هل تصبح ليبيا ورقة أوروبا الرابحة في أزمة الغاز؟
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير/شباط 2022، واجهت أوروبا تحديا جديدا تمثل في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، بعد أن كان يمثل مصدرا رئيسيا لإمداداتها لسنوات طويلة.
وفي ظل البحث عن بدائل قريبة وموثوقة للغاز الروسي، عادت الأنظار إلى شمال أفريقيا، حيث برزت ليبيا بوصفها خيارا محتملا لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، مستندة إلى احتياطيات كبيرة من الغاز وبنية تحتية قابلة للتطوير، رغم تحديات داخلية معقدة.
ويؤكد وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق في حديثه للجزيرة نت، أن:
بلاده تمتلك أحد أكبر مخزونات الغاز في المنطقة الاحتياطيات التقليدية تقدر بنحو 70 تريليون قدم مكعب تتجاوز الموارد غير التقليدية 129 تريليون قدم مكعب، مع احتمالات وصولها إلى نحو 200 تريليون قدم مكعب. فرص التوسع عبر "غرين ستريم"ويرى الوزير عبد الصادق أن خط أنابيب "غرين ستريم"، الذي يربط مجمع مليتة في ليبيا بالسواحل الإيطالية عبر جزيرة لامبيدوزا، يمثل أحد أهم ركائز الاستراتيجية الليبية للتوسع في صادرات الغاز، لافتا إلى أن الخط يعمل حاليا بأقل من 20% من طاقته التصديرية، ما يمنح ليبيا فرصة لزيادة الإمدادات نحو أوروبا.
ويشير عبد الصادق إلى أن الغاز المنقول عبر الأنابيب أقل تكلفة من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعزز تنافسية ليبيا في سوق الطاقة الأوروبية.
وتتوافق هذه التصريحات مع ما أعلنه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، خلال مؤتمر الغاز الطبيعي المسال 2026 في قطر، حيث أكد أن ليبيا تخطط لزيادة إنتاج الغاز خلال السنوات الخمس المقبلة، بهدف رفع الصادرات إلى أوروبا بحلول عام 2030، مع استهداف إنتاج يصل إلى نحو مليار قدم مكعب يومياً.
كما كشف سليمان عن خطط للتنقيب عن الغاز الصخري وإطلاق جولات استكشاف بمشاركة شركات دولية كبرى، بينها شيفرون وإيني وكونوكو فيليبس، وتحالف تقوده ريبسول.
تنافس إقليمييرى المحلل الاقتصادي إبراهيم السنوسي أن ليبيا تمتلك مقومات تؤهلها لأن تكون موردا مهما للغاز إلى أوروبا، في مقدمتها القرب الجغرافي والبنية التحتية القائمة، خصوصا خط "غرين ستريم"، لكنه يرجح أن يظل الدور الليبي مكملا لمصادر الإمداد الأوروبية، وليس بديلا كاملا عن الغاز الروسي، بسبب محدودية مستويات الإنتاج الحالية واستمرار تقلب الإمدادات.
إعلانويؤكد أن ليبيا قادرة على تزويد أوروبا بكميات إضافية من الغاز، لكن ذلك يبقى مرهونا بتحقيق الاستقرار الداخلي وتوفير استثمارات كافية لتطوير القطاع.
وتعكس الخطط الليبية اهتماما متزايدا من شركات الطاقة العالمية بالعودة إلى البلاد، مدفوعة بوفرة الموارد وقرب ليبيا من الأسواق الأوروبية.
ويرى السنوسي أن فرص زيادة إنتاج الغاز تعتمد على عدة عوامل داعمة، أبرزها حجم الاحتياطيات والبنية التحتية القابلة للتطوير، خاصة مع المساعي الليبية الإيطالية لإنشاء خطوط غاز جديدة، إضافة إلى تنامي الاهتمام الأوروبي بتنويع مصادر الطاقة.
وفيما يتعلق بخطط زيادة الإنتاج من النفط، تشير تقارير دولية إلى أن تكلفة إنتاج النفط الليبي تعد من بين الأدنى عالميا، ما يمنحه ميزة تنافسية مقارنة بمصادر أخرى للطاقة.
وتسعى طرابلس لرفع إنتاج النفط إلى نحو مليوني برميل يوميا بحلول عام 2030، ضمن استراتيجية لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة الإقليمية، وسط منافسة متزايدة مع الجزائر ودول شرق المتوسط على تلبية الطلب الأوروبي.
عقبات داخليةفي المقابل، تواجه هذه الطموحات تحديات واسعة، ويشير مصدر مطلع إلى أن تداعيات الحرب الأوكرانية أعادت تسليط الضوء على أهمية الغاز الليبي، لكن الواقع الميداني يفرض عقبات كبيرة أمام تطوير القطاع.
ويوضح المصدر للجزيرة نت أن اهتمام الشركات الأجنبية بالاستثمار في ليبيا ما يزال محدودا بسبب المخاوف المرتبطة بعدم الاستقرار السياسي والانقسام المؤسسي، إضافة إلى تحديات مصرفية وإدارية، فضلا عن ارتفاع تكلفة استخراج النفط في ظل غياب عمليات تطوير جوهرية للحقول.
ويتفق السنوسي مع هذه التقديرات، مؤكدا أن عدم الاستقرار الأمني وتكرار إيقاف الحقول وضعف التمويل وتقادم بعض المنشآت، إضافة إلى غياب استراتيجية طاقة طويلة الأمد، تمثل أبرز العوائق أمام زيادة إنتاج الغاز والنفط في ليبيا، وبالتالي زيادة الصادرات منهما.
وأوضح المصدر الليبي أن بلاده تنتج سنويا نحو 500 مليون برميل من النفط، لكنه أبدى تحفظات بشأن الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم الاحتياطيات النفطية.
وتشير بيانات منظمة أوبك لعام 2025 إلى امتلاك ليبيا نحو 48.4 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، فيما يرى المصدر الليبي أن الاحتياطي القابل للاستخراج قد يكون أقل بكثير وربما لا يتجاوز 10 مليارات برميل استنادا إلى وثائق رسمية.
الانقسام السياسيمن جهته يشير السنوسي إلى أن الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا يخلق حالة من عدم اليقين تنعكس على استقرار الإنتاج واحترام العقود مع الشركات الدولية، كما يضعف استقلالية المؤسسات النفطية ويقلل من جاذبية ليبيا للاستثمارات الكبرى.
وتتزامن هذه التحديات مع ضغوط مالية متزايدة داخل القطاع النفطي، فقد كشفت وثائق رسمية عن تسجيل المؤسسة الوطنية للنفط التزامات مالية تجاوزت 31 مليار دينار (4.9 مليارات دولار) بين عامي 2023 و2025، توزعت بين المرتبات والإنفاق التشغيلي ومشروعات التنمية.
وحذرت المؤسسة من أن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج أو توقفه، رغم حصولها على ميزانيات استثنائية كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
إعلانويرى السنوسي أن قطاع الطاقة الليبي قد يسير في أحد مسارين:
الأول: مسار أو سيناريو إيجابي يقوم على توحيد المؤسسات وإطلاق إصلاحات تشريعية تضمن استقرار الإنتاج. الثاني: سيناريو سلبي يتمثل في استمرار الانقسام، ما قد يبقي القطاع عرضة للتذبذب ويؤدي إلى فقدان فرص استثمارية كبرى.وفي ظل هذه المعطيات، تقف ليبيا أمام مفترق طرق بين طموحات رسمية تسعى لتعزيز حضورها في سوق الطاقة الأوروبية، وواقع اقتصادي ومؤسسي يطرح تساؤلات حول قدرتها على تحويل مواردها الطبيعية إلى نفوذ فعلي في معادلة الطاقة العالمية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات عن الغاز قدم مکعب فی لیبیا إلى أن
إقرأ أيضاً:
أسعار النفط تتجاوز 100 دولار مع تصاعد هجمات الحوثيين
قفزت أسعار النفط العالمية إلى ما فوق حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ شهرين، في انعكاس مباشر لتصاعد التهديدات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر، بعد إعلان جماعة الحوثي المدعومة من إيران استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، في خطوة أثارت مخاوف واسعة من اضطرابات جديدة في إمدادات الطاقة العالمية.
وبحسب وكالة بلومبيرغ، فإن الهجوم الحوثي فتح جبهة جديدة للأزمة الإقليمية، بعدما كانت الحرب بين إيران والولايات المتحدة قد دفعت حركة تجارة النفط بعيداً عن مضيق هرمز، ليصبح البحر الأحمر المسار البديل الأهم لصادرات النفط السعودية. إلا أن استهداف هذا الممر الحيوي يهدد بتقليص الخيارات المتاحة أمام المنتجين والمستهلكين، ويرفع من احتمالات حدوث اختناقات في الإمدادات العالمية.
وأعلنت الجماعة أنها استخدمت صواريخ وطائرات مسيرة لاستهداف الناقلتين ضمن ما وصفته بـ"تطبيق الحصار" الذي أعلنت فرضه على الموانئ السعودية، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيداً يوسع دائرة المخاطر الأمنية في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والتجارة الدولية.
وأكدت بلومبيرغ أن الأسواق لا تواجه فقط تداعيات الهجمات في البحر الأحمر، بل تتعرض أيضاً لضغوط متزامنة نتيجة اضطرابات صادرات كازاخستان عبر البحر الأسود بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب انخفاض المخزونات العالمية بعد أشهر من التوترات، ما يعزز احتمالات نقص المعروض ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
وسجل خام برنت مكاسب تجاوزت 30% منذ بداية الشهر، مقترباً من أعلى مستوياته منذ أواخر مايو، وسط توقعات باستمرار موجة الصعود إذا استمرت المواجهات العسكرية واتسعت دائرة التهديدات التي تطال البنية التحتية للطاقة وخطوط الملاحة.
ونقلت الوكالة عن بوب ماكنالي، رئيس مجموعة "رابيدان إنرجي" والمسؤول السابق في البيت الأبيض، تحذيره من أن الجولة الجديدة من التصعيد قد تكون أكثر اتساعاً من سابقاتها، مشيراً إلى أن المخاطر لم تعد تقتصر على أمن الملاحة، بل باتت تمتد إلى منشآت الطاقة نفسها، وهو ما يضاعف المخاوف بشأن استقرار سوق النفط العالمية.
كما أسهم تراجع فرص استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران في زيادة حالة القلق داخل الأسواق، خاصة مع تجدد التهديدات الأمريكية بتوسيع الضربات ضد أهداف داخل إيران، الأمر الذي يعزز التوقعات باستمرار التوتر لفترة أطول وما يرافقه من ضغوط على أسعار الطاقة.
وفي ظل هذه التطورات، بدأت شركات شحن عالمية بتجنب المرور عبر مضيق باب المندب، بينما تدرس مصافٍ ومستوردون في الهند وعدد من الدول الآسيوية اعتماد مسارات بديلة أكثر طولاً وكلفة لتأمين وارداتهم النفطية، وفق بيانات تتبع السفن التي أوردتها بلومبيرغ.
وكشفت الوكالة أن شركتين آسيويتين على الأقل لتجارة النفط دخلتا في محادثات مع شركة "أرامكو" السعودية لبحث إعادة توجيه الشحنات بعيداً عن البحر الأحمر، عبر نقل النفط إلى موانئ مصرية ثم ضخه عبر خطوط الأنابيب قبل شحنه من البحر المتوسط والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
ووفقاً لمتعاملين مطلعين، فإن هذا السيناريو قد يضيف نحو شهر كامل إلى زمن وصول الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ما قد ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والمنتجات البترولية عالمياً.
ويرى محللون أن استهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر يمثل تحولاً خطيراً في مسار الأزمة، إذ لم يعد التهديد مقتصراً على مضيق هرمز، بل امتد إلى الطريق البديل الذي اعتمدت عليه أسواق الطاقة خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي يضاعف حالة عدم اليقين ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي في حال استمرار التصعيد العسكري.