين والمرضى قبل أن تعتقله قوات الاحتلال الاسرائيلي في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وقال الطبيب الفلسطيني غسان أبو ستة، مدير برنامج طب النزاعات في معهد الصحة العالمية بالجامعة الأمريكية في بيروت، إن ما يحدث للقطاع الصحي في غزة هو "حدث فريد في تاريخ البشرية".
وأضاف أبو ستة أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتعامل مع المستشفيات كأهداف جانبية، بل جعلها "جزءا أساسيا ومركزيا في تعريفه لأرض المعركة".
وتابع أن استهداف الكوادر الطبية بالقتل والاعتقال ليس مجرد انتقام، بل هو جزء من "مشروع إبادة وتطهير عرقي" يهدف إلى جعل غزة مكانا غير قابل للحياة.
وحذر الطبيب الفلسطيني من مخطط "تفتيت وتذويب" القطاع الصحي الفلسطيني، عبر استبدال وزارة الصحة بمنظمات دولية، وهو ما اعتبره "تعميقا للمرحلة الكولونيالية" وسلبا لواحد من أهم معاقل القرار الفلسطيني المستقل في إدارة حياة المواطنين.
جيش ملائكي
أما الطبيب المغربي يوسف بوعبد الله، فقد نقل جانبا إنسانيا مؤثرا عن تجربته في شمال غزة، واصفا الطواقم الطبية هناك بـ"الجيش الملائكي" الذي يعمل في تناسق مذهل رغم انعدام الإمكانيات.
وتحدث بوعبد الله بتأثر شديد عن العلاقة الطيبة التي جمعته بزميله الفلسطيني الأسير حسام أبو صفية، والذي وصفه بالنموذج الذي كان "يصبّر الصبر ذاته"، مشيرا إلى أن تضحياته الشخصية وفقدانه لابنه إبراهيم لم يثنياه عن أداء رسالته، بل جعلاه أيقونة لجيل من الأطباء الذين "خذلهم العالم كله ولكنهم لم يخذلوا شعبهم".
الأطباء هم الشهود الوحيدونمن جانبه، شدد الطبيب البريطاني غرايم غرووم -الذي تطوع في مستشفيات قطاع غزة منذ عام 2009- على أن التوثيق الطبي بات ضرورة قصوى، لأن الأطباء أصبحوا "الشهود الوحيدين" بعد منع الصحافة الدولية واستهداف الصحافة الفلسطينية.
إعلانولم يخف غرووم صدمته من موقف الديمقراطيات الغربية، متسائلا بمرارة عن سبب تسامح الممكلة المتحدة وأوروبا بدعم هذا "الشر الوحشي"، وفق تعبيره.
ولفت الانتباه إلى "تزييف الوعي" في الغرب، حيث تُقمع مظاهرات التضامن وتُوصف بـ"مسيرات الكراهية"، في حين أنها حراك إنساني سلمي يرفض الظلم، مستذكرا بأسًى زملاءه الذين استشهدوا في الأسر كالدكتور أدم بوش الذي عمل طبيبا جراحا في غزة قبل أن تعتقله قوات الاحتلال الإسرائيلي ثم يتوفى داخل الاحتجاز في أبريل/نيسان 2024، أو الذين لا يزالون يواجهون مصيرا مجهولا كالدكتور أبو صفية وآخرين كثيرين.
التوثيق كأداة للعدالة
وفي سياق المعركة القانونية، اعتبر مخرج فيلم "الطبيب الأخير" إبراهيم صابر أن العمل الوثائقي في غزة تجاوز كونه فنا ليصبح "وثيقة إدانة"، مشيرا إلى أن فيلمه حول "مستشفى الشفاء" قد اعتُمد كدليل في المحكمة الجنائية الدولية.
وتحدث صابر عن التحديات النفسية واللوجستية التي واجهت الفريق لتصوير "الصمود الأسطوري" لأطباء شمال غزة، خاصة الدكتور حسام أبو صفية، الذي رفض مغادرة مستشفى كمال عدوان رغم امتلاكه جنسية أخرى، مؤمنا بأن بقاءه هو الضمانة الوحيدة لعدم إفراغ الشمال من سكانه.
واختُتمت الندوة بالإشارة إلى "فوج العنقاء"، وهم خريجو كلية الطب في غزة الذين أقسموا يمين المهنة فوق أنقاض مستشفى الشفاء بمدينة غزة في يناير/كانون الثاني الماضي، في رسالة واضحة بأن استهداف المنظومة الصحية لن يكسر إرادة البناء، وأن الطبيب في غزة ليس مجرد معالج، بل هو حارس الوجود الفلسطيني في وجه الإبادة.
ففي 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، شاهد العالم كله أبو صفية يتحرك وحيدا بمعطفه الأبيض في أحد الشوارع المجاورة للمستشفى متجها إلى قوات الاحتلال التي طالبته بتسليم نفسه، قبل أن تبدأ تدمير المكان بشكل كامل.
ولا يزال أبو صفية رهن الاعتقال الذي جددته محكمة إسرائيلية في 25 مارس/آذار عام 2025 لمدة 6 أشهر بوصفه "مقاتلا غير شرعي" رغم الانتقادات الدولية الكبيرة لما يتعرض له أبو صفية من تنكيل وصل حد التجويع والتعذيب الجسدي، حسب ما أكدته محاميته.
ووفق من تم اعتقالهم من طاقم المستشفى، فقد طالب حسام أبو صفية قوات الاحتلال بالإفراج عن كافة زملائه، وقال إنه لن يخرج وواحد منهم رهن الاعتقال. وقد تم إطلاق سراحهم جميعا باستثنائه هو.
وفي الذكرى السنوية الأولى لاعتقال أبو صفية، نُظمت حملات ووقفات في لندن وعواصم أوروبية عدة، رفعت صور الطبيب الفلسطيني وشعارات تطالب بإطلاق سراحه وجميع العاملين الصحيين المحتجزين، إلى جانب إدانة استهداف الاحتلال الرعاية الصحية في القطاع بقتله الأطباء والمسعفين وقصفه المنشآت الطبية وسيارات الإسعاف.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الطبیب الأخیر قوات الاحتلال حسام أبو صفیة فی غزة
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود