عربي21:
2026-06-03@05:49:08 GMT

عدل الأرض يستدعي غيث السماء..

تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT

"يا مولاي، هذه الشجرة هي الدولة، وظلّها هو النعم. إذا سقاها البستاني بماء العدل، وقلّم أغصانها بشكر الله، طال ظلّها واستراح النّاس تحتها. أمّا إذا حبس عنها الماء أو تكبّر بجمالها، جفّت الجذور، فتقلص الظلّ ورحل، ولم يظلمها الله ولكنها ظلمتْ نفسها".. بهذه الكلمات لخّص أحد الحكماء للملك سرّ استدامة الرخاء، فالنعم ليست صدفة عابرة، بل هي ثمرة رعاية وصيانة، وقانون إلهي يربط بين استقامة النظام وفيض الغمام.



لقد عاشت سوريا عقودا من القحط واليباس، لم يكن جفافا في السماء بقدر ما كان جفافا في القلوب والعدالة، فكانت الأرض المتشققة والبيوت المهجورة صرخة صامتة ضد الظلم والفساد. ولكن شتاء هذا العام جاء ليقلب الموازين، فما إن بدأت سوريا تتنفس نسائم الحرية وتنفض غبار الفساد والمحرّمات، حتى تفجّرت الينابيع من قلب الصخور، وسجل نبع "عين الفيجة" بدمشق ارتفاعا ملحوظا في منسوبه، ليعلن أنّ زمن الانحباس قد ولّى ولله الحمد.

إنّ هذا الفيض الرباني الذي نراه اليوم في امتلاء "سد دريكيش" في طرطوس بستة ملايين متر مكعب، وعودة الروح إلى "نهر عفرين" وريف حلب الشمالي، ليس مجرد حدث مناخي، بل هو تأكيد لسنوات التيه التي حذرنا منها السلف. فقد كان شؤم الظلم، وانتشار الرشوة، وسموم المخدرات حواجز حالت بيننا وبين القَطْر. وكما كان شيوخ دمشق يربطون قديما بين حياء المجتمع وفيض "بردى"، فإننا ندرك اليوم أنّ البركة "استقامة" شاملة، مصداقا لقول النبي ﷺ: "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء". ولعل أعظم ما يفسّر بركة هذه الأيام هو قوله ﷺ: "حدٌّ يُقامُ في الأرضِ خيرٌ للنّاسِ من أن يُمطَروا ثلاثينَ أو أربَعينَ صَباحا". فإقامة موازين القسط هي الغيث الحقيقي الذي يسبق غيث السماء.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا ينعم الكافر بالعدل والخير؟ والجواب في فقه السنن الكونية: فكما ذكر ابن تيمية: "إنَّ اللهَ يُقيمُ الدَّوْلَةَ العادِلَةَ وإنْ كانَتْ كافِرَة، ولا يُقيمُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وإنْ كانَتْ مُؤْمِنَة". وهذا ما نراه في تدفق المياه بغزارة في "نهر العاصي" و"شلالات عين الزرقاء" بإدلب، فهي رسائل سماوية تقول إنّ الإنصاف هو "المسقى" الحقيقي الذي تُسقى به شجرة الدولة ليدوم ظلّها.

إنّ الواجب علينا اليوم ليس الشكر المعنوي فحسب، بل تجسيد الحمد في شكل "إصلاح مادي" لمواردنا التي استودعنا الله إياها. إنّ الشكر الحقيقي اليوم يتجلّى في ترميم السدود، وتطهير البحيرات وإصلاح الأنهار، وحماية المحميات الطبيعية، وترشيد استخدام المياه لضمان ديمومتها للأجيال القادمة. فإصلاح النفس من المعاصي يجب أن يوازيه إصلاح الأرض من الهدر والإهمال، فالإعمار المادي هو الوجه الآخر للتقوى المعنوية.

لقد عانى شعبنا من القحط لعقود، ولكن رسالة الأرض السورية اليوم واضحة: بعد كل قحط فيض، وبعد كل صبر فرج. فلنحفظ هذه النعم بالعدل في الرعية، وبالرشاد في الإدارة، ورحم الله من قال:

إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها    فَإِنَّ الذُنوبَ تُزيلُ النِعَم
وَحُطهـا بِطاعَةِ رَبِّ العِبـادِ    فَرَبُّ العِبادِ سَريعُ النِقَم

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات سوريا المياه سوريا مياه مطر مدونات قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء مدونات مدونات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • أسعار الذهب اليوم الأربعاء 3 يونيو
  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • رصاص الأفراح في ريف المخا.. موت راجع من السماء يهدد الأهالي
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • انفجار نيزك في أمريكا يثير ذعر المواطنين .. كيف وصل إلى الأرض؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟