كتاب يعيد الزعيم إلى قلب الأسئلة الكبرى
لم يكن سعد زغلول مجرد زعيم مر فى تاريخ الحركة الوطنية، ولا اسماً استقر فى الذاكرة ثم اكتفى بالمكانة الرمزية. فكلما ظن المصريون أنهم قالوا الكلمة الأخيرة عنه، عاد اسمه ليطل من جديد، لا بوصفه بطلاً مكتملاً، بل سؤالاً مفتوحاً عن الوطنية والدستور والحرية. ومؤخراً، جاء هذا السؤال من بوابة غير متوقعة؛ ترجمة أكاديمية غربية أعادت فتح ملف زعيم ثورة 1919، لتضعه مرة أخرى فى قلب النقاش الثقافى والسياسى.
لم يمضِ على صدور كتاب «سعد زغلول والوطنية المصرية» سوى شهرين، ومع ذلك نفدت طبعته الأولى سريعاً، ليؤكد أن اسم سعد زغلول لا يزال حاضراً بقوة فى الوعى العام، وقادراً على إثارة النقاش كلما أعيد طرحه فى سياق جديد. ومع طرح المركز القومى للترجمة للطبعة الثانية من الكتاب هذه الأيام، يعود زعيم ثورة 1919 إلى الواجهة.
كتاب «سعد زغلول والوطنية المصرية»، الصادر عن المركز القومى للترجمة، تأليف الباحث البريطانى جورج دونام بيرس «الابن»، وترجمة الدكتور رفعت السيد على، نجح منذ صدوره فى جذب اهتمام القراء والباحثين، وهو ما انعكس فى نفاد طبعته الأولى خلال فترة وجيزة، ودفع المركز إلى طرح الطبعة الثانية.
الكتاب الذى كتب فى الأصل رسالة ماجستير بجامعة ويسكونسن عام 1949، لا يقدم سيرة تقليدية لسعد زغلول، بل يسعى إلى فهم الكيفية التى تشكلت بها الوطنية المصرية فى مطلع القرن العشرين، والدور الذى لعبه «زغلول» فى تحويل الغضب الشعبى إلى مشروع سياسى منظم، قاد إلى ثورة 1919، ثم إلى أول تجربة دستورية حقيقية فى تاريخ مصر الحديث.
ما يميز هذا الإصدار أنه يعتمد على مصادر أرشيفية مصرية وبريطانية، ويقدم كقراءة أكاديمية هادئة، بعيدة عن الخطاب الاحتفالى أو السرد البطولى المباشر. فالكتاب يتعامل مع سعد زغلول باعتباره فاعلاً سياسياً يتحرك داخل سياق دولى معقد، وداخل معادلة صعبة بين الاحتلال البريطانى والملك والقوى الاجتماعية الصاعدة، وهو ما يمنحه قيمة خاصة داخل المكتبة التاريخية العربية.
فى مقابل هذه القراءة الأكاديمية، تظل الكتابات المصرية عن سعد زغلول شاهدة على السيرة من الداخل، وفى مقدمتها أعمال عباس محمود العقاد، وعلى رأسها كتابه الشهير «سعد زغلول»، فالعقاد لم يكتب عن زعيم سياسى فحسب، بل عن شخصية وطنية جامعة، حيث توقف عند تكوينه الفكرى وخطابه وقدرته على مخاطبة الجماهير، وصراعه مع الاحتلال والسلطة فى آن واحد، فى لحظة كان فيها الوطن يبحث عن صوته وعن طريقه.
وفى مسار أكثر تخصصاً، يقدم المفكر والمؤرخ طارق البشرى فى كتابه «سعد زغلول يفاوض الاستعمار» قراءة دقيقة لجانب بالغ الأهمية فى تجربة الزعيم، حيث ينتقل الصراع من الشارع إلى طاولة المفاوضات، ويركز الكتاب على الأدوات القانونية والدستورية التى استخدمها زغلول، ومحاولاته فرض شرعية التمثيل الشعبى فى مواجهة قوة الاحتلال، فى واحدة من أعقد مراحل الصراع الوطنى.
إلى جانب هذه الدراسات، تظل مذكرات سعد زغلول من أهم المصادر لفهم شخصيته وتجربته. فقد دون الزعيم يومياته بيده على مدار سنوات طويلة، كاشفاً عن أفكاره، وانفعالاته، ولحظات الشك والغضب والتأمل، وقد نشرت هذه المذكرات لاحقاً فى طبعات محققة، لتمنح القارئ شهادة مباشرة من داخل التجربة، لا من على هامشها.
ما بين الترجمة الأكاديمية والسيرة الأدبية والدراسة السياسية والمذكرات الشخصية، تتشكل صورة متعددة الأبعاد لسعد زغلول، لا تختزل فى كتاب واحد ولا فى قراءة واحدة، زعيم صنع لحظة تاريخية، وترك إرثاً لا يزال قادراً على إثارة الجدل، كلما أعيدت قراءته من زاوية جديدة.
لا تعيد هذه الإصدارات سعد زغلول إلى الواجهة بوصفه رمزاً فقط، بل بوصفه سؤالاً حياً
كيف تبنى الوطنية؟ وأين يقف الدستور حين تتصارع القوة مع الإرادة الشعبية؟ وهل ما زالت تجربة زعيم ثورة 1919 قادرة على مخاطبة الحاضر؟ ربما لا تقدم الكتب إجابة واحدة، لكنها تتفق جميعاً على حقيقة واحدة؛ أن سعد زغلول لم يغادر المشهد، وأن تاريخه ما زال مفتوحاً على الزمن.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سعد زغلول ثورة 1919
إقرأ أيضاً:
إشهار كتاب “عودة المرأة إلى حضن القداسة” للكاتبة دلالعة
صراحة نيوز – نظمت اللجنة الثقافية والاجتماعية في نقابة المهندسين الأردنيين فرع إربد وبالتعاون مع مديرية ثقافة إربد مساء اليوم، حفلا لإشهار كتاب بعنوان “عودة المرأة إلى حضن القداسة” للكاتبة نور دلالعة، تحدث فيها الناقد نضال قاسم، والروائي عبدالسلام صالح، بحضور حشد من الأدباء والمثقفين والمواطنين المهتمين.
وخلال الحفل الذي أداره عضو رابطة الكتاب صالح حمدوني تحدث قاسم حول أهمية الكتاب كونه يخلق حالة من الوعي بأهمية التماسك الاجتماعي المتمثل بالأسرة السليمة المتماسكة، والقادرة على التفاعل والتفاهم المتبادل والنقاش والتعاون مع الآخرين، لأن الحياة المشتركة هي محك الإنسانية، ولا يمكن تحقيق هذا التكامل إلا باتحاد عمل الجنسين معاً.
وأشار الى أن المؤلفة استندت في رؤيتها إلى الدلائل العلمية والتحليل التاريخي، لتبلغ تسوية تنقذ الأسرة أولاً، والذات الذكرية الجوهرية ثانياً، وتعيد الأنثى إلى قلب القداسة كما كانت قديماً، وهي تطرح في مقدمة كتابها رؤية نقدية حادة، إذ ترى أن المستفيد الأكبر من توسيع هوة النزاع بين الرجل والمرأة هو العلمانية، والليبرالية، والنظام العالمي الجديد.
من جهته أشار الروائي عبد السلام صالح الى أن الكاتبة أرادت أن تأخذنا في رحلة بحثية وفكرية لتاريخ المرأة منذ البدايات، إلى اللحظة الحضارية الراهنة، فقدمت عبر الكتاب إطلالة تاريخية شملت العصر الحجري والعصر الزراعي والحضارات القديمة، مروراً بالعصور الوسطى والثورة الصناعية، وتتبعت ثورة المرأة في القرن التاسع عشر ثم انتقلت إلى أوضاع المرأة في الإسلام.
وقال حمدوني أن كتاب “عودة المرأة إلى حضن القداسة” كتاب في علم النفس الاجتماعي، وهو صرخة في وجه مخرجات النزعة الاستهلاكية التي حولت الإنسان إلى سلعة، وسعت إلى تفكيك اللبنة الأساسية للمجتمع وهي الأسرة، مبينا أن الكاتبة لجأت إلى التحليل التاريخي، لتنتشل الأنثى والذكر معاً من صراع الأدوار الهدام، وتعيد تركيب المشهد في ثنائية تكاملية مبدعة.
بدورها أوضحت المؤلفة دلالعة أن الهدف من الكتاب هو صلاح الأسرة والمجتمع الذي يجعلنا نهتم بشؤون أفراده كمطلب بديهي لاستكمال صحة البناء بحيث لا نضيع الطريق عن الوجهة الواحدة، التي تتطلب نجاة فردية.
وأشارت أن المرأة مدفوعة بسبب الظروف المحيطة لتكون على ما هي عليه الآن من التعب والاحتراق النفسي وأحيانا التطرف الأعمى، فمع تغير المنظومة المجتمعية الحديثة أصبحت المرأة ضحية التطرف النسوي من جهة والذكوري من جهة أخرى.