مبادرة ولي العهد..السردية الأردنية مقاربة فكرية وبنيوية لإعادة تشكيل الوعي الوطني
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
صراحة نيوز- بقلم: حسن محمد الزبن
مبادرة ولي العهد “السردية الأردنية” تُمثل مقاربة فكرية وبنيوية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الوطني بصورة شاملة.نسأل الله أن يوفق هذا العمل الوطني الكبير وأن يُكلل بالنجاح، لا سيما في ضوء التحديات التي تستدعي موارد مالية ضخمة لتلبية الاحتياجات المختلفة المرتبطة به.
ففكرة إنشاء موسوعة أردنية شاملة ليست جديدة، وقد كانت موجودة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
وأثناء زيارتنا ضمن وفد رسمي، بمعية الأستاذ الصحفي والإعلامي ماجد القرعان ونخب وطنية التقيت معالي رئيس الديوان الملكي يوسف حسن العيسوي بعد التقاط الصور التذكارية. وعند توديعه، أشرت له بصعوبات لموضوع متعلق بعمل الموسوعة الأردنية، وأوضحت أن الوقت لا يتيح شرحه بالتفصيل وأنه يحتاج لجلسة وموعد للنقاش. استجاب رئيس الديوان على الفور، وطلب من أحد موظفي مكتبه الخاص تسجيل رقم هاتفي وتحديد موعد للتواصل معي. ومع ذلك، لم يتم الاتصال لاحقًا ولم يجر اللقاء.
ومع ذلك، يبقى العمل مستمرًا وتظل أهمية السردية الوطنية الأردنية محورًا مركزيًا ليس فقط لتوثيق التاريخ بل لإعادة بناء أسس الهوية الوطنية وتقديم الرواية الأردنية للعالم بفكر فلسفي متجدد. السردية الوطنية تعد عنصرًا أساسيًا لتعزيز الانتماء الوطني بين الأجيال الحديثة، ولفهم حاضرهم والمشاركة في صياغة مستقبلهم. الأردن نجح عبر عقود في تشكيل روايات متعددة حول التأسيس والشرعية والهوية والصمود أمام الأزمات، إلا أن هذه الروايات ظلت متفرقة ومجزّأة دون تكامل حقيقي يجمعها في إطار سردي شامل يتفاعل مع التحولات الإقليمية والعالمية.
توجيهات سمو ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني أكدت أهمية صياغة سردية وطنية مُمنهجة كإطار معرفي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، مشددة على دورها في حماية الرواية الوطنية من التشويه ونقلها بحيادية وصدق للأجيال القادمة.
تُعد السردية الوطنية الأردنية اليوم أكثر من مجرد رواية تتحدث عن التاريخ؛ فهي تمثل إطارًا معرفيًا وثقافيًا يمزج بين الماضي والحاضر ويؤسس لرؤية مستقبلية تعزز الهوية الوطنية الشاملة. وقد شدد سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني على دور السردية الوطنية كوسيلة رئيسية لتعزيز الانتماء الوطني، تمكين الشباب، والعمل على حماية الرواية التاريخية للأردن من أي تحريف أو تشويه. هذه السردية ليست مجرد قصص عن الماضي، بل هي مشروع وعي متجدد ينطلق من تجربة الإنسان الأردني منذ العصور القديمة، مرورًا بفترات تاريخية مهمة شملت الأدوميين، العمونيين، المؤابيين، الأنباط، الرومان، البيزنطيين، وانتهاءً بالعصر الإسلامي والعصر الحديث وتأسيس الدولة الحديثة.
تهدف السردية إلى جمع وتحليل مختلف محطات التاريخ التي تشكلت منها الهوية الأردنية، مع التركيز على عناصر محورية مثل الاعتدال، الاستقرار، التضامن الاجتماعي، التعددية، والانفتاح الإنساني. كما تسعى إلى ربط السردية الوطنية بالمؤسسات الأكاديمية والإعلامية لتفعيل دورها في بناء وعي الأجيال الجديدة بهويتهم الوطنية وتعزيز قدرتهم على سرد الرواية الأردنية بكفاءة وإقناع.
وفي ظل الضوضاء العالمية وكثرة التداخلات بين الهويات والسرديات، تبرز الحاجة المُلحَّة لوضع خطاب وطني جديد ليس كترف فكري بل كأولوية وطنية؛ فالسردية ليست شعارًا عابرًا أو مجرد وثيقة سياسية، بل هي مشروع وعي متكامل يجيب على أسئلة الهوية، يفسر الماضي، يعطي الحاضر معناه ويشرف على الأفق المستقبلي. لطالما عانى الأردن من سرديات متباينة ومتداخلة، تنوعت بين روايات تراث الأصول والمنابت وروايات اللجوء والهجرة إلى جانب البناء والحداثة والوصاية الهاشمية في مواجهة التحديات الأمنية. لكن التعامل مع هذه الروايات كان غالبًا ما يأتي كرد فعل لحالات طارئة دون أن يُصبغ عليه طابع المشروع الوطني القائم على رؤية بعيدة المدى لبناء سردية مستقرة ومؤثرة.
وعليه تبرز الحاجة إلى إعادة تشكيل السردية الوطنية الأردنية برؤية تقوم على الثقة بالنفس بدلاً من الخوف من الآخر. سردية تعبر عن الذات منطلقة من المستقبل بقدر ما ترتبط بالجذور، مبنية على القوة الإيجابية التي تضيفها الهوية الأردنية بدلًا من الوقوف عند حدود ما يميزها عن الآخر.
أولاً: الجغرافيا السياسية وتحويل العبء إلى مصدر قوة تحملت الدولة الأردنية أعباء كونها جزءًا من منطقة مشتتة الأوضاع الجيوسياسية لوقت طويل، مما ساهم في رؤية الجغرافيا كعبء ثقيل. ومع ذلك، فإن التحولات الحديثة تفتح الباب أمام قراءة جديدة تجعل من موقع الأردن منصة حضارية تربط بين الشام والجزيرة العربية ونقطة توازن إقليمي. وبدلاً من النظر للجغرافيا كمعضلة دائمة، يمكن استغلالها كأساس لدور إقليمي ريادي ومبادر يعزز وجود الأردن كلاعب أساسي لا تابع أو محايد.
ثانيًا: الهوية.. من التشرذم إلى التوحد. تشير معظم الأطروحات الفكرية إلى أن التنوع الأردني ليس أزمة في ذاته، وإنما الإشكالية تكمن في تحويل هذا التنوع إلى انقسامات. تقدم السردية الوطنية الجديدة رؤية مختلفة تعتبر أن الهوية المدنية العليا لا تعني اختزال التنوع ولا نفيه، بل احتوائه في هوية جامعة تقوم على القيم التالية:
الولاء للدولة ومؤسساتها.
احترام التنوع دون جعله أداة تنافس قد تضعف الوحدة.
الانتقال من تصنيفات ترتكز على الأصل والمنبت إلى مفاهيم الفاعلية والمواطنة.
بهذا التصور تصبح الهوية الأردنية عامل توحيد واستقرار ومصدر قوة يعزز مشاركة الجميع في بناء المستقبل المشترك.
ثالثًا: الإنسان الأردني.. القصة التي لم تُروَ بعد
الكتابات جميعها تلمّح إلى فجوة: أن الإنسان الأردني هو الحلقة الأكثر غيابًا عن خطاب الدولة.
فالسردية لم تتحدث عن طموحه، قلقه، أحلامه، كفاءته، ونجاحاته، رغم أن هذا الإنسان كان وما يزال أهم ثروات البلاد.
السردية الجديدة تجعل الإنسان مركز القصة، لا هامشها، من خلال:
الاحتفاء بالإبداع والإنجاز والفعل الإيجابي.
إبراز قصص النجاح بدل الاكتفاء بسرديات الثبات أو النجاة.
إعادة تعريف الأردني كفاعل لا كموضوع للرعاية أو الحماية.
رابعًا: التاريخ… سردٌ بلا تمجيد، ووعي بلا إنكار
السردية المطلوبة لا تعيد كتابة التاريخ، بل تعيد قراءته:
التجربة الأردنية لم تكن خطًا مستقيمًا بلا عثرات؛ كانت مزيجًا من بناء الدولة، واحتواء التحولات، واجتياز التحديات.
لكن الروايات المتداولة كثيرًا ما تميل إلى التمجيد أو النقد المفرط.
السردية الحديثة تعتمد منهجًا ثالثًا:
قراءة نقدية للتاريخ دون هدم رموزه.
استعادة قيم القيادة الهاشمية، خصوصًا الوصاية على القدس، بوصفها ركيزة هوية سياسية وأخلاقية.
تحويل التجربة التاريخية إلى مصدر تعلم وفهم لا إلى سجال سياسي.
خامسًا: الدولة.. من “دولة النجاة” إلى “دولة المبادرة”
خطاب الدولة التقليدي قائم إلى حد كبير على حماية الاستقرار، والنجاة من الأزمات، وتعظيم الثبات.
لكن الأجيال الشابة تريد سردًا آخر: سردًا يرى الأردن قادرًا على المبادرة، وإنتاج الأفكار، والانخراط الفاعل في الاقتصاد العالمي، والتحول إلى قوة ناعمة.
السردية الوطنية الجديدة يجب أن تقدم الدولة بوصفها:
منتجة للفرص لا مجرد كابحة للمخاطر.
صانعة للسياسات لا مستجيبة للظروف.
دولة قانون وعدالة تضمن الثقة بين المواطن والمؤسسات.
سادسًا: القدس.. قلب السردية ومحورها
تتقاطع الآراء على أن القدس والوصاية الهاشمية ليست ملفًا سياسيًا بل محور هوية.
فهي البعد الأخلاقي والروحي الذي يشكل عمقًا للسرد الوطني ويمنح الأردن موقعًا تاريخيًا فريدًا.
إلا أن هذا الدور يحتاج من السردية الجديدة إلى تأكيد بعدين إضافيين:
البعد الإنساني المقاوم، والبعد الحضاري الذي يحمّل الأردن مسؤولية حماية الإرث والوجود العربي في المدينة.
سابعًا: العمران والمدينة.. الذاكرة المكانية هوية إضافية
المكان الأردني، من عمّان وجرش والطفيلة وإربد وصولًا إلى البادية والبحر الميت، يشكل ذاكرة حية لم تُستخدم بشكل كافٍ في الهوية الوطنية.
السردية الجديدة تتعامل مع المكان كجزء من تكوين الشخصية الأردنية:
المدينة، الجبال، الفضاء البدوي، الحضر، التراث، العمارة المعاصرة… كلها عناصر قادرة على خلق وحدة وجدانية تتجاوز الخطاب السياسي.
ثامنًا: التحدي الأكبر.. الانتقال من سردية الدولة إلى سردية المجتمع
لا تنجح أي سردية إن بقيت خطابًا رسميًا فوقيًا.
فالسردية الحقيقية هي تلك التي:
يولدها المجتمع ويعيد إنتاجها.
تتشكل في المدرسة والجامعة والشارع والبيت.
تتجسد في الفنون والأغاني والأفلام والمهرجانات والفضاء الرقمي.
تحوّل الانتماء من مشاعر عابرة إلى ممارسة يومية.
فالسردية الأردنية الجديدة ليست وثيقة حكومية ولا خطة إعلامية، هي قصة وطن، تعاد كتابتها على ضوء القرن الجديد، تستلهم ماضيًا ثريًا، وتستجيب لتحديات الحاضر، وتفتح آفاق المستقبل وهي مشروع طويل لا تقوم به الدولة وحدها، ولا المثقف وحده، ولا الجيل الجديد وحده، بل يقوم به الجميع.
فالأردن اليوم يحتاج سردية تقول: نحن لسنا أبناء الصدفة، ولسنا أسرى الجغرافيا، ولسنا حراس استقرار الآخرين؛ نحن صنّاع قيمة، وبناة فكرة، وحملة مشروع إنساني ممتد. وهذه هي القصة التي يجب أن تُروى.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام السردیة الوطنیة ولی العهد ومع ذلک خطاب ا
إقرأ أيضاً:
29 ألف حركة جوية عبر المطارات الأردنية منذ بداية 2026
صراحة نيوز- أعلن رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم الطيران المدني، ضيف الله الفرجات، عن إحصائيات الحركة الجوية في الأردن منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية شهر أيار الماضي. وأكد الفرجات أن الأجواء والمطارات الأردنية شهدت نشاطاً تشغيلياً ملحوظاً يعكس الكفاءة العالية لمنظومة الملاحة الجوية والخدمات الأرضية في المملكة.
وأوضح الفرجات، أن إجمالي حركة الطائرات (القادمة والمغادرة) عبر المطارات الأردنية قد بلغ 29,096 حركة جوية. وتوزعت هذه الحركة بين 14,159 طائرة قادمة (وصول) و14,937 طائرة مغادرة (إقلاع).
وعلى صعيد الطائرات العابرة للأجواء الأردنية، أشار عطوفته إلى أن حركة العبور سجلت نمواً قوياً ومستقراً، حيث بلغ عدد الطائرات التي عبرت الأجواء الوطنية 42,273 طائرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، مما يؤكد الموقع الاستراتيجي للمملكة كشريان حيوي وآمن للملاحة الجوية الإقليمية والدولية والذي جاء نتيجة لانجاز مشاريع جديدة في الملاحة الجوية وكان اخرها مشروع تحديث ومراجعة كافة الاجراءات الملاحية في المجال الجوي الاردني والذي تم افتتاحه خلال احتفالات المملكة بعيد الاستقلال الثمانين.
وفي ختام تصريحه، شدد الكابتن الفرجات على التزام هيئة تنظيم الطيران المدني المستمر بتطبيق أعلى معايير السلامة والأمن الجوي وتطوير البنية التحتية للملاحة الجوية، مشيداً بالجهود المشتركة لكافة الكوادر العاملة في الهيئة والمطارات الأردنية لضمان انسيابية وسلامة حركة الطيران في أجواء المملكة.
ومن جانب اخرى ذكر الفرجات ان 25 شركة طيران عاودت تشغيلها المنتظم من وإلى مطارات المملكة ومن المتوقع ارتفاع عدد هذه الشركات مع قرب عودة عدد من شركات الطيران الاوروبية الى المملكة وعلى الأخص شركات منخفضة التكاليف.