اختتم ملتقى «معا نتقدم» أمس يومين من الحوارات والنقاشات التي دارت بين الشباب وبين مجموعة من المسؤولين الحكوميين في مقدمتهم صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. ولقي الملتقى متابعة كبيرة سواء بالحضور المباشر من مختلف قطاعات المجتمع أو عبر المتابعة الإعلامية. وشغل الملتقى على مدى يومين المجتمع العماني، والصحافة العمانية، وتم تداول مقتطفاته على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير جدا.
القيمة الكبيرة للملتقى كانت في أن يجلس مسؤولون كبار في الحكومة في مواجهة أسئلة الشباب، بلا حواجز لفظية ولا بروتوكولية. كان شكل الحوار أقرب إلى غرفة وطنية مفتوحة منه إلى ملتقى رسمي. ولذلك من يراجع الأسئلة ولغة طرحها العفوية يستطيع أن يعرف أنها جاءت من عمق الحياة وما فيها من معاناة وتحديات وفشل ونجاح، أسئلة حول الحياة المعيشية للمواطن في سياقها اليومي أو في سياقها المتجدد، حول الاقتصاد وما يصاحبه من تعقيدات، وحول فرص العمل. أما الإجابات فلم تكن جاهزة أو معلبة. كان في مجملها تتصف بمحاولة جادة للفهم والشرح والتوازن بين الممكن والمأمول.
ثمة قيمة أخرى جديرة بالطرح وهي أن الملتقى، وما شابهه من مناسبات حوارية، استطاع تفكيك صورة نمطية تشكلت عبر السنوات البعيدة تقول إن المسؤول الحكومي كائن من عالم آخر، وأنه ينتمي إلى طبقة منفصلة عن المجتمع. وهذه الفكرة تتغذى من المسافة أكثر مما تتغذى من الواقع. ملتقى «معا نتقدم» فكك هذه الصورة وكشف أن المسؤول الحكومي فرد من المجتمع خرج منه، وأنه يتحدث لغة يفهمها المواطن، وتملك في الكثير من الأحيان القدرة على إقناعه. وأكبر من ذلك تملك دفقة إنسانية وعاطفية وليست لغة خشبية لا حس فيها ولا مشاعر.
وفي الجلسة الختامية التي أدارها صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية بنفسه وإلى جواره مجموعة من الوزراء المعنيين بالشأن الاقتصادي حملت معنى يتجاوز تفاصيل الجلسة وما دار فيها. كانت الجلسة تعكس الطريقة التي يدار بها الحكم في عُمان. الحوار والإنصات والبحث من أجل الفهم الدقيق إضافة إلى قواعد الاحترام والتقدير.. وكل هذا في سياق إنساني يحترم إنسانية الإنسان. كان سموه وهو يدير الجلسة يصغي باهتمام كبير لكل سؤال كما هو، ويتفاعل مع جميع المداخلات في سياقها البعيد عن التعقيد كما هي في نقاشات المجتمع اليومية بدون تكلف من السائل وبدون استغراب من القيادة التي وجه لها السؤال.
وقد خرج الشباب من الجلسة ببناء صورة ستبقى راسخة عن تواضع سموه وقدرته على الإنصات وسرعة بديهته في التعاطي مع المداخلات وتفهمه للاعتراضات، وإحساسه بأن الاقتصاد ليس ملفا معزولا عن حياة الناس اليومية.
أما المسافة، إن وجدت، فهي ليست قدرا لا يمكن كسره. وليس صحيحا أن الأجيال الجديدة محكومة بأن ترى الدولة ككتلة بعيدة. وقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، في أكثر من مناسبة أهمية اللقاءات التي تكسر الحواجز بين المواطن والمسؤول، وقد مارس جلالته هذه الاستراتيجية وما زال.
لكن علينا أن نكون صريحين، فالحوار وحده لا يكفي، كما أن الصور لا تحل مشاكل المجتمع ولا تقنعه. قيمة هذه التجربة التي صنعها ملتقى «معاً نتقدم» أنها ترسم طريقا عمليا تصبح فيه اللقاءات والمساحات الحوارية نهجا منتظما لا يمكن تجاوزه. وأن يكون هناك تجاوب بين المسؤول والموطن حول مختلف أسئلته حتى لو كانت الإجابة «لا نستطيع الآن» مع تفسير يحترم عقل المواطن إلى حد الإقناع.
وحين يشعر الشاب أن صوته مسموع، وأنه شريك في عملية البناء ترتفع لديه المسؤولية. وعندما يرى المسؤول عن قرب، يسقط وهم «الكوكب الآخر» أو «الطبقة المخملية». وهذه الاستراتيجية ليست مسألة علاقات عامة.. إنها مسألة ثقة والثقة، في النهاية، هي البنية الأساسية غير المرئية لأي إدارة ولأي مواطنة ولأي مستقبل.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
خطة أمريكية جديدة لاحتواء التصعيد.. هل تنجح مبادرة وقف النار بين لبنان وإسرائيل؟
في ظل المساعي الدولية المتواصلة لاحتواء التوتر المتصاعد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، تكثف الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية أملا في التوصل إلى تفاهمات تفتح الباب أمام تهدئة ميدانية وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وكشف موقع "أكسيوس"، نقلا عن مسؤول أمريكي، أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أجرى خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية سلسلة اتصالات مع الرئيس اللبناني جوزيضضف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وذلك في إطار تحرك أمريكي يهدف إلى دفع مبادرة جديدة لوقف إطلاق النار وخفض حدة التوتر بين الجانبين.
وبحسب المسؤول الأمريكي، فإن المبادرة المطروحة تأتي ضمن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، وتستند إلى خطة تدريجية تبدأ بقيام حزب الله بوقف جميع الهجمات التي يشنها ضد إسرائيل، على أن يقابل ذلك التزام إسرائيلي بعدم توسيع نطاق العمليات العسكرية أو تنفيذ ضربات إضافية في العاصمة اللبنانية بيروت.
وأوضح المسؤول أن المقترح الأمريكي يقوم على مبدأ التهدئة المتبادلة والخطوات المتدرجة، معتبرا أن تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة يمكن أن يمهد الطريق نحو خفض ملموس للتوترات العسكرية، وصولا إلى وقف فعلي للأعمال العدائية بين الطرفين إذا ما التزم الجانبان ببنود التفاهمات المطروحة.
وأشار إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون حاول الدفع بالمقترح الأمريكي والعمل على بلورة تفاهم سياسي حوله، في إطار المساعي الرامية إلى تجنب المزيد من التصعيد، إلا أن الموقف الذي صدر عن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لم يحقق، بحسب وصف المسؤول الأمريكي، النتائج التي كانت واشنطن تأملها.
وأضاف أن نبيه بري أكد خلال المناقشات أنه قادر على ضمان التزام حزب الله بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن تبادر إسرائيل أولا إلى وقف عملياتها العسكرية، وهو ما اعتبره المسؤول الأمريكي موقفا لا يسهم في دفع جهود التهدئة بالسرعة المطلوبة.
وفي سياق حديثه، وجه المسؤول الأمريكي انتقادات حادة إلى حزب الله، متهما إياه بالتحرك وفقا للتوجهات الإيرانية أكثر من مراعاة المصالح اللبنانية الداخلية، كما زعم أن طهران تسعى إلى إطالة أمد الأزمة الحالية بهدف تعزيز نفوذها السياسي والإقليمي، والظهور لاحقا باعتبارها طرفا رئيسيا ساهم في التوصل إلى حلول أو احتواء التصعيد.
وأكد المسؤول أن الإدارة الأمريكية لا ترى إمكانية لاستمرار إسرائيل في تحمل الهجمات التي تتعرض لها دون رد، مشددا على أن الطريق الأسرع نحو خفض التصعيد وحماية المدنيين على جانبي الحدود يتمثل في التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، بما يهيئ الأجواء أمام استكمال المسار الدبلوماسي ومنع تفاقم الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إن المبادرة الأمريكية الرامية إلى تهدئة التوتر بين لبنان وإسرائيل لا تزال في مراحلها الأولى، وسط تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الجانبين وتهيئة الأجواء أمام مسار تفاوضي قد يسهم في خفض التصعيد القائم.
وأضاف فهمي- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "لا تزال المبادرة الأمريكية الرامية إلى تهدئة التوتر بين لبنان وإسرائيل في مراحلها الأولى، وسط تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الجانبين وتهيئة الأجواء أمام مسار تفاوضي قد يسهم في خفض التصعيد القائم".
وأشار فهمي، إلى أن المقترحات المطروحة من جانب وزارة الخارجية الأمريكية تتضمن خطة تدريجية تقوم على وقف حزب الله عملياته وتحركاته العسكرية ضد إسرائيل بشكل متدرج، على أن يقابل ذلك التزام إسرائيلي بخفض التصعيد العسكري ووقف العمليات التي تستهدف بيروت ومناطق أخرى بصورة تدريجية ومتوازية.
وتابع: "إلا أن هذا المسار يواجه تحديات مرتبطة بالوضع السياسي الداخلي في لبنان، خاصة في ظل تعدد مراكز القرار وتأثير الرئاسات الثلاث على آلية اتخاذ المواقف المتعلقة بالملفات الأمنية والسياسية الحساسة".
وأردف: " أكد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أنه قادر على ضمان التزام حزب الله بوقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن نجاح أي اتفاق يتطلب في المقابل التزاما إسرائيليا واضحا ومماثلا بوقف العمليات العسكرية وعدم خرق التفاهمات المحتملة".
وأكمل: "وينظر إلى التحرك الأمريكي باعتباره خطوة بالغة الأهمية في هذه المرحلة، لا سيما مع الاستعداد لعقد لقاءات بين مسؤولين من لبنان وإسرائيل في واشنطن يومي الثلاثاء والأربعاء، حيث من المتوقع استكمال المباحثات المتعلقة بالترتيبات الدفاعية والأمنية ومناقشة آليات تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية".
واختتم: "ورغم وجود مؤشرات على محاولات جادة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، فإن المفاوضات لا تزال في بدايتها وتحتاج إلى إجراءات لبناء الثقة وضمانات أمريكية تدعم فرص نجاحها، كما أن مسار التفاوض قد يتأثر بتطورات إقليمية أوسع، من بينها الملف الإيراني، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مدى قدرة المبادرة الأمريكية على تحقيق تقدم ملموس على الأرض".
والجدير بالذكر، أن هذه الجهود تأتي في وقت تشهد فيه الجبهة اللبنانية حالة من التصعيد المتبادل، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات أي توسع محتمل للصراع على الاستقرار الإقليمي.