لجريدة عمان:
2026-06-03@01:13:21 GMT

القبيلة التي تضحك ليلا تلد الحكايات

تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT

من زاويةٍ محدودةٍ، وكُوّةٍ ضيّقةٍ، وحدثٍ يوميّ بسيطٍ يتفتّح الممكن السرديّ في رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» للكاتب السعودي سالم الصقور على ممكنات قصصيّة شتّى، وعلى عوالم منها ما يخصُّ الواقع الذاتي الخاصّ الوجوديّ للإنسان، ومنها ما ينفتح على محليّة لها عادات وأصول وتقاليد وحكايات مكتومة، ومواقع بكر تحتاج إلى عين سارد ينقلها من رمادها إلى إذكاء نار الحكاية.

مِن واقعةٍ أصْلٍ يتّخذ الراوي منظورًا وزاوية منها يسترجع من جهة، ويحكي آنَه من جهة ثانية. تتفتّح من الوجود سُرودٌ وأعمالٌ ومواقف وشخصيّات، ويرتحل الراوي فعلاً (في بحثه عن دواء وليدته) وذهنا من خلال استرجاع ملامح وصور ووجوه شخصيّات أكلها الزمن شخصيّات ترتبط بأسبابٍ بالشخصيّة المركز. حدثٌ منطلَقٌ ومدارٌ تنفتح به الرواية ويظلّ متحكّما في تصاريفها وحركتها وجهتها ومنظورها وما تدعوه من مواقف وأحوال. هو ولادة أنبوبيّة لطفلة مرشّحة للموت بسبب عطل في أعضائها لوالد لم ينجح في الإنجاب.

يتعهّد بحكاية الموقف وما ينتج منه تصاعد حدثيّ. يرمي بالرواية إلى مجاهل غير متوقّعة؛ إذ يبنيها راويها على مرتكزين رئيسين: الأوّل الولادة وما نتج عنها من مواكبةٍ لأملٍ ضئيلٍ في إنقاذ المولودة، وتنعّم الراوي بهبة الأبوّة، وتحقيق الخلافة في الأرض. الثاني: هو الذات الراوية نفسها التي تتهيّأ مشروعًا سرديّا قائم الذات في ما يشبه السيرة الروائيّة التي يضطلع فيها الراوي بحكايةِ ذاته، وما علق بها من جموح وانكسار وامتداد وانكماش، وما تنازعها من أهواء وأصداء وأنواء، وما ارتبط بها من شخصيّات بصلة وسبب.

لحظة من إحساس دقيق رقيق لرجل ينتسب إلى فضاء قبليّ وإلى عالم يُؤمن بالفحولة والرجولة والإخصاب على وفْرة علاّته، وكثرة تشوّهاته. واقعٌ يسأل عن علّة عدم الإنجاب، ويسمح لأشخاصه أن يخوضوا في مواضيع شخصيّة، ويُحوّل موضوع عدم الإنجاب إلى قضيّة اجتماعيّة، وإعاقة تستدعي التكاتف والتكافل للخروج منها.

هذا العالم الذي وسمته الشخصيّة بأنّه «لا يفهم نفسه» يعيش تنازعا بين ظاهر وباطن، ومفارقة بين ما كان وما هو كائن. الراوي في ذاته مركزٌ سرديّ يتكشّف ويكشف ذاته في كلّ مراحل الرواية. يفيض السرد ببيان معتقده ورحلته في الحياة، وصلاته في الوظيفة ورؤيته للكون وللوجود وللذات البشريّة.

ولذلك فكثيرًا ما كان الراوي يُسْفِر عمّا بداخله، ويكشف عن مواطن الشكّ وانعدام اليقين في سخريّة وجوديّة تقرب من السخريّة الفلسفيّة عند أعلام الوجودية الفرنسيّة. ولا غرابة في ذلك؛ إذ إنّ الشخصيّة الروائيّة تجترّ الأسى، وتعاشر الفقْد اليوميّ، فهي تعبّر عن أساها قائلة في مفتتح روايتها: «في كلّ شهر قمريّ يموت واحد من أبنائي، فينتصب سُرادق العزاء في صدري، ولا أحد يُشاركني تلك المآتم السريّة». هذا الهمّ الملازم للشخصيّة أفقدها كلّ يقين في غيب أو في علم أو شعوذة أو في أسطورة أو في رقية، وصارت رميّة الصدف.

ذاتان تذويان: ذاتٌ فاقدة الوعي بالوجود تولَد لتموت، وذات حمّالة أرزاء مثقلة الوعي تحمل أعباء الحاضر والماضي والمقبل. حاضرٌ بلا طعم ولا نكهة ولا وجه، وماضٍ يُهيمن عليه الوعي القبلي. لقد نجح سالم الصقور في حمل القارئ على تطعّم ذوق الأسى، وعلى الإحساس بجوهرٍ بدأ يتآكل هو جوهر الإنسان الإنسان الذي يعيش تيهًا وجوديّا بفقْد الثقة في كلّ الثوابت من حوله.

علي بن مانع الشخصيّة المركز في الرواية التي اختارت أن تتابع حكايته عبر الضبط الساعاتي الميقاتي، وأن تضع كلّ همّها المحكي في يوم كامل بليله؛ يوم يمرّ في حال انتظار منتهى أمر المولودة المشوّهة التي يعمل والدها على بذل كلّ الجهد المتاح ليعيش الساعات المتبقيّة لها وهو ينعم بأبوّته لها هذه الأبوّة التي افتقدها، وسعى إليها ذاتًا راغبة، وذاتًا واقعةً تحت مطرقة المجتمع المراقب لهمسات الأفراد وسكناتهم.

لم تكن الحكاية على بساطتها ويسر حوادثها مرتبطة بقضيّة أطفال الأنابيب، ولا بالعقم ونظرة المجتمع له، ولا بالمنظور الاجتماعي للخصوبة والرجولة، ولا بالنظرة الجندريّة التي تحطّ من شأن المرأة وإن كانت وليدة، بل هي رواية الإنسان تتنازعه رياح الوجود في إثارة عبثيّة الحياة والموت، أو حكمة الحياة الموت، وفي إثارة وضع الفرد في الجماعة، وفي حكاية نبْض الإنسان؛ يخلو بنفسه، فيحكي ما يحدث في خلوته. ينفخ في رمادٍ مكتوم يخفي في بواطنه براكين قاهرة قاتلة.

الإنسان الذي يعيش في ظلّ سلطة قبليّة يسمها الراوي بالجور وتحطيم الأنفس، وفرض قوّة الماضي نهجا ومثالاً، وهذا ما بان بشكل لافت في حديثه عن قصّة نجوى الزوجة الأولى التي طلبت الطلاق في وقت لا تلجأ فيه المرأة إلى طلب الطلاق إلاّ وهي جادّة ومجدّة الساعة السابعة ليلا وقت العشاء، ووقت المسلسل، ووقت المرأة الذي تكون فيه أكثر جديّة؛ نجوى التي قصّ الراوي حكايته معها، وقصّ أيضًا تراكم الأسى والقهر في حكايتها، وكشف عن آثار الأقدمين فيها.

لقد أثار الكاتب «الصناديق المقفلة»، وأبان أثر المخفيّ. من ذلك أنّ القبيلة تسير على هدْي رمزٍ يُقتدى به ويُحتَذى، وهو في حال نجوى الجدّ الذي غُلّب على حياتها، غير أنّ القدوة قد تتحوّل أذيّة، ولسيادة الرجال المطلقة آثار سلبيّة سالبة للكينونة «حكم رجال العائلة ذلك البيت بصرامة مؤذية.

كلّ تصرّف في حياتهم يُوضع على مسطرة بطولات الجد. وكانت المرأة معيارا قبليا يحطّ من البيت أو يرفعه. منعوهن إكمال دراستهن بعد المتوسّطة. لا يأكل أي رجل من ذلك البيت مع أيّ امرأة، حتّى وإن كانت أمّه. ذهابهنّ إلى السوق أحد أحلامهنّ المؤجّلة».

عوالم من التقاليد، من العادات، من سيرة الإنسان، من جموحه وزلاّته، من ألمه وبكائه، من ضعفه الذي يرميه في براثن الإيمان بالوثنيّة، من اللجوء إلى الأساطير وعالم الجان، من الإيمان لقضاء الحاجات، من النكران لما آل إليه الإنسان من عوالم افتراضيّة يصبح فيه عطب الوليدة حدثًا يُستغلّ، من شاي يُشرَب على الطريق، من صلةٍ بهاتف إن سقط أو تعطّل انقطع الإنسان عن العالم، ترويها الرواية دون إملال أو كساد أو إفساد، وإنّما هو بيان حال ووصف بإيجاز، العين اللاّقطة لا لسان لها يثرثر ويسهب البيان.

لقد نجح سالم الصقور في تقديم رؤيته للكون من حوله بأسلوب شائق، ولغة رامزة، وإدراك عميق. حسبه أنّه حكى حكايته. حكايةٌ مرغِّبة تُطلّ على الوجود الإنساني في وقفة الفرْد متأمّلا في عالمه الخاصّ جدّا، وفي العالم من حوله، وقد اكتسب عيْنا عارفةً بعمق علل المجتمع، ونقل وعي الإنسان بالقلق بأزمة الذات. ليست الرواية كاشفة عن طابوهات المجتمع السعودي، ولا قيمة -في ظنّي لحكاية تتقصّد إثارة هذه المواضيع-، بل هي رواية سلسلة قادرة على جعل القارئ يتفاعل مع أزمة إنسان في مهبّ الشكّ؛ إنسان يفقد اليقين.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ة التی شخصی ة

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • مائل للحرارة ليلاً.. حالة الطقس اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026
  • في ذكري رحيله.. محطات من حياة العالم الجليل الشيخ محمد الراوي
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟