تشو شيوان **

في غضون أقل من أسبوع، نستقبل نحن في الصين عيد الربيع الصيني، ومع إدراج "الممارسات الاجتماعية للشعب الصيني في الاحتفال بعيد الربيع" ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، أجد أن هذا العيد لم يعد مجرد مناسبة وطنية صينية، بل تحول إلى تظاهرة ثقافية عالمية تزداد بريقًا يومًا بعد يوم، ويزداد محبيها من حول العالم لما لها من دلالات احتفالية متميزة وتجلب البسمة للناس كافة.

ويصادف عام 2026 عام الحصان في التقويم القمري الصيني، وبرأيي لا توجد أيقونة ثقافية تجمع بين الشرقين الأقصى والأوسط كما يفعل "الحصان"، ففي ثقافتنا الصينية يرمز الحصان إلى السعي الدؤوب والريادة؛ بينما في الثقافة العربية يمثل الجواد رمزًا للشجاعة والمجد والمبادرة، وأجد في هذا التقارب الرمزي انعكاسًا عميقًا لمسيرة التعاون بين الحضارتين، حيث يركض الطرفان معًا نحو مستقبل مشرق، ويزداد الأمر خصوصية وجمالًا هذا العام بتزامن عيد الربيع مع شهر رمضان المبارك، ليلتقي كرم الضيافة العربي مع دفء اللقاء العائلي الصيني في فترة زمنية واحدة، مما يمنح احتفالاتنا طابعًا روحانيًا وإنسانيًا فريدًا.

ويمثل عيد الربيع، أو ما يُعرف بـ"تشون جيه"، النبض الحقيقي للهوية الصينية واللحظة التي يتوقف فيها الزمن ليعود الجميع إلى الجذور. تبدأ الطقوس بـ"تنظيف المنازل" أو مسح الغبار، وهي ممارسة رمزية لاستقبال بركات العام الجديد بقلوب وبيوت نقية، وتتحول المدن والقرى إلى لوحات فنية يطغى عليها اللون الأحمر؛ حيث تُزين الأبواب بـ"أبيات الشعر الربيعية" (Chunlian) والفوانيس المتدلية التي ترمز للحياة والبهجة. وتظل "عشية العيد" هي الذروة، حيث يقطع الصينيون آلاف الأميال فيما يُعرف بأكبر هجرة بشرية سنوية للمشاركة في "عشاء الشمل"؛ وهي مائدة مقدسة لا تغيب عنها "السمكة" التي ترمز للوفرة، و"الزلابية" (Jiaozi) التي تُشكل يدويًا لتشبه سبائك الذهب القديمة تفاؤلًا بالرخاء. ومع دقات الساعة، تتبادل الأجيال "الأغلفة الحمراء" (Hongbao) المحملة بالأمنيات المالية والقلبية، وسط أجواء احتفالية تمزج بين صخب رقصات التنين والأسد في الشوارع، وخشوع الطقوس العائلية في المنازل، لتجسد هذه الاحتفالات فلسفة صينية عميقة تقدس العائلة وتؤمن بأن كل ربيع هو فرصة جديدة للولادة والنهوض.

وعند الحديث عن تقاليد العيد، تبرز "سهرة عيد الربيع" كجزء لا يتجزأ من ثقافتنا، وباعتبارها أضخم عرض تلفزيوني في العالم، أجد أنها تجاوزت حدود الترفيه لتصبح "مختبرًا" يعرض جوهر الصين الحديثة للعالم. سهرة هذا العام، التي تحمل شعار "الحصان الراكض، اندفاع لا يتوقف"، مستلهمة من صورة "تشِي جي" الأسطورية. وبحسب رؤيتي، فإن تصميم المسرح المكون من 14 وحدة تحاكي "10 آلاف حصان يركضون" ليس مجرد إبهار بصري، بل هو تجسيد حي للعلاقات الصينية العربية الراهنة التي تنطلق بأقصى سرعتها نحو آفاق غير مسبوقة.

وهنا يجب أن نتساءل كيف أصبح عيد الربيع مظهرًا احتفاليًا عالميًا؟، لقد بات من الواضح اليوم أن عيد الربيع الصيني قد كسر قيوده الجغرافية ليصبح أيقونة عالمية؛ فمن نيويورك إلى دبي، ومن باريس إلى القاهرة، تكتسي المعالم الشهيرة باللون الأحمر الصيني، وأعتقد أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل لأن القيم التي يحملها العيد مثل لم شمل الأسرة، وتجديد الأمل، والامتنان للطبيعة هي قيم إنسانية عابرة للحدود، واليوم نرى الشعوب من مختلف الثقافات يتبادلون التهاني بـ"سنة صينية سعيدة"، ويتذوقون "الزلابية" (Jiaozi)، ويشاهدون رقصة التنين في ساحات مدنهم، لذلك أجد أن العيد أصبح "لغة عالمية" تعزز التفاهم المتبادل، وتثبت أن الثقافة هي القوة الناعمة الأكثر قدرة على إذابة الجليد بين الأمم وتكريس مفهوم "المجتمع ذي المصير المشترك للبشرية".

وبالنظر إلى العلاقات الثنائية، يمثل عام 2026 بداية جديدة للصين والدول العربية للمضي قدمًا معًا، تزامنًا مع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة في الصين. برأيي، نعيش اليوم عصر "التنمية عالية الجودة" التي لا تعترف بالحدود، ورغم تقلبات الوضع الدولي وتباطؤ النمو العالمي، أجد أن الشراكة الصينية العربية قد حافظت على صمودها وزخمها خلال السنوات الماضية وتتقدم بوتيرة ثابتة نحو تحقيق أهدافها المستقبلية متخطية جميع الظروف والموانع.

إن استضافة الصين للقمة الصينية العربية الثانية هذا العام هي، في تقديري، العلامة الفارقة الأهم في عام 2026. ستكون هذه القمة "مضمارًا" جديدًا يرسم خارطة طريق لتعاون أعمق في مجالات التكنولوجيا والابتكار والطاقة الخضراء. وفي الختام، أجد أن عام الحصان هذا لن يكون مجرد سنة تقويمية، بل سيكون عام "القفزة الكبرى" للعلاقات الصينية العربية، حيث نركض معًا، بوفاء الخيول وطموح الرواد، نحو مستقبل تسوده المنفعة المتبادلة والسلام.

** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

100 سنة غنا يجمع صوت الحجار وأعمال الشريعى بالمسرح الكبير

تستمر رحلة دار الأوبرا المصرية فى المشروع الفنى 100 سنة غنا المقام بالتعاون مع النجم على الحجار حيث تعقد أمسية لنخبة من مؤلفات الموسيقار الراحل عمار الشريعى بمصاحبة الأوركسترا بقيادة المايسترو أحمد عاطف.

 وتستضيف الفنانين حسن فؤاد وأمانى سمير ومن إخراج أحمد فؤاد وذلك فى السابعة والنصف مساء الجمعة 5 يونيو على المسرح الكبير  .

داليا مصطفى تطلق مبادرة للتبرع بصدقة لروح سهام جلال والراحلينتشييع جنازة الفنانة سهام جلال.. صور

يروى العرض المشوار الفنى للموسيقار عمار الشريعى من خلال مجموعة مختاره من ألحانه الخالدة التى رسخت فى وجدان أجيال منها الشهد والدموع، انتى طلعتيلى منين، ماتمنعوش الصادقين، لو مش حتحلم معايا، اتنين، ليلى ويا ليلى، موسيقى هالة والدراويش - نصف ربيع الآخر - حلمت، على يا على، دويتو حبيبتى من ضفايرها، الرحايا، مبسوطين، أرابيسك، يا لولا دقة ايديكى، راحل، على كتف صاحبى، حديث الصباح والمساء، مسلسل الأيام، الحدود ، هنا القاهرة ومن الرباعيات صوتك معايا، بعد الظلام ، من الساعة دى .

يذكر أن المشروع الفنى 100 سنة غنا يضم سلسلة من العروض التى ترصد تاريخ الموسيقى والغناء العربى وتطوره خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مع تناول أهم الموسيقيين خلال تلك الفترة فى شكل يجمع الغناء بالدراما والإستعراض ويهدف إلى تأكيد ريادة مصر الفنية وتعريف الأجيال الجديدة بالتراث والتعبير عن التحولات الإجتماعية والسياسية التى مر بها المجتمع إلى جانب إكتشاف ومنح الفرصة للمواهب والأصوات الشابة وإلقاء الضوء على قدراتهم الإبداعية .

طباعة شارك رحلة دار الأوبرا المصرية الأوبرا المصرية النجم على الحجار على الحجار

مقالات مشابهة

  • المؤسسات التعليمية حائط الصد للتطرف الفكري.. لقاء ثقافي بمكتبة القاهرة
  • عقب جلسة مع عبدالحفيظ.. الشحات يجمع متعلقاته من الأهلي
  • اليوان الصيني عند ذروة 3 سنوات مقابل الدولار الأمريكي
  • أسبوع جنني يجمع لاروسي ومحمد قماح في تعاون فني جديد
  • ضغوط أمريكية تعمّق الفجوة التقنية في قطاع أشباه الموصلات الصيني
  • فرنسا تشهد الربيع الأكثر حراً على الإطلاق
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • 100 سنة غنا يجمع صوت الحجار وأعمال الشريعى بالمسرح الكبير
  • «100 سنة غنا».. الحجار يعيد أمجاد عمار الشريعى في سهرة طربية بالأوبرا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش