صراحة نيوز- د. سليمان علي الخوالدة

في ظل الحديث المتزايد مؤخراً عن الخطة الاستراتيجية لمحطات المستقبل “محطات المعرفة سابقاً”، وما رافقه من أرقام وتصريحات صحفية رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة حول نسب الاستخدام الحالية، يبرز تساؤل مشروع: هل يجري تقييم المشروع بوصفه تجربة جديدة، أم بوصفه امتداداً لمبادرة وطنية ملكية رائدة عُرفت لسنوات طويلة باسم “محطات المعرفة”؟ أكتب هنا من حرصي الوطني على انصاف المؤسسات الوطنية التي دعمت نشأة المبادرة المليكة وعن الكفاءات الوطنية التي أدارت بكل اقتدار هذه المبادرة المليكة وأخص أعضاء اللجنة الملكية المشرفة عليها منذ عام 2001 ولغاية 2012.

بالإضافة الى انني اكتب من واقع تجربة ميدانية مباشرة، حيث عملت في هذه المبادرة الملكية لأكثر من 23 سنة، فبدأت مسيرتي المهنية مدرباً لمحطة واحدة، ومن ثم منسقاً لمحافظة، وبعدها مديراً لمحطات المعرفة الأردنية سابقاً، والتي تم إعادة تسميتها اليوم إلى “محطات المستقبل”. وما يُطرح اليوم يعكس جزءاً من الصورة، لكنه لا يروي القصة الكاملة لمشروع وطني أسهم في بناء الشمول الرقمي في المملكة.

انطلقت محطات المعرفة كواحدة من أوائل المبادرات الملكية في مجال التحول الرقمي المجتمعي في الأردن، استجابة لرؤية جلالة الملك عبد الله الثاني نحو بناء اقتصاد رقمي ومعرفي شامل يصل إلى جميع فئات المجتمع، خاصة في المحافظات والقرى والمناطق الأقل حظاً وفي المخيمات . وقد خضعت المبادرة الملكية لإشراف لجنة ملكية من شخصيات وطنية كفؤة تم تعيينها بإرادة ملكية سامية، حيث تابعت الأداء والتوسع والتطوير بكل مهنية واقتدار، وأسهمت في بناء نموذج تشغيلي ناجح مكّن المحطات من الانتشار الواسع وتحقيق أثر تنموي حقيقي على مستوى الوطن حتى وصلت الى 203 محطات منتشرة من – الدرة جنوبا الى الطرة شمالا ومن الجفور شرقا الى الغور غربا – في كل قرية وفي كل بادية حتى ان بعضها أنشئ في مراكز الإصلاح وفي دور الرعاية والايتام والاحداث وتجاز ذلك الى انشاء محطات لخدمة المتقاعدين والمصابين العسكريين . ولم يقتصر الدعم الملكي على إطلاق المبادرة فحسب، بل امتد إلى التوسع الميداني، حيث تم إنشاء العديد منها بتوجيهات ملكية سامية مباشره خلال زيارات جلالة الملك حفظه الله ورعاه إلى القرى والبوادي في مختلف المحافظات، استجابة لمطالب الأهالي الذين رأوا في هذه المحطات نافذة للتعلم والخدمات الرقمية وفرص التنمية، ما يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية هذه المحطات للمجتمعات المحلي خلافا لما نشر في التقرير الصحفي الصادر عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة .

لم تكن محطات المعرفة مجرد مراكز إنترنت كما يتم الحديث عنها اليوم، بل كانت منظومة وطنية متكاملة للخدمات الرقمية المجتمعية، وقد تجاوز عدد المستفيدين منها أكثر بكثير من ثلاثة ملايين مواطن وفق أنظمة البيانات الرسمية. وقدمت المحطات خدمات حيوية شملت التدريب على المهارات الرقمية والحاسوبية، وخدمات الحكومة الإلكترونية، والمساعدة في التقديم للجامعات والقروض والمنح، ودعم معاملات الحج والخدمات الرسمية، والتقدم للوظائف والدور التنافسي في ديوان الخدمة المدنية، وتم إنشاء أكاديميات تدريب رقمية متخصصة في بعض المحافظات، وتحويل 50 محطة معرفة إلى حاضنات أعمال لدعم الرياديين في كافة محافظات المملكة.

وكان لمحطات المعرفة دور كبير في ربط التدريب ب متطلبات واحتياجات القطاع الخاص لتشغيل الشباب، وخاصة النساء، حيث سهلت المبادرة فرص عمل حقيقية للسيدات في مجالات مختلفة، ويُسجل للمحطات عدة قصص نجاح موثقة يمكن العودة إليها، تعكس أثرها التنموي والاجتماعي العميق. ، بإدارة مؤسسية مستقرة عبر مركز تكنولوجيا المعلومات الوطني سابقا.

ولكن، بعد نقل الإشراف والإدارة إلى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة عام 2019 بعد إلغاء مركز تكنولوجيا المعلومات الوطني، شهدت المبادرة الملكية إجراءات إدارية غير مدروسة أثرت بشكل مباشر على قدرتها التشغيلية وانتشارها المجتمعي. ومن أبرز تلك الإجراءات نقل أكثر من 50 مدرباً دفعة واحدة دون إحلال وظيفي أو خطة تشغيل بديلة، ما أدى إلى إضعاف منظومة التدريب والخدمات وإرباك العمل الميداني في عدد كبير من المحطات. ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد، بل امتدت لتصل إلى إغلاق محطات كاملة في بعض المحافظات، حتى إن إحدى محافظات الجنوب وهي من المحافظات الأكثر حاجة للخدمات الرقمية والتنموية لم يبقَ فيها أي محطة عاملة، وهو ما يمثل تراجعاً واضحاً عن فلسفة الشمول الرقمي التي قامت عليها المبادرة الملكية أساساً. كما نتج عن هذه الإجراءات إغلاق عدد من حاضنات الأعمال التي كانت جزءاً من منظومة المحطات، والتي تشير التقديرات إلى أن كلف إنشائها وتجهيزها كلفت الكثير من موازنة الدولة الأردنية ، ما يعني خسارة فعلية لاستثمارات وطنية كان يمكن أن تستمر في دعم الريادة المحلية وخلق فرص اقتصادية حقيقية في المحافظات.

أما في المرحلة الثانية، عندما تم إقرار الخطة الاستراتيجية لمحطات المستقبل في 2024 والممتدة لأربع سنوات ونقل المحطات إلى وزارة الشباب من أجل توحيد الجهود، فقد تم نقل أكثر من 60 مدرباً، ما أدى إلى إغلاق حوالي 60 محطة أيضا كانت عاملة في القرى والبوادي، واليوم لا يتجاوز العدد الفعلي للمحطات العاملة 20 محطة فقط من أصل 203 محطات. هذا الانخفاض يعكس أثر القرارات الإدارية على انتشار المبادرة وفاعليتها في خدمة المواطنين، ويؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في فكرة محطات المعرفة، بل في طريقة إدارتها بعد التحولات المؤسسية.

إن نسب الاستخدام الحالية لما يسمى “محطات المستقبل” لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه التحولات الإدارية والتنظيمية التي غيرت نموذج التشغيل جذرياً، وأثرت على الكوادر البشرية والانتشار الجغرافي. فالمشكلة ليست في الفكرة، بل في القرارات التي أثرت على استدامة نموذجها المجتمعي الذي أثبتت نجاحها سابقاً. إن تطوير المبادرة الملكية “محطات المعرفة ” لا يتحقق بمجرد إعادة التسمية، بل يتطلب إعادة بناء النموذج التشغيلي المجتمعي، والاستثمار مجدداً في الكفاءات الوطنية، وإعادة الانتشار في المحافظات الأقل حظاً، والاستفادة من الإرث المؤسسي الناجح الذي قامت عليه المبادرة الملكية. فمحطات المعرفة كانت قصة نجاح وطنية وما يسمى اليوم بمحطات المستقبل يجب أن يُبنى على هذا الإرث لا أن يُقدَّم وكأنه تجربة بلا تاريخ.

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام المبادرة الملکیة محطات المستقبل

إقرأ أيضاً:

التنمية الاجتماعية" تطلق النسخة الثانية من "السبت البنفسجي" مع خصومات وعروض مميزة لذوي الإعاقة

تنظم وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة وقطر للسياحة، النسخة الثانية من مبادرة "السبت البنفسجي"، وهي فعالية سنوية تُنفَّذ في السبت الأخير من شهر يوليو، وتهدف إلى تقديم الخصومات والعروض والتخفيضات للأشخاص ذوي الإعاقة، وإلى رفع مستوى الخدمات والمتطلبات المقدمة لهذه الفئة.

وتسعى مبادرة "السبت البنفسجي" إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، من خلال مشاركة عدد من الجهات التي تقدم عروضًا وخصومات وخدمات حصرية خلال الفترة من 25 يوليو إلى 1 أغسطس 2026، بما يتيح لحاملي البطاقة الرقمية الخاصة بالمبادرة والتي يمكن تحميلها من خلال المنصة الرقمية لوزارة التنمية الاجتماعية والأسرة الاستفادة من المزايا المقدمة لدى الجهات المشاركة.

وتأتي المبادرة في إطار الجهود الخليجية المشتركة الرامية إلى تعزيز دمج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث انطلقت لأول مرة في المملكة العربية السعودية عام 2021، قبل أن تتوسع لتشمل عددًا من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ويعكس هذا التوسع التزامًا خليجيًا موحدًا بترسيخ مبادئ الشمولية، وتعزيز تكافؤ الفرص، وصون كرامة الأشخاص ذوي الإعاقة بما يضمن مشاركتهم الفاعلة في مختلف جوانب الحياة.

وفي هذا السياق، صرحت السيدة مها حمد العطية وكيل الوزارة المساعد لشؤون الأسرة أن مبادرة السبت البنفسجي تمثل إحدى المبادرات التي تعكس التزام دولة قطر بتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وترسيخ مجتمع أكثر شمولًا يضمن لهم فرصًا متكافئة للمشاركة والاندماج في مختلف جوانب الحياة. ومن خلال هذه المبادرة، نعمل على نشر الوعي المجتمعي بحقوقهم، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة تجاههم، إلى جانب توسيع نطاق التعاون مع شركائنا في القطاعين العام والخاص، بما يسهم في توفير بيئة داعمة ومحفزة، ويترجم توجهات الدولة نحو تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وصون كرامتهم.

وأضافت أن الحملة تنسجم مع استراتيجية وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة "من الرعاية إلى التمكين"، من خلال تعزيز استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة، وترسيخ الوعي بحقوقهم، وتشجيع توفير بيئات دامجة وميسرة، بما يدعم الشراكة بين مختلف الجهات ويسهم في بناء مجتمع أكثر شمولًا وتكافؤًا، انسجامًا مع أهداف التنمية المستدامة.

وقالت السيدة ريم العجمي، مدير إدارة الرعاية المجتمعية في وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة: أن الوزارة تسعى من خلال هذه المبادرة إلى توسيع نطاق الشراكات المجتمعية التي تسهم في تحسين جودة الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حضورهم في مختلف جوانب الحياة اليومية. كما تمثل المبادرة نموذجًا للتكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص في تبني مبادرات ذات أثر ملموس.

أكد السيد حسن بن سلطان الغانم وكيل الوزارة المساعد لشؤون المستهلك بوزارة التجارة والصناعة، أن الوزارة تحرص على دعم مبادرة "السبت البنفسجي 2026" بالشراكة مع وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة وقطر للسياحة، انطلاقاً من مسؤوليتها في تعزيز الشمولية المجتمعية وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من الاستفادة من العروض والخدمات التجارية المخصصة لهم والتي تمتد خلال الفترة من 25 يوليو وحتى 1 أغسطس 2026.

وقد عملت وزارة التجارة والصناعة على تسهيل مشاركة المنشآت التجارية في المبادرة وتوسيع نطاق الجهات المشاركة بما يسهم في توفير مزايا وعروض متنوعة للمستفيدين.

ودعا السيد حسن بن سلطان الغانم جميع المنشآت التجارية إلى مواصلة دعم المبادرة والمساهمة في تحقيق أهدافها الإنسانية والمجتمعية، بما يعكس التزام دولة قطر بتهيئة بيئة أكثر شمولاً وإتاحةً للجميع، وترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية لدى مختلف القطاعات.

من جانبه، صرح السيد أحمد البنعلي، مدير إدارة المهرجانات والفعاليات في Visit Qatar قائلاً: "للعام الثاني على التوالي تفخر قطر للسياحة ممثلة بذراعها التسويقي والترويجي Visit Qatar، بدعم مبادرة السبت البنفسجي كجزء من التزامنا المستمر بجعل دولة قطر وجهة أكثر شمولاً وملاءمة لسهولة وصول الجميع. وبالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، ووزارة التجارة والصناعة، وشركائنا في القطاع السياحي، نجحت هذه المبادرة في توحيد جهود الفنادق ومنافذ البيع بالتجزئة والمنشآت السياحية لتقديم عروض ترويجية مخصصة، وخدمات مطورة، وتجارب أكثر ترحيباً للأشخاص ذوي الإعاقة".

وأضاف: "لقد أولى مهرجان قطر للألعاب، بشكل خاص، اهتماماً بالغاً بالترحيب ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ أتيح لهم الدخول المجاني طوال فترة المهرجان. إن الإقبال الكبير الذي شهدته النسخة الافتتاحية لاحتفالية السبت البنفسجي العام الماضي في مهرجان قطر للألعاب يعكس الزخم المتزايد، ويؤكد على الدور الحيوي الذي يلعبه مجتمعنا في رفع مستوى الوعي وتعزيز الدمج الاجتماعي لذوي الإعاقة".

وتؤكد وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة بمواصلة تنفيذ برامج ومبادرات نوعية تنسجم مع استراتيجيتها «من الرعاية إلى التمكين»، وتسهم في ترسيخ مبادئ الشمول والتمكين وتكافؤ الفرص، بما يعزز جودة الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة ويدعم تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.

مقالات مشابهة

  • المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
  • حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم
  • منطقة الضرائب العقارية ببني سويف تواصل ورش العمل لدعم التحول الرقمي
  • الخرف الرقمي.. هل تضعف الهواتف الذكية ذاكرتنا؟
  • العباني: مسار 4+4 ينسجم مع المبادرة الأميركية وفرص نجاحها أكبر
  • المدن الصناعية: المنتجات الأردنية تصل لأكثر من 170 دولة
  • من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي
  • الأحزاب الليبية: ندعم المبادرة الأمريكية للسلام لحل الأزمة
  • التنمية الاجتماعية" تطلق النسخة الثانية من "السبت البنفسجي" مع خصومات وعروض مميزة لذوي الإعاقة
  • من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات