"يا مولاي، هذه الشجرة هي الدولة، وظلّها هو النعم. إذا سقاها البستاني بماء العدل، وقلّم أغصانها بشكر الله، طال ظلّها واستراح النّاس تحتها. أمّا إذا حبس عنها الماء أو تكبّر بجمالها، جفّت الجذور، فتقلص الظلّ ورحل، ولم يظلمها الله ولكنها ظلمتْ نفسها".. بهذه الكلمات لخّص أحد الحكماء للملك سرّ استدامة الرخاء، فالنعم ليست صدفة عابرة، بل هي ثمرة رعاية وصيانة، وقانون إلهي يربط بين استقامة النظام وفيض الغمام.
لقد عاشت سوريا عقودا من القحط واليباس، لم يكن جفافا في السماء بقدر ما كان جفافا في القلوب والعدالة، فكانت الأرض المتشققة والبيوت المهجورة صرخة صامتة ضد الظلم والفساد. ولكن شتاء هذا العام جاء ليقلب الموازين، فما إن بدأت سوريا تتنفس نسائم الحرية وتنفض غبار الفساد والمحرّمات، حتى تفجّرت الينابيع من قلب الصخور، وسجل نبع "عين الفيجة" بدمشق ارتفاعا ملحوظا في منسوبه، ليعلن أنّ زمن الانحباس قد ولّى ولله الحمد.
إنّ هذا الفيض الرباني الذي نراه اليوم في امتلاء "سد دريكيش" في طرطوس بستة ملايين متر مكعب، وعودة الروح إلى "نهر عفرين" وريف حلب الشمالي، ليس مجرد حدث مناخي، بل هو تأكيد لسنوات التيه التي حذرنا منها السلف. فقد كان شؤم الظلم، وانتشار الرشوة، وسموم المخدرات حواجز حالت بيننا وبين القَطْر. وكما كان شيوخ دمشق يربطون قديما بين حياء المجتمع وفيض "بردى"، فإننا ندرك اليوم أنّ البركة "استقامة" شاملة، مصداقا لقول النبي ﷺ: "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء". ولعل أعظم ما يفسّر بركة هذه الأيام هو قوله ﷺ: "حدٌّ يُقامُ في الأرضِ خيرٌ للنّاسِ من أن يُمطَروا ثلاثينَ أو أربَعينَ صَباحا". فإقامة موازين القسط هي الغيث الحقيقي الذي يسبق غيث السماء.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا ينعم الكافر بالعدل والخير؟ والجواب في فقه السنن الكونية: فكما ذكر ابن تيمية: "إنَّ اللهَ يُقيمُ الدَّوْلَةَ العادِلَةَ وإنْ كانَتْ كافِرَة، ولا يُقيمُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وإنْ كانَتْ مُؤْمِنَة". وهذا ما نراه في تدفق المياه بغزارة في "نهر العاصي" و"شلالات عين الزرقاء" بإدلب، فهي رسائل سماوية تقول إنّ الإنصاف هو "المسقى" الحقيقي الذي تُسقى به شجرة الدولة ليدوم ظلّها.
إنّ الواجب علينا اليوم ليس الشكر المعنوي فحسب، بل تجسيد الحمد في شكل "إصلاح مادي" لمواردنا التي استودعنا الله إياها. إنّ الشكر الحقيقي اليوم يتجلّى في ترميم السدود، وتطهير البحيرات وإصلاح الأنهار، وحماية المحميات الطبيعية، وترشيد استخدام المياه لضمان ديمومتها للأجيال القادمة. فإصلاح النفس من المعاصي يجب أن يوازيه إصلاح الأرض من الهدر والإهمال، فالإعمار المادي هو الوجه الآخر للتقوى المعنوية.
لقد عانى شعبنا من القحط لعقود، ولكن رسالة الأرض السورية اليوم واضحة: بعد كل قحط فيض، وبعد كل صبر فرج. فلنحفظ هذه النعم بالعدل في الرعية، وبالرشاد في الإدارة، ورحم الله من قال:
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها فَإِنَّ الذُنوبَ تُزيلُ النِعَم
وَحُطهـا بِطاعَةِ رَبِّ العِبـادِ فَرَبُّ العِبادِ سَريعُ النِقَم
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات سوريا المياه سوريا مياه مطر مدونات قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء مدونات مدونات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
إعلام عبري: حزب الله شن اليوم 10 هجمات بمسيرات
ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية عن ضباط بالجيش منذ قليل، ان حزب الله شن اليوم 10 هجمات بمسيرات استهدفت قواتنا في جنوب لبنان، وفقا لما ذكرته القاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.