بوابة الوفد:
2026-06-02@17:57:41 GMT

تاريخ نشأة الصرح العلمي والديني الأزهر الشريف

تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT

أسس الصرح العلمي والديني الأزهر الشريف على يد الفاطميون في القاهرة؛ ليكون مركزًا رئيسًا للدراسة الدينية والعلمية في العالم الإسلامي؛ مرَّ الأزهر بتطورات كبيرة عبر العصور حيث تعرض للإغلاق، والتجديد، وظل دائمًا منارة للعلم والعلماء.


نشأة الأزهر الشريف

نشأ الأزهر في العصر بعد جهود مضنية استطاع الفاطميون- الذين ينسبون أنفسهم إلى السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم- أن يقيموا لهم دولة في شمال إفريقيا سنة؛ ولكن هدفهم الرئيسي كان حكم مصر، والشرق الإسلامي، وقد تحقق لهم هذا الهدف في عهد خليفتهم الرابع المعز لدين الله، الذي أرسل قائده الشهير جوهر الصقلي على رأس جيش كثيف إلى مصر، فاستولى عليها، وفي نفس اليوم الذي دخل فيه جوهر مصر، شرع في تأسيس عاصمة للدولة الجديدة، هي مدينة القاهرة، التي أطلق عليها جوهر في البداية المنصورية نسبة إلى الخليفة المنصور والد الخليفة المعز، ولكن المعز نفسه عندما حضر إلى مصر، غير اسمها إلى مدينة القاهرة، تفاؤلاً بأنها ستقهر غيرها، حسب ما يروي بعض المؤرخين في سبب تلك التسمية.

[انظر: محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، الطبعة الثانية، مؤسسة الخانجي. القاهرة ص ١٦].

إنشاء الجامع الأزهر: من التقاليد الإسلامية الثابتة أن كل مدينة جديدة لا بد أن يقام بها مسجد جامع، وتمشيا مع هذه التقاليد شرع جوهر الصقلي في بناء الجامع الأزهر في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩هـ الموافق للسابع من مايو ٩٧٠م، واستغرق البناء نحو عامين، وفي السابع من شهر رمضان سنة ٣٦١هـ الموافق للثالث والعشرين من يونيو سنة ٩٧٢م، أقيمت فيه أول صلاة جمعة. [المرجع السابق ص١٨].

وأطلق عليه في البداية جامع القاهرة، ثم غلب عليه الاسم الذي أعطاه شهرة عالمية، قلما حظي بها مسجد آخر في العالم الإسلامي وهو: الجامع الأزهر، وأرجح أقوال المؤرخين أن هذه التسمية جاءت تيمناً باسم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. [المرجع السابق ص١٩].

من السمات الرئيسية للإسلام أن المساجد فيه لم تكن مقصورة على أداء الصلوات، بل كانت تقوم بوظائف أخرى كثيرة ولا زالت؛ من أهمها: التعليم. ولما كانت الدولة الفاطمية دولة مذهبية تعتمد المذهب الشيعي الإسماعيلي في نظامها كله، وفي نظامها السياسي، فقد جعلت الجامع الأزهر منبرًا لنشر وترويج ذلك المذهب في مصر، وفي الوقت نفسه كانت تدرك صعوبة ذلك؛ لأنها تعلم مدى تمسك المصريين بمذهب أهل السُّنة والجماعة، فلم تلجأ إلى العنف في نشر مذهبها؛ ولكنها مضت قدمًا في نشره بوسائل سلمية، وتحقق لها غرضها على المدى البعيد، فبدأت بتغيير صيغة الأذان السُّني إلى صيغة الأذان الشيعي المعروفة.

وشيئاً فشيئاً أدخلت كل الطقوس، والمراسم الشيعية في الاحتفالات، والأعياد، والجامع الأزهر منذ تأسيسه أصبح معروفاً بأنه المسجد الرسمي للدولة الفاطمية، فهو مقر لقاضي القضاة، وداعي الدعاة، والمحتسب الذي كان يتبعه جهاز كبير من الموظفين في كل الاختصاصات، وكان له نواب في أنحاء البلاد، وهذا كله أضفى على الجامع الأزهر الطابع الرسمي. [انظر: د/عبد العزيز محمد الشناوي. الأزهر جامعا وجامعة، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو المصرية-القاهرة ١٩٨٣ ج ١، ص٤٦. ٤٧].


الدراسة في الجامع الأزهر
بدأت الدراسة في الجامع الأزهر بعد مضي نحو ثلاث سنوات ونصف على إنشائه على شكل حلقات على النحو الذي كان مُتبعًا في كل المساجد في العالم الإسلامي في ذلك الزمان، وكان أول شيخ جلس للتدريس في الجامع الأزهر هو قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد النعمان القيرواني، وأول الدروس التي ألقاها كانت من كتاب "الاختصار في الفقه الشيعي"، وهو من تأليف والده، وظل بنو النعمان يتصدرون الحلقات الدراسية في الجامع الأزهر، ثم انضم إليهم غيرهم من شيوخ المذهب.

دور الوزير يعقوب بن كِلِّس في تطوير الدراسة في الجامع الأزهر: يعقوب بن يوسف الملقب بابن كِلِّس، وكنيته أبو الفرج، يقال: إنه يهودي من أصل عراقي، ثم هاجر إلى الشام، ثم إلى مصر، ثم إلى المغرب؛ ليلتحق بخدمة الدولة الفاطمية، وقد اعتنق الإسلام، وتفقه في المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبدأ يلقي الدروس بنفسه في ذلك المذهب، وكان يحضر دروسه حشد كبير من القضاة، والفقهاء، ورجال الحكومة، مما يدل على أهمية الرجل التي لم تقتصر على إلقاء الدروس في الجامع الأزهر، بل خطا به خطوات هائلة؛ لتحويله إلى جامعة إسلامية؛ لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي.

ولما كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي ٣٦٥/٣٨٦هـ- ٩٧٥/٩٩٦م قد اختار ابن كِلِّس؛ ليكون وزيره الأول، والمنفذ في دولته، فقد أعد الرجل للأزهر ما عرف بمشروع ابن كِلِّس [د / عبد العزيز محمد الشناوي مرجع سابق ج ١، ص ٥٣] الذي عرضه على الخليفة، ووافقه عليه، وملخصه: "أن يختار الشيوخ الذين يُدَرِّسون، والطلبة الذين يَدْرُسون؛ لترسيخ المذهب، وأن تشملهم الدولة برعايتها، فترتب لهم مرتبات شهرية، وسكنًا لائقًا بالقرب من الأزهر"، وكان هذا كله أعطى دفعة هائلة للجامع الأزهر بفضل يعقوب بن كِلِّس.

العلوم التي كانت تدرس في الجامع الأزهر في العصر الفاطمي: إضافة إلى علوم أصول المذهب الشيعي التي كان يقوم بتدريسها بنو النعمان، والوزير ابن كلس نشأت علوم أخرى لغوية، وأدبية، بل إن بعض المتخصصين في تاريخ الجامع الأزهر [محمد عبد الله عنان. مرجع سابق ص ٩٠] يذكرون أن الدراسة فيه تجاوزت العلوم الدينية واللغوية، وشملت علومًا أخرى كثيرة، مثل: المنطق والطب والفلسفة والرياضيات، ولكن على نطاق ضيق.

تخصيص دروس للنساء في الجامع الأزهر: لم تقتصر الدراسة في الجامع الأزهر على الذكور، بل شملت النساء؛ فطلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، وكان تعليم النساء في الجامع الأزهر لنساء عامة الشعب، أما نساء القَصْر، وكبار رجال الدولة، فكن يتلقين الدروس في قصر الخليفة. [د/ عبد العزيز محمد الشناوي. مرجع سابق ج١ ص ٦٨].

أبرز العلماء الذين درسوا في الأزهر في العصر الفاطمي: إن عدد العلماء الذين تولوا التدريس في الجامع الأزهر في العصر الفاطمي يفوق الحصر، بالإضافة إلى المؤسسين، وهم: بنو النعمان والوزير ابن كِلِّس، فقد اضطلع بمهنة التدريس علماء كبار، مثل: عز الملك بن عبد الله المشهور بالمسبحي، وهو من كبار المؤرخين، ومثل: أبي الحسن على بن إبراهيم المعروف بالنحوي ت ٤٣٠هـ - ١٠٣٩م ومنهم: أبو العباس أحمد بن هاشم المصري ت ٤٤٥ هـ - ١٠٥٤م، ومحمد بن سلامة بن جعفر القضاعي المتوفي ٤٥٤هـ- ١٠٦٣م، وغيرهم كثيرون يطول الحديث بذكرهم. [انظر: محمد عبد الله عنان. مرجع سابق ص ٨٦ وما بعدها].

الموارد المالية للأزهر: كانت الدولة الفاطمية التي أنشأت الجامع الأزهر دولة غنية جدًا، ولذلك أنفقت على الجامع الأزهر، وشيوخه، وطلابه الكثير من الأموال؛ ليقوم بالدور الذي أناطته به، وهو نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، بالإضافة إلى الأوقاف الكثيرة التي أوقفتها الدولة كانت هناك أموال يدفعها بعض الدارسين طواعية، ثم هبات، وتبرعات الأغنياء. كل هذا جعل الأزهر يتمتع بقدرة مالية كبيرة؛ للنهوض بمسئوليته العلمية.


 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الأزهر الأزهر الشريف الدراسة فی الجامع الأزهر الأزهر فی العصر الأزهر ا عبد الله ابن ک ل سابق ص

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر يناقش "بقية المبشرين بالجنة من الصحابة"
  • روبيو: إيران تناقش ملفات نووية كانت ترفض التطرق إليها سابقًا
  • الله أكبر.. عباس شومان يعلن إنهاء خصومة ثأرية في أسيوط استجابة لشيخ الأزهر
  • آبل تطرح macOS 26.5.1 وتحسم مشكلة كانت تؤثر على أجهزة ماك M5
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟