م. سعيد المعولي: استخدام الخدمات الرقمية ارتفع بنسبة 400 % منذ عام 2022 - 

د. منصور الهنائي: لأول مرة سيكون لدينا محطات إنتاج كهرباء من الهيدروجين - 

د. محاد باعوين: منصة توطين تنظم التشغيل عبر 18 لجنة حوكمة قطاعية - 

ابتسام الفروجي: نمو الصادرات غير النفطية تجاوز نصف مليار ريال خلال خمس سنوات - 

أكد صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية أن الجلسة الحوارية المفتوحة تأتي في إطار نهج يقوم على الشفافية والمسؤولية، ويجسد الإيمان بالحوار باعتباره مسارا وطنيا راسخا لتبادل الرؤى والأفكار والاستماع لمختلف الطروحات بما يسهم في دعم مسيرة التنمية.

وقال سموه: إن ملتقى «معا نتقدم» دأب خلال نسخه السابقة على إتاحة مساحات مباشرة للنقاش بين المجتمع والمسؤولين مبينا أنه مع إسناد الإشراف على الملف الاقتصادي في التعديلات الوزارية الأخيرة ستتواصل هذه الجلسة بوصفها منصة مفتوحة لطرح القضايا التي تهم الجميع، وبما يعزز الشراكة في صناعة القرار الاقتصادي.

وأضاف سموه أن من أبرز المهام الرئيسة لمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الإشراف على السياسات والاستراتيجيات العامة للتنمية الاقتصادية بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والجهات المختصة بما يضمن مواءمة السياسات وتكاملها، وتوحيد الجهود لتحقيق المستهدفات الوطنية.

وأشار سموه إلى أن منظومة العمل الاقتصادي ترتكز على مبدأ التكامل المؤسسي؛ حيث تصاغ السياسات على أسس علمية وتحليلات دقيقة، وتنفذ ضمن إطار حكومي يتسم بالانسجام والفعالية بما ينعكس إيجابا على جودة الأداء وسرعة الإنجاز.

وأوضح سموه أنه تعزيزا للتفاعل المباشر يشارك في الجلسة عدد من رؤساء الوحدات الحكومية للاستماع إلى المداخلات والرد عليها مؤكدا أن المرئيات والتجارب والتطلعات تمثل مدخلات مهمة لتطوير السياسات والإجراءات بصورة مستمرة.

وجدد سموه التأكيد على أن التقدم يتحقق بالشراكة مع المجتمع داعيا إلى البدء في طرح الأسئلة والمداخلات. جاء ذلك خلال انطلاق الجلسة الحوارية المفتوحة ضمن أعمال ملتقى «معا نتقدم». وتنوعت المداخلات خلال الجلسة الحوارية المفتوحة بين قضايا اقتصادية واجتماعية؛ حيث طرحت مطالب تتعلق بدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتمكين المشاريع المحلية، خاصة في المحافظات مع الدعوة إلى تعزيز الأدوار التكاملية بين الجهات الممولة والجهات المشرفة لضمان استدامة هذه المبادرات.

وفي محور الحماية الاجتماعية نوقشت مقترحات تقليص سنوات الخدمة لتقاعد المرأة، وجرى توضيح التبعات المالية لذلك، والتي قد تبلغ نحو 60 ألف ريال عماني للحالة الواحدة عند التقاعد المبكر بخمس سنوات. كما تناول النقاش آلية استحقاق «منفعة كبار السن» مع الإشارة إلى أن عدد المستفيدين يتجاوز 270 ألفا، وأن تحديد سقف الدخل عند 1250 ريالا يهدف إلى إعادة توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجا بالتوازي مع رفع منفعة الأطفال من 10 إلى 20 ريالا.

واستعرضت الجلسة مستجدات سوق العمل مع الإشارة إلى دخول أكثر من 210 آلاف باحث عن عمل إلى سوق العمل خلال الأعوام الماضية، ورفع المستهدفات المستقبلية إلى 60 ألف فرصة عمل سنويا. كما حضرت قضايا ذوي الإعاقة ضمن النقاشات، سواء فيما يتعلق بمرحلة ما بعد التعليم المدرسي، أو ببرامج التأهيل والتشغيل إضافة إلى مقترحات لتعزيز الخدمات الداعمة، ومنها التوسع في تعليم لغة الإشارة.

وفي الشأن الاستثماري تطرقت المداخلات إلى جاهزية المناطق الاقتصادية، وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية مع الإعلان عن توجه لتنظيم تصدير الخامات المعدنية، ومنع تصدير خام الكروم بتركيز أقل من 36 بالمائة اعتبارا من منتصف العام إلى جانب الإشارة إلى نمو الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من 71 بالمائة مقارنة بعام 2021 ليصل إلى نحو 31 مليار ريال عماني. وفي جانب الشباب دعا عدد من الطلبة إلى توفير حاضنات تتبنى الابتكارات، وتربطها باحتياجات التنمية وسوق العمل بما يعزز ثقافة الإنتاج وريادة الأعمال.

وفي ختام الجلسة تفضل صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد بتكريم الفرق الفائزة في برنامج «صناع الأفكار همم» التابع لجهاز الاستثمار العماني ضمن أعمال ملتقى «معا نتقدم» في إطار دعم المبادرات الوطنية المعززة للابتكار، وتحفيز الحلول المستدامة. ففي مسار المحافظات نال فريق «مخيم النيم» المركز الأول، وجاء فريق «وعوب» في المركز الثاني فيما حل فريق «دار القيظ» في المركز الثالث. وفي مسار الشركات حصد فريق «مبين للحلول» المركز الأول، تلاه فريق «ازدارا» في المركز الثاني بينما جاء فريق «ربط» في المركز الثالث. أما في مسار البحوث والجامعات فقد أحرز فريق «التوأم الرقمي» المركز الأول، وجاء فريق «جامعة السلطان قابوس» في المركز الثاني فيما حصل فريق «محمد مهيوب» على المركز الثالث.

كما تفضل سموّه بتكريم أعضاء لجنة التحكيم التي ضمت أيمن بن أحمد الحوسني، وأشرف بن حمد المعمري، والمهندس سلطان بن علي المعمري، والمهندس زيد بن عبد الله السلماني، وخولة بنت حمود الحارثية؛ تقديرا لجهودهم في تقييم الفرق المشاركة. واختتمت مراسم التكريم بالتقاط صورة تذكارية مع صاحب السمو احتفاء بإنجازات الفرق الفائزة.

وكان ملتقى «معا نتقدم» قد اختتم أعماله اليوم في مركز عمان للمؤتمرات والمعارض بعد برنامج تضمن عقد أربع جلسات حوارية رئيسة ناقشت تجويد الخدمات الحكومية، وتعزيز الإنتاجية والتنافسية، وتمكين العمل الحر وريادة الأعمال لبناء اقتصاد وطني منتج وسوق عمل مستدام، والجلسة الحوارية المفتوحة مع صاحب السمو السيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية إضافة إلى جلسة تناولت دور الخطة الخمسية والقطاعات ذات الأولوية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام إلى جانب فعاليات المعرض المصاحب.

الجلسة النقاشية الأولى

وشهدت الجلسة الأولى من جلسات اليوم الثاني للملتقى طرحا حول تجويد الخدمات الحكومية، وأثر التحول الرقمي في رفع الكفاءة، وتعزيز التنافسية، وتحقيق رضا المستفيدين بمشاركة عدد من أصحاب المعالي والسعادة من الجهات المعنية بقطاعات الاتصالات والطاقة والمياه والاستثمار.

وأكد المشاركون أن تجويد الخدمات لم يعد خيارا مرحليا، بل يمثل ضرورة وطنية ترتبط مباشرة بمستهدفات «رؤية عمان 2040» في ظل ما تشهده المؤسسات الحكومية من توسع في تطبيقات الحكومة الرقمية، وتكامل المنصات، وتطوير بيئات العمل. وقال معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات: إن التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ترتكز على التكامل بين الجهات الحكومية، ورفع مستوى الشفافية، وتسريع الأداء مقرونة بأدوات قياس وتمكين واضحة على المستويين الفردي والمؤسسي.

وأوضح معاليه أن مؤشرات الحكومة الرقمية تظهر تحسنا مستمرا في رضا المستفيدين؛ حيث بلغ مستوى الرضا العام نحو 80 بالمائة مشيرا إلى أن استخدام الخدمات الرقمية ارتفع بنسبة 400 بالمائة منذ عام 2022 فيما تجاوزت نسبة النمو في عام 2025 وحده أكثر من 80 بالمائة. وأضاف أن ما يقارب 1540 موظفا حكوميا يعملون ضمن فرق التحول الرقمي في مختلف الجهات في إطار خطط تنفيذية تخضع للمتابعة والتقييم المستمر.

من جانبه استعرض سعادة الدكتور منصور بن طالب الهنائي رئيس هيئة تنظيم الخدمات العامة حجم الاستثمارات في القطاعات الخاضعة لتنظيم الهيئة مبينا أنها تشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي ونقل الغاز والنفايات الصلبة.

وأشار إلى أن الاستثمارات في إنتاج الكهرباء بلغت نحو 3 مليارات ريال عماني مع توجه متزايد لتنويع مصادر الطاقة؛ حيث أسندت مؤخرا محطتان لطاقة الرياح ومحطة للطاقة الشمسية إضافة إلى محطات غازية جديدة إلى جانب التوجه لإدخال إنتاج الكهرباء باستخدام الهيدروجين.

وأضاف أن الاستثمارات في شبكات نقل وتوزيع الكهرباء قاربت مليارا ونصف المليار ريال بما يضمن استيعاب السعات الإنتاجية، وإيصالها للمستهلك النهائي. وفي قطاع المياه أوضح أن استثمارات التحلية والإنتاج تبلغ نحو 350 مليون ريال فيما تصل استثمارات الشبكات إلى قرابة مليار ونصف إضافة إلى نحو 300 مليون ريال لمشروعات الصرف الصحي. أما قطاع نقل الغاز فتبلغ استثماراته حوالي 200 مليون ريال، ليصل إجمالي الاستثمارات في هذه القطاعات إلى ما بين 6 و7 مليارات ريال عماني. وقال سعادته: لأول مرة سيكون لدينا محطات إنتاج كهرباء من الهيدروجين، مبينا أن المحطات تعد خطوة جديدة نحو مستقبل الطاقة في سلطنة عمان. وأكد أن هذه المشاريع تستهدف رفع جودة الخدمات، وتحقيق رضا المستفيد، ودعم التوسع الاقتصادي إلى جانب تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل البصمة الكربونية بما ينسجم مع مستهدفات الحياد الصفري بحلول عام 2050.

بدوره أوضح سعادة الدكتور علي بن عامر الشيذاني وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات للاتصالات وتقنية المعلومات أن برنامج التحول الرقمي الحكومي حقق خلال السنوات الخمس الماضية منجزات على المستويات التشريعية والتنظيمية والتقنية.

وأشار إلى تحديث قانون المعاملات الإلكترونية، وصدور قانون السجلات الوطنية، واعتماد لائحة تنظيم التحول الرقمي إضافة إلى حزمة سياسات خاصة بالحوسبة السحابية، وتوحيد المنصات الحكومية. وبين أن عدد مشاريع التحول الرقمي بلغ نحو 1600 مشروع في 57 مؤسسة حكومية أنجز منها قرابة 75 بالمائة بمتابعة فرق متخصصة يصل عدد أعضائها إلى نحو 1500 موظف.

وأضاف أن عدد المعاملات الإلكترونية ارتفع بنسبة 77 بالمائة فيما زاد تبادل البيانات عبر منصة التكامل الحكومي بنسبة 400 بالمائة، وارتفع عدد الجهات المزودة للبيانات من 30 جهة في عام 2021 إلى 50 جهة في عام 2025، وعدد الجهات المستفيدة من 60 إلى 80 جهة. كما بلغ عدد واجهات الربط البرمجي بين المؤسسات الحكومية نحو 300 واجهة فيما وصل عدد المنصات الرقمية المقدمة للخدمات إلى 217 منصة خلال أربع سنوات.

وفي محور دعم الصادرات أوضحت سعادة ابتسام بنت أحمد الفروجي وكيلة وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار لترويج الاستثمار أن الصادرات العمانية تمثل ركيزة أساسية للتنويع الاقتصادي مبينة أن عدد الشركات التي تصدر بشكل مستمر يقارب 200 شركة مع تنامٍ ملحوظ في مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وأشارت إلى أن قيمة الصادرات غير النفطية حققت نموا إيجابيا تجاوز نصف مليار ريال عماني خلال الفترة من 2020 إلى 2025 لافتة إلى أهمية إيجاد أدوات رقمية تضمن استمرارية الترويج في ظل التحديات العالمية.

الجلسة النقاشية الثانية

وخصصت الجلسة الحوارية الثانية ضمن أعمال الملتقى لبحث ملف العمل الحر وريادة الأعمال لبناء اقتصاد وطني منتج وسوق عمل مستدام؛ حيث طرح واقع هذا القطاع في سلطنة عمان، واستعرضت التحديات والفرص المرتبطة بتطويره خلال المرحلة المقبلة.

وتطرقت الجلسة إلى أهمية ترسيخ ثقافة العمل الحر بوصفه مسارا مهنيا واعدا للشباب العماني، وتوسيع نطاق المهن الحرة إلى جانب تعزيز دور ريادة الأعمال في دعم النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، ورفع مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في السوق. وقال معالي الدكتور محاد بن سعيد باعوين وزير العمل: إن منصة «توطين» جاءت لتيسير الإجراءات وتنظيم التشغيل عبر إشراف قطاعي من خلال 18 لجنة حوكمة تمثل مختلف الأنشطة الاقتصادية. وبين معاليه أن هذه اللجان يترأسها وكلاء الوزارات المختصة، وتضم في عضويتها ممثلين من غرفة تجارة وصناعة عمان، والاتحاد العام لعمال سلطنة عمان، ووزارة العمل، وبرنامج التشغيل إضافة إلى خبراء من القطاعات المعنية. وأضاف أن عدد الشركات المسجلة في المنصة ارتفع بصورة متسارعة من ألف شركة في العام الأول إلى 2500 شركة، ليقترب حاليا من أربعة آلاف شركة مع توقعات بمواصلة الارتفاع.

وأشار معاليه إلى أن الفرص الوظيفية تطرح للعمانيين أولا، ثم تمر عبر لجان الحوكمة قبل استكمال إجراءاتها لدى وزارة العمل لافتا إلى أن المنظومة تشهد تطويرا مستمرا في الربط التقني وتكامل الإجراءات بما يسرع عملية التوظيف.

من جانبه استعرض سعادة خالد بن سالم الغماري وكيل وزارة العمل للعمل تطورات تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة موضحا أنه تم في عام 2020 توظيف 1200 شخص في القطاع الخاص، ليرتفع العدد الإجمالي إلى نحو 2500 موظف فيما يقترب عدد الموظفين منهم في القطاع الحكومي من ألفي موظف. ولفت سعادته إلى أن هذه النتائج تحققت بفضل الشراكة مع القطاع الخاص، والزيارات الميدانية التي نفذتها فرق التفتيش للتحقق من جاهزية بيئات العمل، الأمر الذي انعكس على نمو فرص التوظيف خلال فترة قصيرة. وأوضح أن الوزارة ستطرح خلال الأسابيع المقبلة قرابة 100 وظيفة حكومية مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة يتنافسون عليها فيما بينهم.

وفي جانب تنمية الصادرات ناقشت الجلسة الدور الذي تؤديه منصة «صادرات عمان» في توفير معلومات الأسواق والفرص إلى جانب متابعة التحديات عبر مركز اتصال متخصص فضلا عن المساعد الذكي «نبراس» الذي تعامل مع نحو ألفي استفسار منذ إطلاقه. كما توفر المنصة غرفا افتراضية للتشبيك؛ حيث سجلت 451 شركة من داخل سلطنة عمان وخارجها، وأسهمت في إتمام صفقتين تجاريتين فيما تواصل تسع صفقات أخرى مراحل التفاوض مع شركاء دوليين. واختتمت أعمال الملتقى بعقد جلسة مسائية مغلقة خصصت لمناقشة دور الخطة الخمسية والقطاعات ذات الأولوية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الاستثمارات فی التحول الرقمی سلطنة عمان ریال عمانی ملیار ریال صاحب السمو فی المرکز إضافة إلى معا نتقدم إلى جانب وأضاف أن إلى نحو فی عام إلى أن أن عدد

إقرأ أيضاً:

ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح

خلصت ورقة علمية جديدة أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال السنوات المقبلة ليس امتلاك إيران للسلاح النووي بصورة معلنة، ولا تفكيك برنامجها النووي، وإنما استمرارها في موقع "دولة العتبة النووية" القادرة على إنتاج القنبلة خلال فترة زمنية قصيرة إذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك.

الورقة التي أعدها خبير الدراسات المستقبلية الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي تقدم مقاربة استشرافية شاملة لأحد أكثر الملفات الاستراتيجية تعقيداً في الشرق الأوسط، عبر الجمع بين التحليل التاريخي والتقني والسياسي، وبناء سيناريوهات مستقبلية تستشرف مسار البرنامج النووي الإيراني حتى عام 2030.

النووي الإيراني في سياق الانتشار النووي العالمي

تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية تتمثل في أن النظام النووي العالمي شهد استقراراً نسبياً خلال العقود الأخيرة، إذ لم تنضم أي دولة جديدة إلى النادي النووي منذ إعلان كوريا الشمالية امتلاك السلاح النووي عام 2006. وبذلك بقي عدد الدول النووية عند تسع دول فقط هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية و"إسرائيل".

غير أن هذا الاستقرار لا يعني تراجع المخاطر المرتبطة بالانتشار النووي، إذ تشير الورقة إلى أن التوسع العالمي في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية يفتح المجال أمام احتمالات التحول التدريجي نحو الاستخدامات العسكرية لدى بعض الدول التي تمتلك البنية التقنية المناسبة وتشعر في الوقت نفسه بتهديدات أمنية متزايدة.

وفي هذا السياق تبرز إيران باعتبارها إحدى أكثر الحالات تعبيراً عن هذا التداخل بين الاستخدام السلمي والقدرة الكامنة على التحول العسكري، وهو ما يجعلها محوراً دائماً للتجاذبات الإقليمية والدولية.

من "الذرة من أجل السلام" إلى صراع الإرادات

وتستعرض الدراسة المسار التاريخي للبرنامج النووي الإيراني، موضحة أن بداياته تعود إلى مرحلة الشاه محمد رضا بهلوي، عندما حظي المشروع بدعم أمريكي مباشر في إطار برنامج "الذرة من أجل السلام" الذي أطلقته واشنطن خلال الحرب الباردة.

لكن الثورة الإسلامية عام 1979 أحدثت تحولاً جذرياً في النظرة الأمريكية إلى البرنامج، لينتقل من مشروع يحظى بالدعم الغربي إلى ملف يُنظر إليه بوصفه تهديداً محتملاً للأمن الإقليمي والدولي.

وتتوقف الورقة عند محطات مفصلية عديدة، من بينها الكشف عن منشآت نطنز وأراك مطلع الألفية الحالية، وما تبع ذلك من عقوبات دولية وضغوط سياسية متصاعدة، وصولاً إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ثم انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018، وهو القرار الذي فتح الباب أمام تسارع عمليات التخصيب الإيرانية وتراجع القيود المفروضة على البرنامج.

إخفاق نبوءات "القنبلة الوشيكة"

ومن أبرز النقاط التي تتناولها الدراسة نقدها للتقديرات السياسية والإعلامية المتعلقة بالملف النووي الإيراني، وخاصة تلك التي روّجت باستمرار لفكرة أن طهران أصبحت على بعد أشهر أو أسابيع من إنتاج قنبلة نووية.

وتشير الورقة إلى أن التحذيرات المتكررة التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال العقود الثلاثة الماضية بشأن قرب امتلاك إيران للسلاح النووي لم تتحقق، رغم تكرارها في مناسبات عديدة وعلى امتداد سنوات طويلة.

وترى الدراسة أن هذا السجل من التنبؤات غير المتحققة يدعو إلى التعامل بحذر مع الخطاب السياسي المرتبط بالملف النووي، والتمييز بين التقديرات العلمية المبنية على مؤشرات موضوعية وبين الرسائل الدعائية المرتبطة بالصراعات السياسية والاستراتيجية.

أربعة سيناريوهات لمستقبل البرنامج

اعتمد الباحث في بناء رؤيته المستقبلية على أربعة سيناريوهات رئيسية يمكن أن يتخذها البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات القادمة.

السيناريو الأول يتمثل في تفكيك البرنامج النووي أو تقليصه بصورة جوهرية، سواء نتيجة ضغوط خارجية أو تفاهمات سياسية شاملة. إلا أن الدراسة تعتبر هذا الاحتمال الأضعف بين جميع السيناريوهات المطروحة، إذ تقدر فرص تحققه بما يتراوح بين 5 و10 بالمئة فقط.

ويستند هذا التقدير إلى حجم الاستثمارات السياسية والاقتصادية والعلمية التي ضختها إيران في مشروعها النووي على مدى عقود، فضلاً عن ارتباط البرنامج بمفاهيم السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي في الخطاب الرسمي الإيراني.

أما السيناريو الثاني، والأكثر ترجيحاً، فيتمثل في استمرار إيران كـ"دولة عتبة نووية"، أي دولة تمتلك المعرفة والخبرة والبنية التحتية والمواد الانشطارية اللازمة لإنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة، لكنها تتجنب اتخاذ القرار السياسي النهائي بإعلان امتلاك القنبلة.

وتمنح الدراسة هذا السيناريو احتمالاً يتراوح بين 60 و65 بالمئة، معتبرة أنه يحقق لإيران معادلة دقيقة تجمع بين الردع الاستراتيجي وتجنب التبعات السياسية والقانونية المترتبة على التحول إلى قوة نووية معلنة.

السيناريو الثالث يتمثل في انتقال إيران إلى مرحلة إنتاج السلاح النووي وإعلانه رسمياً، وهو احتمال تقدر الدراسة فرصه بما بين 35 و40 بالمئة.

وتربط الورقة تحقق هذا السيناريو بجملة من المتغيرات، أبرزها تصاعد التهديدات العسكرية الخارجية، أو انهيار كامل لمسارات التفاوض، أو صعود التيارات الأكثر تشدداً داخل النظام الإيراني، إلى جانب تنامي نفوذ الحرس الثوري في عملية صنع القرار الاستراتيجي.

أما السيناريو الرابع فهو ما يعرف في أدبيات الدراسات المستقبلية بـ"البجعة السوداء"، أي وقوع أحداث استثنائية غير متوقعة وعالية التأثير يمكن أن تقلب المعادلات القائمة بصورة جذرية، سواء داخل إيران أو على مستوى البيئة الإقليمية والدولية.

بين الردع والغموض

وتتوقف الدراسة عند أحد النماذج الأمريكية المستخدمة في قياس مستوى التهديد الإيراني، وهو ما يعرف بـ"عداد غايغر للتهديد الإيراني"، الذي يمنح إيران 157 نقطة من أصل 180 نقطة، بما يعادل 87.2 بالمئة من مستوى التهديد الأقصى.

غير أن الباحث يحذر من التعامل مع هذه النماذج بوصفها أدوات قياس دقيقة بصورة مطلقة، مشيراً إلى أن كثيراً من المؤشرات المستخدمة فيها تعتمد على تقديرات سياسية واستخبارية قد تتأثر بالتحيزات المؤسسية أو بالتصورات المسبقة لصانعي القرار.

ومن هنا ترى الورقة أن فهم السلوك النووي الإيراني لا يمكن أن يعتمد على المؤشرات التقنية وحدها، بل يتطلب قراءة أوسع تشمل البيئة الأمنية المحيطة بإيران، وحسابات الردع، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية.

العوامل الحاسمة حتى 2030

في محصلتها النهائية، ترجح الدراسة استمرار إيران في انتهاج سياسة الغموض النووي المدروس، بحيث تحتفظ بإمكانية الانتقال السريع نحو إنتاج السلاح النووي دون أن تقدم على هذه الخطوة فعلياً.

وتؤكد أن القرار النهائي لن يتحدد بناء على التطورات التقنية فقط، بل سيتأثر بمجموعة واسعة من المتغيرات السياسية والاستراتيجية، تشمل مستقبل النظام الإيراني نفسه، وطبيعة الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، ومواقف القوى الكبرى، ومستوى التصعيد مع "إسرائيل" والقوى الإقليمية المنافسة.

وبناء على ذلك، يبدو أن المشهد الأكثر احتمالاً حتى عام 2030 ليس ظهور قوة نووية جديدة بصورة رسمية، ولا تراجع إيران عن مشروعها النووي، وإنما استمرارها في المنطقة الرمادية بين السلمية والعسكرية؛ أي عند "العتبة النووية"، حيث يتحول الغموض ذاته إلى أداة ردع استراتيجية، وربما إلى أحد أهم عناصر القوة الإيرانية في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي
  • ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • بعد جلسة مع سيد عبد الحفيظ.. حسين الشحات يؤجل حسم تجديد عقده مع الأهلي
  • أمين البحوث الإسلامية يوجه برفع كفاءة الأداء وربط الخطط بمؤشرات قياس دقيقة
  • رئيس جامعة المنوفية: التميز المؤسسي ركيزة أساسية للتنمية
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • أمين سر إسكان الشيوخ: العلاقات المصرية الصينية تدخل مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والتنموي
  • محافظ الغربية يتفقد مصنع تدوير ومعالجة المخلفات بالمحلة الكبرى
  • «الغرف العربية»: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مفتاح التمكين الاقتصادي