#التعليم_المرن: بوابة الأردن إلى تكامل المسارات وبناء إنسان المستقبل

الأستاذ #الدكتور_أمجد_الفاهوم

يواجه العالم اليوم تحوّلات متسارعة أعادت تشكيل مفهوم العمل والمعرفة، ولم يعد التعليم التقليدي القائم على مسارات مغلقة ومراحل ثابتة قادرًا على مواكبة متطلبات الاقتصاد الرقمي وسوق العمل المتحوّل. ومن هنا، يبرز التعليم المرن والمتدرّج خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لبناء أجيال قادرة على التكيّف، والإبداع، والتعلّم المستمر، وهو ما أكّده المؤتمر التربوي الدولي الذي عُقد تحت عنوان «تكامل التعليم الأكاديمي والمهني والتقني».

ينتقل المؤتمر من تشخيص الواقع إلى طرح الحلول، إذ يضع على طاولة النقاش قضية محورية تتمثّل في كسر الحواجز التقليدية بين المسارات التعليمية، وربط المعرفة النظرية بالمهارات التطبيقية، وتعزيز قابلية الخريجين للاندماج في سوق عمل سريع التغيّر. وقد تمحورت جلساته حول قضايا رئيسة، أبرزها: مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد الوطني، والتحوّل نحو التعليم القائم على الكفايات، ودمج التعليم المهني والتقني ضمن المنظومة الوطنية، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وتوظيف التحوّل الرقمي في تصميم برامج تعليمية مرنة.

مقالات ذات صلة عمّان الأهلية تختتم الحملة الشتوية “أمل ودفء” في محافظة البلقاء 2026/02/10

ويتّسق هذا الطرح مع التأكيد على أن تكامل المسارات التعليمية يشكّل أداة استراتيجية لتمكين الشباب الأردني، ويمنحهم فرصًا حقيقية للتنقّل بين التعليم الأكاديمي والمهني والتقني دون عوائق بيروقراطية أو اجتماعية. فالتعليم لم يعد محطة نهائية، بل مسارًا مفتوحًا ومتدرّجًا، يسمح للدارس أن يبدأ من أي مستوى، وأن يراكم خبراته ومعارفه، وأن يعيد توجيه مساره كلما اقتضت ظروف الحياة وتحدّياتها.

وتتبلور توصيات المؤتمر في الدعوة إلى تبنّي نموذج وطني للتعليم المرن يقوم على مسارات متداخلة وآفاق مفتوحة، مع اعتماد نظام للاعتراف بالتعلّم المسبق والخبرات العملية، وتطوير أطر تشريعية تضمن الانتقال السلس بين المستويات والقطاعات التعليمية. كما يشدّد على أهمية بناء شراكات فاعلة مع سوق العمل، وتوسيع برامج التدريب العملي، وتحديث المناهج بما يعكس مهارات القرن الحادي والعشرين، وفي مقدّمتها المهارات الرقمية، وريادة الأعمال، والتعلّم الذاتي.

ويأتي الأردن اليوم بخطوات جادّة في هذا الاتجاه من خلال الإطار الوطني للمؤهلات الذي يربط المستويات التعليمية بالكفايات، ومن خلال برنامج «البيتك» الذي يجسّد توجّهًا عمليًا نحو التعليم التطبيقي والتقني. غير أنّ هذه المبادرات تحتاج إلى استكمالها بمنظومة تشريعية مرنة، وجاهزية مؤسسية حقيقية، ووعي مجتمعي يعيد الاعتبار للتعليم المهني والتقني بوصفه خيارًا نوعيًا لا بديلًا اضطراريًا.

وتتحمّل الجامعات مسؤولية محورية في قيادة هذا التحوّل، عبر إعادة تصميم برامجها وفق منطق التراكم والتدرّج، وتوفير مسارات مرنة تتيح للطلبة الانتقال بين التخصّصات، والعودة إلى التعليم في مراحل لاحقة من حياتهم المهنية. كما يتطلّب ذلك تطوير أنظمة تقييم تعتمد الكفايات لا الزمن، وبناء بيئات تعليمية رقمية داعمة للتعلّم مدى الحياة.

ويخلص المقال إلى أن التعليم المرن والمتدرّج ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية لبناء اقتصاد معرفة قائم على الإنسان، وطريقًا نحو خريج لا يحمل شهادة فحسب، بل يمتلك مهارات متجدّدة، ورؤية مفتوحة، وقدرة على صناعة مستقبله في عالم لا يعترف إلا بالمرونة والابتكار.

المصدر

المصدر: سواليف

إقرأ أيضاً:

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة

يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإمام علي والوصاية على الأمة

المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.

شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى

من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.

مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم

لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات

إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.

 

مدرسة في العدل والإنصاف

يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.

دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام

إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.

ختاما ..

يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله

مقالات مشابهة

  • «متحدث الأوقاف»: إحياء القاهرة التاريخية يجسد تكامل مؤسسات الدولة للحفاظ على الهوية المصرية
  • وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر
  • البابا لاوون يخصص نية صلاة شهر قلب يسوع الأقدس من أجل الرياضة
  • رابط نتيجة الأول والثاني الإعدادي الترم الثاني 2026 بالمحافظات عبر بوابة التعليم الأساسي
  • رابط نتيجة الشهادة الابتدائية الأزهرية 2026 برقم الجلوس عبر بوابة الأزهر
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • رابط نتيجة الصف الأول الإعدادي الترم الثاني 2026 بالمحافظات عبر بوابة التعليم الأساسي
  • الصين تعلن نجاح أول عملية زرع كبد وكليتي خنزير معا في جسم إنسان
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • أورنج الأردن تُنفذ مجموعة من المبادرات في اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية