لجريدة عمان:
2026-06-03@07:24:10 GMT

العالم العربي وأزمة الوعي

تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT

العالم العربي وأزمة الوعي

لم تعد «أزمة الوعي» حاضرة في النقاشات الثقافية والفكرية في العالم العربي كما كانت عليه قبل عقدين من الزمن، إلى حد غاب فيه هذا المصطلح عن «وعي» الأجيال الجديدة وكأن الأزمة لا وجود لها، أو كأننا قفزنا فعلا فوق حالة الانسداد الحضاري التي كان المفكرون في العالم العربي يناقشونها بكثافة حينما كان هذا المستوى من الطرح أكثر إلحاحا وحضورا في السياق اليومي في المنتديات الثقافية والأكاديمية.

لكن المشهد العام في العالم العربي لا ينبئ عن أي قفز فوق تلك الحالة، بل إن منطق الأشياء ربما يشير إلى تأزمها على اعتبار أن العالم يتغير وحركة العلوم في العالم تتقدم، والعالم كما يقول الفلاسفة لا يتغير بذاته «إنما الوعي هو الذي يغير العالم»؛ فما نشهده من ثورة معرفية في الغرب وفي الشرق الأقصى تدل على حركة وعي كبيرة مهما قيل من اعتراض عن تراجع القيم والمبادئ وهي مهمة بلا أي شك.

وأزمة الوعي في العالم العربي لا تختزل في نقص المعلومات.. وهذا تبسيط مخل كثيرا؛ فالتجربة العالمية تشير إلى رابط قوي بين تضخم المعلومات وتراجع فهم الواقع وتحديد أولوياته. الخلل أكبر وأعمق من المعلومات، الخلل في طريقة إنتاج الفهم، وفي وسائط نقله إلى السلوك العام والسلوك المؤسسي والسياسي. وإذا غاب هذا الوسيط أو لم يستطع القيام بدوره تصبح المعرفة حبيسة الكتب أو على الأرفف لمجرد الزينة.

المظهر الأول لأزمة الوعي في العالم العربي يظهر في تعطيل التفكير، والذهاب الدائم نحو بناء الثنائيات المعقدة. أنت مع أو ضد، أبيض أو أسود. والعقل الذي ينتج هذه الثنائية في الغالب مبني على استحضار «هوية» جاهزة وإسقاطها على الواقع. وهذا «العقل» يقرأ المعرفة بمنطق الانتماء لا بمنطق البرهان. وحتى اللغة التي تستخدم في هذا السياق يكون هدفها تدجين السؤال لا محاولة استنطاقه!

أما العلامة الثانية فمؤسسية. لا يكفي أن يكون المجتمع «واعيا» حتى يستطيع أن يتغير. يحتاج إلى أدوات تُترجم الوعي إلى أثر. فالتعليم، على سبيل المثال، ما لم يستطع أن يدرب المتعلم على السؤال وعلى النقد المبني على منهج نقدي لا يستطيع أن ينتج وعيا. قد ينتج حفظا للمعلومات لكن ليس وعيا بها. والجامعة التي لا تُنتج معرفة قابلة للاختبار لا تبني عقلا عاما، بل تستصدر شهادات وألقابا لا قيمة لها. وحتى الإعلام الذي يقوم على فكرة الإثارة لا يصنع رأيا عاما. قد يصنع جمهورا يعشق الإثارة لكنه لا يصنع وعيا مبنيا على معرفة حقيقية.

وتآكل هذا الأمر في غاية الخطورة لأنه يضع المجال العام يقبل أي أطروحة مهما كانت هشة ولا قيمة لها ومهما كانت تنافي أبجديات التحقق.

أما العلامة الثالثة فهي أخلاقية ـ نفسية تدفع الناس الذين يعيشون حالة الإرهاق الجمعي نحو الاحتماء بالسرديات السهلة؛ فتجدها حينما تصاب بصدمة طويلة نتيجة حروب أو انقسامات أو انهيارات اقتصادية أو تفكك اجتماعي تنظر للحقيقة باعتبارها تهديدا لا مسارا نحو النجاة. ولذلك تفضل التمسك بالرواية التي تمنحها مكانا على تلك التي تفرض عليها مسؤولية.

وإذا كانت هذه بعض أعراض الأزمة، فالعلاج يحتاج إلى بناء أدوات قوية ومنطقية تحوّل الفهم إلى أثر. لذلك يحتاج العالم العربي إلى عودة النقاش الجاد حول مراجعة أزمة الوعي وعلى كل المستويات بما في ذلك الوعي السياسي والوعي الاجتماعي. لكن هذا البحث يحتاج إلى أدوات تعيد الاعتبار للتثبت بوصفه قيمة عامة لا تقنية نخبوية. والتثبت ليس أداة خاصة بالصحافة إنه قاعدة للعيش المشترك، والمجتمع الذي لا يستطيع أن يتثبت يعيش في حالة شك واتهام وهذا يعيق أي رغبة في البناء.

ثم إن فكرة الوعي تحتاج أن تنتقل إلى المجال المؤسسي لتتحول إلى نظام عمل تصبح فيه الجامعة، باعتبارها أعلى مؤسسة في بناء الوعي، تقاس أهميتها بقدرتها على إنتاج المعرفة لا بحجم مبانيها.

ثمة أمر آخر مهم في هذا السياق وهو ترميم العلاقة بين الفكرة والحياة. أن تخرج الأفكار من سياقها النظري إلى سياق الحياة الواقعية. إن أهم ما يفعله الوعي هو أنه يجعل الناس قادرين على رؤية الفرق بين ما يُقال وما يُنجز، وبين الصورة والواقع.

وهذه الأزمة ليست قدرا ثقافيا على العالم العربي لكن لا يمكن أيضا تجاوزها بالركون إلى المواعظ. ما لم يستعد «العقل العام» قدرته على التمييز، وعلى تحويل الوقائع إلى مساءلة، وعلى ترجمة المعرفة إلى سياسة ومؤسسة، سنبقى ندير الواقع بالانطباعات والولاءات والانفعالات. وهذا لا يفقدنا السجال الفكري ولكن شرط الفعل نفسه فيما المجتمعات تتقدم في العالم بشكل أسرع مما نستطيع أن نستوعبه.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی العالم العربی

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • الأمم المتحدة تحذر من ظاهرة النينيو قد تضرب العالم خلال الأشهر المقبلة
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • عاجل| مدير الأمن العام يوعز بعرض مباريات المنتخب الوطني في كأس العالم للنزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • طلب إحاطة واتهامات بإهدار المال العام في بعثة منتخب مصر ببطولة كأس العالم