هل تتحول الحرب الكلامية بين إثيوبيا وإريتريا إلى مواجهة عسكرية من جديد؟
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
تصاعدت حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا خلال الأيام الأخيرة، على وقع اتهامات متبادلة أعادت إلى الواجهة مخاوف من انزلاق البلدين نحو مواجهة جديدة في القرن الأفريقي، بعد أن طالبت أديس أبابا جارتها أسمرا بـ”سحب قواتها فورا” من الأراضي الإثيوبية، ووقف أي تعاون مع جماعات مسلحة داخل البلاد، فيما ردت إريتريا باتهامات مضادة ووصفت ما صدر عن الجانب الإثيوبي بأنه “كاذب ومفبرك”، وجزء من “حملة عدائية” ممتدة منذ نحو عامين.
وفي أحدث فصول التصعيد، رفضت إريتريا، الاثنين، اتهامات إثيوبيا لها بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، معتبرة أن هذه الادعاءات تأتي في إطار مساع إثيوبية لتأجيج الأزمة.
وقالت وزارة الإعلام الإريترية في بيان رسمي الأحد إن “اتهامات وزير الخارجية الإثيوبي الكاذبة والمفبركة لإريتريا أمس مذهلة في لهجتها ومضمونها ودوافعها الأساسية وهدفها بشكل عام”.
وتحت عنوان “اتهامات كاذبة لخدمة أغراض خفية”، أصدرت الوزارة بيانا ثانيا الاثنين٬ قالت فيه إن “إثيوبيا تشن حملات عدائية ضدنا على مدى نحو عامين”، مؤكدة في الوقت نفسه أن أسمرا “لا ترغب في التصعيد أو الانخراط في أي خلافات مع إثيوبيا تشعل الأزمة وتفاقم الوضع”.
مطالب إثيوبية بالانسحاب
وجاء الرد الإريتري بعد يومين من مطالبة إثيوبيا، السبت الماضي، إريتريا بسحب قواتها “فورا” من الأراضي الإثيوبية، في لهجة تصعيدية تبناها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، الذي اتهم أسمرا بالانخراط في أنشطة عدائية ودعم مجموعات مسلحة.
وقال تيموثيوس إن على حكومة إريتريا أن “تسحب فورا قواتها من الأراضي الإثيوبية، وتوقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة”، مضيفا أن هذه الأفعال ليست “مجرد استفزازات، بل بكل بساطة أعمال محض عدوانية”.
ورأى الوزير الإثيوبي أن “إريتريا اختارت طريق التصعيد، وعليها وقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة”، لكنه استدرك قائلا إن “هذه الحلقة من العنف وعدم الثقة يمكن كسرها عبر الحوار والالتزام الدبلوماسي”.
وفي رسالة مؤرخة السبت الماضي إلى نظيره الإريتري، كرر تيموثيوس الموقف ذاته، قائلا إن “أحداث الأيام الأخيرة تعني أن حكومة إريتريا اختارت طريق التصعيد”، ومشددا على ضرورة أن تسحب أسمرا قواتها فورا من الأراضي الإثيوبية.
اشتباكات تعيد شبح حرب تيغراي
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن موجة الاتهامات الأخيرة جاءت بعد أن أثارت اشتباكات وقعت في الآونة الأخيرة بين قوات تيغراي والقوات الإثيوبية مخاوف من عودة الحرب في شمال البلاد، حيث اندلعت منذ كانون الثاني/يناير الماضي معارك في مناطق عدة بين الجيش الإثيوبي وقوات الإقليم.
وتنشر إريتريا قوات في إقليم تيغراي الحدودي بشمال إثيوبيا منذ الحرب التي اندلعت هناك في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وقد دعمت خلالها الجيش الفدرالي الإثيوبي في مواجهة سلطات المنطقة المتمردة المنبثقة من “جبهة تحرير شعب تيغراي”.
ورغم توقيع اتفاق سلام في بريتوريا في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية وسلطات تيغراي، ووضع حدا للحرب رسميا، فإن إريتريا لم تشارك في المفاوضات، ولا تزال قواتها موجودة في الإقليم، خلافا لما قضى به الاتفاق ضمنيا من انسحابها.
وتتهم السلطات الإثيوبية حاليا القوات الإريترية بالتحالف مع جبهة تحرير شعب تيغراي وبـ”التحضير بشكل نشط لحرب” جديدة ضد إثيوبيا، في وقت لم تؤكد أسمرا رسميا طبيعة انتشار قواتها في المنطقة.
اتهامات “المجازر” تفتح جبهة جديدة
وفي تصعيد سياسي غير مسبوق، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الثلاثاء الماضي، إريتريا للمرة الأولى بارتكاب “مجازر” خلال حرب تيغراي بين 2020 و2022، عندما كان البلدان متحالفين.
وقال آبي أحمد إن “الخلاف لم يبدأ مع قضية البحر الأحمر كما يعتقد كثيرون؛ لقد بدأ في الجولة الأولى من حرب تيغراي”، مضيفا: “عندما تبعنا الجيش الإريتري إلى شيري وبدأ بهدم المنازل، وارتكب مجازر بحق شبابنا في أكسوم، ونهب المصانع في أدوة، واقتلع منشآتنا الصناعية”.
وقد رد وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل٬ على هذه الاتهامات بالقول إن تصريحات آبي أحمد “أكاذيب رخيصة ومهينة” ولا تستحق الرد.
ورفض جبر مسقل التعليق لوكالة فرانس برس٬ بشأن المطالب الإثيوبية بسحب القوات، في وقت اكتفت فيه وزارة الإعلام الإريترية بتكرار موقفها الرسمي عبر بيانات تتحدث عن “اتهامات مفبركة” و”حملة عدائية”.
اتهامات متبادلة حول دعم جماعات مسلحة
وفي الأشهر الأخيرة، اتهمت أديس أبابا الدولة المجاورة بدعم متمردين في تيغراي وأمهرة، وهو ما نفته أسمرا مرارا، في حين تقول إريتريا إن إثيوبيا تحاول دفع المنطقة إلى حرب جديدة من خلال “تصعيد سياسي وإعلامي ممنهج”.
ويتبادل البلدان، وفق مصادر متطابقة، الاتهامات بإشعال فتيل حرب أهلية محتملة؛ إذ تقول إثيوبيا، الدولة الحبيسة غير المطلة على البحر، إن إريتريا “تسلح وتمول جماعات متمردة”، في حين تقول إريتريا إن طموح إثيوبيا يتمثل في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
“منفذ بحري” وهاجس ميناء عصب
وتعد قضية البحر الأحمر واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين، خصوصا منذ أن أعاد آبي أحمد طرح فكرة “الحاجة إلى منفذ بحري سيادي” في خطاب ألقاه في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مقدما حججا تاريخية واقتصادية وأمنية مرتبطة بواقع إثيوبيا كدولة حبيسة يقترب عدد سكانها من 120 مليون نسمة.
ودق هذا الخطاب أجراس الخطر في أسمرا، التي ترى أن أديس أبابا تستهدف تحديدا ميناء عصب الإريتري، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي قرب باب المندب، رغم أن إثيوبيا وقعت في وقت لاحق مذكرة تفاهم مع إقليم “صومالي لاند” الانفصالي للاسفادة من موانئه.
وتؤكد مصادر إقليمية أن تركيز الخطاب الإثيوبي على البحر الأحمر، حتى بعد تلك المذكرة، يعزز مخاوف إريتريا من أن تكون “بوابة عصب” هي الهدف الحقيقي.
تاريخ من الحروب والحدود
ولا يمكن فصل التصعيد الحالي عن التاريخ الطويل من التوتر بين البلدين، إذ خاضت إثيوبيا وإريتريا حربا حدودية دامية بين عامي 1998 و2000 بسبب خلافات على ترسيم الحدود، خلفت عشرات الآلاف من القتلى.
وعلى إثر تلك الحرب، ساد فتور في العلاقات الثنائية طوال 18 عاما، قبل أن يطبع البلدان علاقاتهما في 2018 بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا، في خطوة ساهمت في حصوله على جائزة نوبل للسلام في العام التالي.
لكن هذا التقارب لم يلبث أن تراجع، خصوصا بعد حرب تيغراي، وما تلاها من خلافات حول الوجود العسكري الإريتري في شمال إثيوبيا، وملف البحر الأحمر، والاتهامات المتبادلة بدعم جماعات مسلحة.
أي دور لموانئ إريتريا؟
ويبرز في خلفية التوتر ملف الموانئ الإريترية، وفي مقدمها:
ميناء مصوع: الواقع على الساحل الشرقي لإريتريا، ويعد من أقدم الموانئ في المنطقة، وكان مركزا تجاريا مهما عبر التاريخ، ولا يزال يشكل بوابة للصادرات والواردات رغم تراجع دوره بفعل الاضطرابات السياسية والاقتصادية.
ميناء عصب: يقع جنوب الساحل الإريتري قرب باب المندب، ويعد الأكثر حساسية في الحسابات الاستراتيجية، إذ لعب دورا محوريا في الصراعات السابقة، وينظر إليه باعتباره مرشحا لأن يكون نقطة اشتعال إذا تصاعدت أزمة “المنفذ البحري”.
هل تنزلق الأزمة إلى مواجهة عسكرية؟
حتى الآن، لا تزال الأزمة تدور في إطار “الحرب الكلامية” والتصعيد الدبلوماسي، لكن لغة الاتهامات وملفات الخلاف المتراكمة٬ من تيغراي إلى البحر الأحمر٬ تجعل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مسلحة قائمة، خصوصا في ظل هشاشة الوضع الأمني في شمال إثيوبيا، وتداخل الصراع مع ملفات داخلية وإقليمية.
لكن جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)٬ أعلنت استعدادها للدخول في حوار “بناء” استجابة لنداء الاتحاد الأفريقي، في مؤشر على احتمال فتح نافذة محدودة أمام المسار السياسي.
وفي هذا السياق، قال الباحث مهدي لبزاع في حديث لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية٬ إن “الديناميكية تغيرت”، موضحا أن سكان إقليم تيغراي باتوا اليوم “منهكين ومصدومين”، ولا يبدون رغبة في الانخراط في صراع شامل جديد على غرار ما حدث عام 2020، وهو ما قد يمنح الدبلوماسية فرصة ضيقة للتحرك.
وبينما يلوح الطرف الإثيوبي بـ”العدوان” ويتهم أسمرا بالتحضير لحرب جديدة، تصر إريتريا على أن الاتهامات “كاذبة ومفبركة”، وأن أديس أبابا تقود “حملة عدائية” منذ عامين. في منطقة عرفت تاريخيا بتقلبات السياسة والحروب الحدودية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية تيغراي اريتريا أثيوبيا البحر الاحمر تيغراي المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البحر الأحمر جماعات مسلحة أدیس أبابا حرب تیغرای آبی أحمد
إقرأ أيضاً:
"إعلام بئر العبد" يناقش دور الشباب في مواجهة الشائعات
نظم مجمع إعلام بئر العبد بشمال سيناء ندوة توعوية بعنوان "تعزيز القيم الوطنية لدى الشباب ودورهم في مواجهة الشائعات"، وذلك في إطار جهود الدولة المصرية لبناء الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم الانتماء والولاء الوطني، وتعزيز دور الشباب في حماية المجتمع ومواجهة المعلومات غير الموثقة، بما يدعم الأمن والاستقرار والتنمية.
يأتى ذلك استمرارًا لحملات التوعية والتثقيف التي ينفذها قطاع الإعلام الداخلي التابع للهيئة العامة للاستعلامات، تحت رئاسة السفير علاء يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، وبتوجيهات رئيس قطاع الإعلام الداخلي اللواء الدكتور تامر شمس.
وجاءت الندوة بمشاركة المهندس محمود جبريل مدير المعهد العالي ببئر العبد، والمهندسة بسمة سليمان الأستاذة بوزارة التعليم العالي ببئر العبد، والدكتور حاتم إبراهيم مدير رعاية الشباب وشئون الطلاب بالتعليم العالى، وتناول المحاضرون خلال اللقاء أهمية ترسيخ القيم الوطنية لدى الشباب باعتبارهم الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، والدور المحوري الذي يقومون به في دعم الاستقرار المجتمعي ومواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة.
وأكد المحاضرون أن تعزيز الوعي الوطني لدى الشباب يمثل أحد أهم محاور بناء المجتمع، في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستوى المعلوماتي والتكنولوجي، والتي تتطلب رفع الوعي بآليات التعامل مع الأخبار والمعلومات المتداولة، بما يحمي المجتمع من التأثيرات السلبية للشائعات.
وتناولت الندوة مفهوم القيم الوطنية باعتبارها مجموعة المبادئ والمعايير التي تحدد علاقة الفرد بوطنه، والتي تتمثل في الولاء والانتماء والمسؤولية والمشاركة المجتمعية، مع التأكيد على أن ترسيخ هذه القيم يسهم بشكل مباشر في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات المختلفة.
كما أوضح المحاضرون أن القيم الوطنية لا تقتصر على الجانب النظري فقط، بل تنعكس في ممارسات وسلوكيات عملية، حيث يتمثل البعد السلوكي في الالتزام بالقوانين والحفاظ على الممتلكات العامة واحترام الرموز الوطنية، بينما يرتبط البعد التنموي بالمساهمة في تنمية المجتمع المحلي من خلال العمل والتطوع والتعليم والمشاركة المجتمعية الإيجابية، في حين يتمثل البعد الأمني في الحفاظ على التماسك المجتمعي ورفض خطاب الكراهية والتقسيم ودعم قيم الاستقرار والتعايش.
وتطرقت الندوة إلى خطورة الشائعات باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تؤثر على استقرار المجتمعات، موضحة أن الشائعة هي خبر غير موثق يتم تداوله دون التأكد من صحته، بما يؤدي إلى نشر البلبلة والتأثير على الرأي العام، خاصة في ظل التطور الكبير في وسائل الاتصال الحديثة وسرعة تداول المعلومات عبر منصات التواصل المختلفة.
كما تم استعراض عدد من العوامل التي تساعد على انتشار الشائعات، خاصة داخل محافظة شمال سيناء، ومن بينها التباعد الجغرافي بين بعض التجمعات السكانية، وصعوبة التحقق المباشر من بعض المعلومات، والاعتماد على النقل الشفهي للمعلومات دون التأكد من دقتها، فضلًا عن الانتشار الواسع لتطبيقات التراسل الفوري مع غياب ثقافة التحقق الرقمي لدى بعض الفئات.
وأكدت الندوة أن أضرار الشائعات تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، حيث تؤثر على حركة التنمية، وتخلق حالة من القلق المجتمعي، وقد تؤدي إلى التأثير على الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وشدد المحاضرون على أهمية اتباع منهجية علمية قبل إعادة نشر أي معلومة، تبدأ بالتحقق من مصدر الخبر ومدى صدوره عن جهات رسمية موثوقة، وعدم الاعتماد على الحسابات الشخصية أو المجموعات المغلقة كمصدر للمعلومات، إلى جانب مراجعة توقيت الخبر وسياقه الحقيقي، وتحليل الهدف من نشر بعض الأخبار ومدى ارتباطها بإثارة الخوف أو التأثير السلبي على المجتمع.
كما دعت الندوة الشباب إلى القيام بدور إيجابي في دعم الأمن المعلوماتي لمجتمعاتهم، والاعتماد على المصادر الرسمية في متابعة الأخبار، والمساهمة في نشر المحتوى الإيجابي الذي يعكس جهود التنمية وحجم الإنجازات، بما يعزز قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.
وأكدت الندوة أن العلاقة بين القيم الوطنية ومواجهة الشائعات علاقة تكاملية، فكلما ارتفع مستوى الوعي والانتماء الوطني لدى الأفراد، انخفضت قابلية تصديق المعلومات غير الموثقة أو المشاركة في تداولها، وهو ما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي ختام الندوة، أكدت حنان معيقل مدير مجمع إعلام بئر العبد، أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا كبيرًا ببناء وعي الشباب وتعزيز قيم الانتماء لديهم، في ضوء رؤية الدولة المصرية الهادفة إلى نشر الوعي والمعرفة، ومن خلال استراتيجية الهيئة العامة للاستعلامات التي تستهدف تعزيز الأمن الفكري والمجتمعي وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية الوطنية، بما يسهم في إعداد جيل واعٍ قادر على حماية مجتمعه ودعم مسيرة التنمية والاستقرار.