جاء المؤتمر الخامس للشبكة الإقليمية للبنوك المركزية الذي استضافه البنك المركزي العماني اليوم بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي ليضع سؤال المرونة الاقتصادية في صدارة النقاش من خلال طرح أوراق بحثية تفكك وتعيد التفكير في السياسات المالية والنقدية ومسارات الإصلاح وسط اقتصاد يتكبد أزمات متلاحقة.

وعكست أوراق العمل (البالغ عددها إجمالا 15 ورقة تم انتقاؤها ضمن منافسة بحثية دولية وتسلط الضوء على آليات تحقيق المرونة والإصلاحات الاقتصادية في أوقات عدم اليقين، وإعادة صياغة السياسات المالية والنقدية والتحول في المنطقة ) أن التحديات الراهنة لم تعد محصورة في تقلبات عابرة بل باتت متأصلة في الاقتصاد العالمي وتشمل هذه التحديات اختلالات المالية العامة وتراكم الدين وتراجع فاعلية السياسة المالية في بيئات عالية عدم اليقين، إلى جانب الضغوط التي يفرضها تفكك التجارة العالمية وتسارع التحول التقني، وأجمع المشاركون بأن تصميم السياسات لم يعد ممكنا أن يتم بعيدًا عن التوقيت والسياق والتسلسل الذي يحدث خلالها أو عن البيئة العالمية التي تنفذ فيها، وأن كلفة الإصلاح الخاطئ أو المتأخر قد تفوق كلفة الإصلاح ذاته.

وأكد الخبراء المشاركون أن بناء المرونة الاقتصادية في المنطقة يمكن أن يتم من خلال معالجة التحديات الهيكلية المزمنة وفي مقدمتها الاعتماد على النفط وضعف مساهمة القطاع الخاص ومحدودية خلق الوظائف المنتجة ومن خلال إعادة تعريف دور البحث العلمي والبيانات والتقنيات الحديثة في دعم القرار الاقتصادي.

نقاشات إقليمية حول المرونة والإصلاح

ويهدف المؤتمر الذي يستمر على مدى يومين في كراون بلازا القرم إلى تعزيز دور البحث العلمي في دعم عملية صنع القرار وصياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية والمالية، وتعميق الحوار حول تحديات وفرص التنمية التي تواجهها اقتصادات المنطقة. وحول أهميته أكد معالي أحمد بن جعفر المسلمي محافظ البنك المركزي العُماني خلال كلمته أن استضافة البنك المركزي العماني لهذا الحدث تُبرز التزامًا مشتركًا بتعزيز الأطر التحليلية والتعمق في فهم الترابطات الاقتصادية، وهي أمور أساسية لدعم صناع السياسات في تصميم سياسات فعالة وتطلعية تحافظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، ولفت معاليه إلى أن مؤتمر الشبكة الإقليمية للأبحاث لهذا العام يسعى لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا، مركزًا على بناء المرونة ومتابعة الإصلاحات الهيكلية في ظل الاضطرابات العالمية المتزايدة والتوترات الجيوسياسية ومخاطر المناخ وظروف الشد المالي العالمي.

وأكد معالي أحمد المسلمي أن البنك المركزي العُماني يتجه لإطلاق أول إطار حوكمة للأبحاث في عام 2026، بما ينظّم أجندة الأبحاث السنوية ويعزّز الشراكات البحثية داخليًا وخارجيًا، مع إطلاق جائزة بحثية لتشجيع مشاركة الكفاءات الشابة، بهدف رفع جودة وتأثير الأبحاث ودعم صنع القرار الاقتصادي المستند إلى البيانات، انسجامًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وأشار د. قيس بن عيسى اليحيائي، نائب الرئيس التنفيذي لقطاع الاستقرار المالي بالبنك المركزي في تصريحات لـ"عمان" وأشار إلى أن توقيت انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة دقيقة، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق الاقتصادية والمالية العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية، والحروب التجارية وحروب العملات، والتسارع التقني المتسارع، إضافة إلى التحديات التي تواجه دول المنطقة، مثل ارتفاع مستويات المديونية، واتساع عجز الموازنات، وضعف التصنيفات الائتمانية في بعض الدول، وارتفاع معدلات التضخم، خصوصًا في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير الخليجية.

التجارة العالمية تفقد حيويتها

وتناول إندرميت جيل، كبير الاقتصاديين ونائب الرئيس الأول في مجموعة البنك الدولي، في الكلمة الرئيسية الأولى للمؤتمر أوضاع الاقتصاد العالمي في ظل تصاعد الحواجز التجارية وتراجع زخم العولمة، وأوضح أن التجارة العالمية ما تزال قائمة لكنها فقدت حيويتها منذ بداية العقد الماضي مع استقرار حجمها مقارنة بالناتج العالمي وازدياد القيود الحمائية، نتيجة اختلالات في موازين الحساب الجاري وصعود النزعات الشعبوية وضعف الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وحذر جيل من تفاقم أوضاع المالية العامة في الاقتصادات الناشئة، مع ارتفاع مستويات الدين وتزايد كلفة خدمته مشيرًا إلى أن السياسة المالية أصبحت أكثر عرضة للضغوط مقارنة بالسياسة النقدية، كما دعا إلى استعادة الانضباط المالي من خلال قواعد مالية أكثر فاعلية، وتنشيط التجارة عبر خفض الرسوم والحواجز مؤكدًا أن مشكلات التجارة العالمية لا تعود إلى فشل التجارة الحرة نفسها، بل إلى سياسات غير متوازنة أضعفت دورها.

السياسة المالية واختبار عدم اليقين

وتضمن المؤتمر في يومه الأول نقاشات حول السياسة المالية وضبط الأوضاع المالية واستدامة الدين، ففي ورقته بعنوان " لماذا ترتفع تكلفة الاقتراض في الدول النامية" تطرق إسحاق ديوان للأسباب التي جعلت كلفة التمويل الخارجي مرتفعة ومزمنة في العديد من الاقتصادات النامية حتى في الفترات التي لا تشهد أزمات مالية حادة وخلصت الورقة إلى أن تراكم ديون مؤسسات التمويل الدولية لا يؤدي بالضرورة إلى تحفيز النمو بل قد يصبح عاملًا مثبطًا له عندما يُستخدم كحل مؤقت بدل معالجة الاختلالات الهيكلية، كما أشارت الورقة إلى أن الوصمة المرتبطة بإعادة هيكلة الديون تدفع كثيرًا من الدول إلى تأجيل المعالجة والدخول في ما وصفه بـ"أزمة صامتة" بدل اللجوء المبكر إلى إعادة التنظيم، ودعا ديوان إلى تبني قواعد مؤسسية واضحة لإدارة الديون بدل الاعتماد على القرارات التقديرية مقترحًا تطوير مبادرات تعليق خدمة الدين بصيغة أكثر تقدمًا خاصة في الدول التي تجاوز فيها الدين السيادي الآمن حدوده القصوى بما يحقق توازنًا أفضل بين الاستدامة المالية ومتطلبات التنمية

وسلط معز بن طاهر من جامعة دار العلوم الضوء في ورقته البحثية بعنوان "إعادة التفكير في السياسة المالية في الدول المعتمدة على النفط: الدورية المالية غير المتماثلة وانعكاساتها الاقتصادية الكلية في المملكة العربية السعودية" على التحولات التي طرأت على تكاليف الاقتراض السيادي في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل منذ عام 2014، وتذهب الورقة إلى أن العوامل الخارجية وليس السياسات المحلية فقط أصبحت المحرك الرئيس لاتساع فروق العوائد على السندات، مستندة إلى تحليل قياسي لبيانات لوحية خلال الفترة (2019–2023).

أما الباحث عبدالحميد مستبشر فقد ناقش في الورقة التي استعرضها خلال المؤتمر تأثير سياسات التقشف المالي على النمو الاقتصادي في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، وأوضحت الورقة أن خفض الإنفاق أو تشديد السياسات المالية غالبًا ما يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي يستمر لفترة وليس تأثيرًا مؤقتًا فقط كما بيّنت أن كلفة التقشف تكون أعلى عندما يُطبق في فترات يسودها عدم اليقين الاقتصادي أو عندما تكون مستويات الدين مرتفعة أو أثناء فترات الركود. وأكدت الورقة هنا أن نجاح برامج الضبط المالي لا يعتمد على حجم الإجراءات فحسب بل على توقيت تطبيقها وتسلسلها، فتنفيذ التقشف خلال فترات التوسع الاقتصادي يكون أقل كلفة على النمو مقارنة بتطبيقه في أوقات الأزمات، كما أشارت إلى أن اتباع مسارات تدريجية وواضحة يعزز الثقة ويحد من الأثر السلبي على الاقتصاد، مقارنة بالإجراءات السريعة والحادة.

وفيما يتعلق بالسياسات العامة، دعت الورقة إلى دعم إجراءات التقشف بسياسات مساندة، مثل توفير السيولة ودعم الاستقرار المالي حيثما أمكن إلى جانب تعزيز الأطر المالية وبناء هوامش وقائية تحمي الاقتصاد من الصدمات المستقبلية مع تحسين توقعات النمو وأدوات التخطيط المالي بما يعكس الظروف الاقتصادية القائمة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التجارة العالمیة السیاسة المالیة البنک المرکزی عدم الیقین الورقة إلى فی الدول من خلال إلى أن

إقرأ أيضاً:

الأكاديمية السلطانية للإدارة تُطلق برنامج صنع وتنفيذ السياسات العامة

العُمانية/ أطلقت الأكاديمية السلطانية للإدارة برنامج "صنع وتنفيذ السياسات العامة"، وذلك بالتعاون مع كلية كينغز لندن، في خطوة تجسد التزام الأكاديمية بتطوير القدرات الوطنية وتمكين القيادات الحكومية من تحويل التوجهات الوطنية إلى سياسات ومبادرات قابلة للتنفيذ تُحقق أثرًا ملموسًا ومستدامًا.

يأتي تنفيذ البرنامج انسجامًا مع توجهات رؤية عُمان 2040، وسعي سلطنة عُمان إلى بناء جهاز إداري حديث ومبتكر يتمتع بالكفاءة والمرونة والقدرة على استشراف المستقبل، إلى جانب تعزيز التكامل المؤسسي ورفع جودة الخدمات الحكومية، ما يدعم مسيرة التنمية الوطنية الشاملة ويواكب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية المتسارعة على المستويين الإقليمي والعالمي. كما يعكس البرنامج اهتمام الأكاديمية السلطانية للإدارة بتطوير القيادات الوطنية وفق منهجيات حديثة تُعزز ثقافة الابتكار وصناعة الأثر المؤسسي.

ويستهدف البرنامج مدراء الدوائر ورؤساء الأقسام في الوزارات والمؤسسات الحكومية ممن يمتلكون خبرة مهنية لا تقل عن (10) سنوات، ويشغلون مناصب قيادية إشرافية، حيث يشارك فيه (30) مشاركًا من مختلف وحدات الجهاز الإداري للدولة على مدى أربعة أشهر، ضمن بيئة تعلمية وتطبيقية متكاملة تجمع بين الجوانب النظرية والممارسات العملية.

ويهدف البرنامج إلى تمكين المشاركين من تطوير المهارات والرؤى اللازمة لتحويل الاستراتيجيات الوطنية إلى سياسات قابلة للتنفيذ تُحقق نتائج فعّالة ومستدامة، إلى جانب تعزيز قدرتهم على تحليل العوامل المؤثرة في تنفيذ السياسات العامة، ومتابعة أثرها وتقييم فعاليتها مقارنة بالنتائج المستهدفة، ما يسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز التكامل والتعاون بين الجهات الحكومية المختلفة. كما يركز البرنامج على تطوير قدرة المشاركين على توصيل السياسات العامة بصورة أكثر فاعلية إلى أصحاب المصلحة والمجتمع، ما يعزز جودة اتخاذ القرار وتحقيق الأثر التنموي المستدام.

ويتضمن البرنامج مجموعة من الوحدات التدريبية المتخصصة التي تغطي عددًا من المحاور الرئيسة، تشمل "صياغة السياسات في الوقت الحاضر"، و"صنع السياسات في المستقبل"، و"السياسات العامة قيد التنفيذ"، إضافة إلى ورشة تخصصية بعنوان "المجتمع والذكاء الاصطناعي"، إلى جانب جلسة تعريفية بالبرنامج وورشة حول القيادة.

كما يتضمن البرنامج تدريبًا عمليًّا على المشروعات، وزيارات ميدانية إلى كلية كينغز لندن بالمملكة المتحدة، بهدف تعزيز التجارب التطبيقية للمشاركين وإتاحة الفرصة للاطلاع على أفضل الممارسات والتجارب الدولية في مجال صنع وتنفيذ السياسات العامة.

وأكدت الدكتورة فتحية بنت عبدالله الراشدي، مساعدة رئيس الأكاديمية السلطانية للإدارة لشؤون البرامج، أن البرنامج يأتي ضمن توجهات الأكاديمية الرامية إلى إعداد قيادات وطنية تمتلك أدوات تحليلية واستشرافية متقدمة، قادرة على تطوير سياسات عامة أكثر كفاءة واستدامة، بما يواكب الأولويات الوطنية والمتغيرات المتسارعة في بيئات العمل الحكومية.

وأضافت أن البرنامج يسهم في تمكين المشاركين من تحويل الخطط والاستراتيجيات إلى سياسات ومبادرات قابلة للتنفيذ تُحقق أثرًا ملموسًا على مستوى الأداء الحكومي وجودة الخدمات، مؤكدةً استمرار الأكاديمية في تصميم برامج نوعية تعزز جاهزية القيادات الوطنية وتدعم بناء جهاز إداري حديث ومبتكر.

من جانبه، أوضح الدكتور أحمد اللواتي، مشرف البرنامج أن البرنامج صُمم وفق منهجية تعلمية متكاملة تجمع بين الجوانب النظرية والتطبيقية، بما يمكّن المشاركين من فهم التحديات المرتبطة بصنع وتنفيذ السياسات العامة، وتعزيز قدرتهم على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة والبيانات. مشيرًا إلى أن البرنامج يركز على تطوير فهم المشاركين لدورة السياسات العامة بمختلف مراحلها، إلى جانب تعزيز مهارات التفكير المستقبلي وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في دعم صناعة القرار الحكومي، من خلال جلسات تخصصية ودراسات حالة وزيارات ميدانية وتدريب عملي على المشاريع، ما يعزز الجانب التطبيقي ويربط المفاهيم النظرية بالتحديات الواقعية في بيئات العمل الحكومية.

ويأتي إطلاق البرنامج في إطار جهود الأكاديمية السلطانية للإدارة الساعية إلى بناء منظومة قيادية وطنية تمتلك القدرة على التعامل مع التحديات المستقبلية وصناعة سياسات عامة أكثر مرونة واستدامة، بما يعزز تنافسية القطاع الحكومي ويرسخ ثقافة العمل المبني على المعرفة والابتكار وصناعة الأثر، دعمًا لمسيرة التنمية الوطنية وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

مقالات مشابهة

  • رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
  • الأكاديمية السلطانية للإدارة تُطلق برنامج صنع وتنفيذ السياسات العامة
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • البنك المركزي الجنوب أفريقي يتعهد بخفض التضخم إلى 3%
  • برلماني: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمتلك مقومات لتصبح مركزًا عالميًا لإدارة سلاسل الإمداد
  • رحيل محمد عبد المنصف عن البنك الأهلي
  • المركزي الإيراني: معدلات التضخم بمايو تتجاوز مستويات الحرب العالمية الثانية
  • من المنهج.. «التعليم» تحدد مواصفات امتحانات الشهادة الإعدادية 2026
  • خلال اجتماع اقتصادية الشيوخ.. تساؤلات حاسمة للحكومة حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027
  • الأهلي ينتظر قرار كوكا بشأن التجديد.. والإدارة ترفض تعديل العرض المالي