كاتبة بريطانية: ازدراء متشابه يربط جيفري إبستين بحكومة كير ستارمر
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية مقالا للمعلقة نسرين مالك، ربطت فيه بين رسائل جيفري إبستين وفضيحة تعيين بيتر ماندلسون، معتبرة أن القاسم المشترك بينهما هو ازدراء متجذر للنساء والفتيات، وللقانون، وللرأي العام، في مقابل هوس مطلق بالسلطة والنفوذ.
وتقول مالك إن الرأي العام اعتاد سماع توصيف رئيس الوزراء بأنه رجلا "نزيها"، غير أن قراره تعيين بيتر ماندلسون كشف، برأيها، تفضيلا واضحا للمصلحة السياسية على إنصاف ضحايا الاتجار بالبشر، فالقضية، لا تتعلق بسوء تقدير عابر، بل بسلسلة متصلة من الازدراء تبدأ من إبستين ولا تنتهي عند مؤسسات السياسة.
وترى الكاتبة أن الازدراء في هذه المنظومة ليس عرضا جانبيا للسلطة، بل غايتها ذاتها، فاستغلال النساء والفتيات والاتجار بهن وتشييئهن، يمثل في هذا السياق قمة القوة لمن يملكون المال والنفوذ والوجاهة الاجتماعية، كما أن إخضاع إنسان آخر للرغبات الشخصية وتحطيم كرامته، هو إعلان عضوية في ناد مغلق لمن يرون أنفسهم فوق القانون.
وتشير مالك إلى أن رسائل إبستين الإلكترونية تكشف بوضوح هذا المنطق، حيث تُستخدم كراهية النساء كأداة استعراض للنفوذ، فالإشارات الفجة إلى أجساد النساء، ووصفهن بألفاظ مختزلة ومهينة، ليست مجرد لغة منحطة، بل شيفرة متعمدة للتفاخر بالانتماء إلى دائرة حصرية من أصحاب القوة.
وتؤكد أن ما سمح باستمرار هذه الممارسات هو مناخ أوسع من الإفلات من العقاب، حيث لم تمنع إدانة إبستين من احتفاظه بعلاقاته، ولم تمنع مقربيه من تولي مناصب رفيعة، من بينها منصب سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة.
وتلفت إلى أن المتورطين لجؤوا لاحقا إلى أعذار متشابهة: الجهل، أو الخداع، أو عدم إدراك حجم الفضيحة، فيما صدق بعضهم روايات مجرم مدان، وصدق آخرون تبريرات رجل أجبر سابقا على الاستقالة مرتين من الحكومة، لكنه واصل علاقته بإبستين حتى بعد إدانته.
وبعد انكشاف الوقائع، يظهر الندم، بحسب الكاتبة لكنه ندم ناقص، فقول مورغان ماكسويني في رسالة استقالته من رئاسة ديوان كير ستارمر إن "قرار تعيين بيتر ماندلسون كان خاطئا"، يوحي بأن الأمر مجرد زلة تقدير. بينما ترى مالك أن ما يندم عليه هؤلاء حقًا ليس القرار بحد ذاته، بل عدم إدراكهم أن إساءة معاملة النساء والفتيات ستُؤخذ هذه المرة على محمل الجد.
وتشير الكاتبة إلى أن عالم الفساد تحكمه قواعده الخاصة، ومعاييره المنفصلة عن المجتمع.
وتلاحظ تشابها واضحا بين طريقة عمل إبستين وماندلسون، بوصفهما وسطاء محاباة وميسرين للشبكات المغلقة والعلاقات القبلية والتواطؤ الأخوي، وفي هذا العالم، لا تعد الخطيئة في الفعل نفسه، بل في الإخلال بتوازن المصالح وعدم رد الجميل، وهو ما يظهر في رسالة إبستين التي اتهم فيها ماندلسون بالأخذ دون العطاء.
وترى مالك أن الضحايا، سواء كن من النساء أو القانون أو الرأي العام، ينظر إليهم في هذه المنظومة كعناصر بعيدة أو حتى معادية، يجب عزلها عن شبكة السلطة المتبادلة. ومن هذا المنظور، يصبح تعيين ماندلسون في الحكومة البريطانية حلقة طبيعية في نظام مصمم للالتفاف على القواعد وحماية أعضائه عبر التعزيز المتبادل.
وتؤكد أن القرار لم يكن يهدف فعليًا إلى ضمان وجود شخصية موثوقة في واشنطن، بل إلى توظيف رجل بارع في نسج العلاقات وتبادل المصالح وتعزيز دائرة مغلقة من النفوذ، مستفيدا من قدرته على التحرك بين الأوساط المؤثرة دون حرج أخلاقي.
وتلفت إلى أن الأوصاف التي لاحقت ماندلسون مثل "أمير الظلام" و"سيد الفنون المظلمة" لم تكن انتقاصًا منه، بل شكلًا من أشكال الإعجاب الإعلامي والسياسي بقدرته على استخدام أي وسيلة لتحقيق أهدافه.
وفي هذا السياق، ترى مالك أن حزب العمال، المعروف بتشديده على ملاحقة المعارضين الداخليين وتصفية المرشحين، وجد في هذا النمط من الشخصيات عنصرًا مناسبًا لثقافة تعتبر احتكار السلطة غاية وضرورة في آن واحد.
وتخلص الكاتبة إلى أن تعيين ماندلسون، رغم التساؤلات العلنية والخاصة، عكس إصرارا على ازدراء من هم خارج الدائرة الضيقة، وترسيخ فكرة أن القيادة تملك الحق في التصرف وفق مصالحها السياسية، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية.
ويشير المقال إلى كير ستارمر نفسه، الذي يقدّم باعتباره رجلا نزيها ومتعاطفا مع الضحايا، لكنه اتخذ قرارا واعيا بالتقليل من شأن علاقات ماندلسون بإبستين.
وترى أن تبرير هذا القرار بالبراغماتية السياسية يوحي بأن الأخلاق البديهية لا مكان لها في عالم السياسة المعقّد، وهو طرح ترفضه الكاتبة، مؤكدة أن بعض القضايا الأخلاقية واضحة ولا تحتمل الالتباس، فقرار ستارمر قد يُوصَف بأنه قصير النظر أو غير حكيم، لكنه لا يمكن وصفه بأنه غير محسوب، لأن قيمة ماندلسون السياسية كانت، عمليًا، أعلى من علاقته بأشهر متحرش جنسي بالأطفال في العالم، وبالتالي أعلى من قيمة الضحايا أنفسهن.
وتختم مالك بأن دائرة معارف إبستين ضمت أشخاصًا لم يجدوا في الارتباط به سببا كافيا للتخلي عن الامتيازات التي يوفرها، وأن الحديث عن أخلاق مجردة يفصل الفعل عن النية والشخصية هو تضليل.
وترى أن ما يجري اليوم من محاولات احتواء للأزمة لا يمحو بشاعتها المنتشرة في ملايين الوثائق، ولا الكلمات الفجة، ولا الضحايا الصغار، ومع أن المساءلة جاءت متأخرة، فهي أفضل من غيابها، لكنها تظل ناقصة ما لم تُرافقها محاسبة أوسع للانفصال العميق بين المبادئ والسياسة، ذلك الانفصال الذي غذاه ولاء مزمن لـ"الكبار" وإعجاب أعمى بقسوتهم في السعي إلى السلطة، وهو الحصاد المر لهذه المنظومة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية بريطانيا الولايات المتحدة واشنطن بريطانيا الولايات المتحدة واشنطن ابستين صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة صحافة صحافة تغطيات سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی هذا إلى أن
إقرأ أيضاً:
ستارمر يهاجم إرث المحافظين السكني ويعلن أكبر استثمار حكومي لبناء المنازل
تعهد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعية والميسّرة في بريطانيا منذ عقود، متعهدا بمعالجة ما وصفه بـ"الأزمة السكنية العميقة" التي خلفتها سنوات حكم حزب المحافظين.
وفي مقال نشره الاثنين، في صحيفة "الغارديان" أكد ستارمر أن حكومته ستضخ استثمارات قياسية بقيمة 39 مليار جنيه إسترليني في قطاع الإسكان الاجتماعي والميسر، ضمن خطة واسعة لإعادة تمكين السلطات المحلية من بناء المساكن وتخفيف الضغوط المتزايدة على ملايين الأسر البريطانية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني إن المسكن ليس مجرد سقف يؤوي العائلات، بل يمثل "الأمان والاستقرار والأمل بمستقبل أفضل"، منتقدا ما اعتبره إخفاقا متراكما للحكومات المحافظة في معالجة أزمة السكن التي دفعت آلاف الأسر والأطفال إلى العيش في مساكن مؤقتة أو البقاء سنوات طويلة على قوائم الانتظار.
وأشار ستارمر إلى أن حكومته حققت خلال العام المالي 2024 ـ 2025 أعلى معدل لبناء المساكن البلدية في إنجلترا منذ نحو 40 عاما، حيث تم إنشاء أكثر من 10 آلاف منزل تابع للسلطات المحلية، إضافة إلى توفير نحو 65 ألف وحدة سكنية ميسّرة، من بينها أكثر من 12 ألف منزل للإيجار الاجتماعي، وهو أعلى رقم يسجل منذ أكثر من عقد.
وأكد أن حكومته تستهدف بناء 1.5 مليون منزل جديد خلال الدورة البرلمانية الحالية، معتبرا أن امتلاك المواطنين لمنازلهم الخاصة يمثل "أعلى درجات الأمان والاستقرار"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الإسكان الاجتماعي يظل ضرورة لا غنى عنها لملايين الأسر محدودة الدخل.
وتأتي تصريحات ستارمر في وقت تواجه فيه بريطانيا أزمة سكن متفاقمة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى وجود نحو 1.3 مليون أسرة على قوائم انتظار الإسكان الاجتماعي في إنجلترا، بينما يعيش أكثر من 175 ألف طفل في مساكن مؤقتة.
وانتقد رئيس الوزراء سياسة "الحق في الشراء" التي سمحت منذ ثمانينيات القرن الماضي ببيع أكثر من مليوني منزل اجتماعي للمستأجرين بأسعار مخفضة، معتبرا أنها أسهمت في استنزاف المخزون السكني العام دون تعويضه بمشروعات جديدة كافية.
وأوضح أن حكومته تعتزم تشديد شروط الاستفادة من هذه السياسة عبر رفع مدة الأهلية المطلوبة من عدة سنوات إلى عشر سنوات، إضافة إلى تقليص الخصومات الكبيرة التي كانت تمنح للمشترين، والتي بلغت في بعض الحالات أكثر من 136 ألف جنيه إسترليني في لندن.
كما أعلن أن المساكن الاجتماعية الجديدة ستُستثنى من نظام البيع لمدة 35 عاما، بهدف حماية المخزون السكني العام ومنع استمراره في التراجع.
وفي جانب آخر من الإصلاحات، كشف ستارمر عن إجراءات جديدة لحماية ضحايا العنف الأسري، من خلال منح الملاك صلاحيات قانونية لإخلاء المعتدين من المنازل بدلا من إجبار الضحايا على مغادرتها، واصفا الوضع الحالي بأنه "غير مقبول أخلاقيا".
واتهم رئيس الوزراء حزب المحافظين بشن "حرب أيديولوجية" طويلة ضد مفهوم الإسكان الاجتماعي، ما أدى إلى تفاقم أزمة السكن وحرمان أعداد كبيرة من الأسر من الاستقرار والأمان.
وختم ستارمر مقاله بالتأكيد أن حكومته تسعى إلى بناء "بريطانيا يكون لكل شخص فيها مكان خاص به يشعر فيه بالأمان ويملك فرصة للازدهار"، معتبرا أن توفير السكن اللائق يمثل أحد المرتكزات الأساسية لرؤية حزب العمال في الحكم.
ما السياق السياسي وراء مقال ستارمر؟
يأتي مقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لحظة سياسية حساسة يواجه فيها حزب العمال ضغوطا متزايدة بسبب تراجع شعبيته في عدد من استطلاعات الرأي، وتنامي الانتقادات المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والخدمات العامة، رغم مرور نحو عامين على وصوله إلى السلطة بعد إنهاء 14 عاما من حكم المحافظين.
ويحاول ستارمر من خلال التركيز على ملف الإسكان إعادة توجيه النقاش السياسي نحو أحد الملفات التقليدية التي ارتبطت تاريخيا بهوية حزب العمال، والمتمثلة في العدالة الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية للفئات المتوسطة والفقيرة. كما يسعى إلى إبراز الفارق بين حكومته وحكومات المحافظين المتعاقبة التي يتهمها بالتسبب في تفاقم أزمة السكن نتيجة تقليص الاستثمار العام وبيع أعداد كبيرة من المساكن الاجتماعية دون تعويضها.
ويأتي المقال أيضا بعد أسابيع من إعلان الحكومة البريطانية حزمة إصلاحات مثيرة للجدل في ملف الهجرة، شملت تشديد شروط الإقامة الدائمة وتقليص مسارات الهجرة القانونية، ما أثار انتقادات منظمات حقوقية ونواب داخل حزب العمال نفسه. ويهدف إبراز مشروع ضخم للإسكان الاجتماعي إلى طمأنة الناخبين التقليديين للحزب بأن الحكومة لا تزال ملتزمة بأجندتها الاجتماعية رغم تبنيها سياسات أكثر تشددا في ملفات أخرى.
كما يتزامن طرح هذه الخطة مع تصاعد نفوذ نايجل فرج وحزب الإصلاح في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية، حيث يركز اليمين الشعبوي على قضايا الهجرة والضغط على الخدمات العامة والإسكان. ولذلك يسعى ستارمر إلى تقديم رواية مضادة تقوم على أن أزمة السكن ليست نتيجة الهجرة فقط، كما يروج خصومه، بل هي حصيلة عقود من ضعف البناء والاستثمار العام، وأن الحل يكمن في زيادة المعروض السكني وإعادة بناء قطاع الإسكان الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى المقال باعتباره مجرد عرض لسياسة إسكانية، بل كجزء من معركة سياسية أوسع يخوضها ستارمر لتثبيت هوية حكومته قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وإقناع الناخبين بأن حزب العمال قادر على تقديم حلول ملموسة لأزمات المعيشة والسكن التي باتت من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع البريطاني.