موقع النيلين:
2026-06-03@05:36:01 GMT

إبراهيم شقلاوي يكتب: خرائط الدم والخيانة

تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT

التطورات المتسارعة التي نشهدها هذه الأيام في محاولات إنقاذ المليشيا تجعلنا في هذا المقال نطرح سؤالين مهمين في محاولة للإجابة عليهما .. كيف تُدار حرب السودان من وراء الستار؟ ، ولماذا سقطت الأقنعة الآن؟ لم تعد حرب السودان قابلة للفهم بتوصيفها أنها صراعًا داخليًا على السلطة أو نتيجة تعثّر انتقال سياسي، بل غدت نموذجًا لحرب مركّبة تُدار عبر شبكة إقليمية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والجيوسياسية، وتُستخدم فيها المليشيا كأداة وظيفية لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤية إقليمية.

تقارير رويترز التي بثتها بالأمس قناتا العربية والحدث، عن” أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب قوات الدعم السريع السودانية، بمساندة إماراتية من خلال التمويل والمدربين والدعم اللوجستي” ، فيما كشفت “براون لاند” صور المعسكرات، بهذا فقد تجاوزت المؤامرة الإقليمية إلى تفكيك الأساس السياسي الذي تقوم عليه منظومة الوساطة الدولية.

هذا التطور اللافت يضع الوسطاء أمام مأزق أخلاقي وقانوني، ويحرج المقاربات التي ما تزال ترى في “الرباعية الدولية” و الإمارات ضمنها مدخلًا للحل، بينما تشير الوقائع المتجددة إلى تورطها في تغذية آلة الحرب.

ويمتد هذا الخذلان، في بعده الأمني والسياسي، ليشمل إثيوبيا الدولة التي لم يرَ منها السودان تاريخيًا إلا جوارًا طبيعيًا وشريكًا في المصير، فإذا بها – وفق ما كُشف – تتحول إلى منصة خلفية لتدريب المقاتلين وتسهيل العبور، في مشهد لا يعبّر فقط عن تورط سياسي، بل عن انقلاب في معنى الجوار والأمن المشترك. هنا لا تتصدع فقط فكرة “الوساطة الإقليمية”، بل تنهار معها فرضية حسن النية التي بُنيت عليها، ويتأكد أن خرائط الدم لا تُرسم داخل حدود السودان وحده، بل تُدار من وراء ستار تتقاطع فيه المصالح مع الإنكار، وتُسوَّق فيه الخيانة بلبوس الدبلوماسية.

ما كُشفته رويترز مؤخرًا لم يضف مجرد معلومة إلى المشهد، بل نقل الصراع من دائرة الشبهات إلى فضاء الأدلة، ومن خطاب الإتهام السياسي إلى منطق التورط الممنهج الذي يضع خريطة الحرب في إطارها الحقيقي: مشروع إقليمي طامع في الموارد يتغذى على الفوضى، ويعمل في الظل.

في هذا السياق لم تعد الإدانات الدولية مجرد بيانات باردة، بل أصبحت تعبيرًا عن تحوّل نوعي في السردية العالمية تجاه الحرب. فحين يصف الاتحاد الأوروبي الهجمات على قوافل الإغاثة والمستشفيات والنازحين بأنها “جرائم جسيمة لن تمر دون عقاب”، وحين تتقاطع هذه اللغة مع مواقف صريحة من المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والجامعة العربية وتركيا، فإن ذلك يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن ما يجري في السودان لم يعد نزاعًا مسلحًا تقليديًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.

ومحاولة منظمة لإعادة إنتاج الفوضى كسوق سياسية مفتوحة. هذا التلاقي في المواقف، جاء نتيجة عمل دبلوماسي كثيف استطاع أن ينقل صورة موثقة عن طبيعة المليشيا، ويكسر رواية “الطرفين المتكافئين”، ويعيد تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين الدولة ومشروع تمرد عابر للحدود.

غير أنّ خريطة الدم لا تقتصر على الأدوار الإقليمية، ولا تكتمل من دون تفكيك الدور الداخلي المزدوج الذي لعبته بعض القوى السياسية “صمود” التي ادّعت الحياد، بينما كانت – في العمق – شريكًا موضوعيًا في تمهيد الطريق لانقلاب مليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023. فهذه القوى التي سوّقت نفسها وسيطًا مدنيًا أو “طرفًا ثالثًا”، لم تكن خارج المعادلة، بل في قلبها، إذ أسهم خطابها في محاولة نزع الشرعية عن الدولة، وشيطنة الجيش، وتطبيع وجود المليشيا كفاعل سياسي، بما منحها الغطاء الرمزي الذي احتاجته للانتقال من شريك مضطرب إلى خصم مسلح.

لقد ارتكز هذا “الحياد الزائف” على استراتيجية خطيرة: إعادة تعريف الصراع من حرب ضد تمرد مسلح إلى “نزاع بين طرفين متكافئين”، تحت لافتة انسانية ” لا للحرب” وهو توصيف أفرغ الدولة من معناها، وفتح الباب أمام تدويل الأزمة وتفويض الخارج بتحديد مستقبل السودان. ومع كل بيان يدعو إلى “وقف متزامن لإطلاق النار”، دون إدانة واضحة للانقلاب، كانت تُرسَّخ معادلة سياسية تُساوي بين من يحمل شرعية الدولة وبدفع عنها ومن تمرّد عليها بالسلاح، في سابقة تُقوّض فكرة السيادة ذاتها.

الأخطر أن هذه القوى بقيادة د. عبد الله حمدوك لم تكتفِ بالصمت، بل انخرطت في تسويق سردية المليشيا دوليًا عبر منصات حقوقية وإعلامية، وقدّمت نفسها شاهدًا “محايدًا” على جرائم مدعاه، في محاولة لإدانة الجيش عبر ادعاءات عن استخدام أسلحة كيميائية بينما تغاضت عن الجريمة الكبرى: الانقلاب على الدولة بقوة السلاح والانتهاكات التي ظلت ترتكبها المليشيا. وهكذا تحوّل “المدني المرتهن” إلى جسر عبور سياسي” للمسلّح، المنتهك” ، في مفارقة تُجسّد انحراف السياسة حين تنفصل عن أخلاقياتها.

إن مساءلة هذا الدور قانونا ليست تصفية حسابات، بل شرط لإعادة بناء العملية السياسية على أساس وطني. فالدولة التي تنشد السلام لا يمكنها أن تُساوي بين من يحميها ومن يهدد وجودها، ولا أن تُعيد تدوير قوى ساهمت – بقصد – في شرعنة الانقلاب وحمايته . وفي هذا السياق، يصبح تفكيك خطاب “الحياد” ضرورة تاريخية، لأنه لم يكن حيادًا، بل تموضعًا خفيًا في معسكر الفوضى، حتى وإن كُتب بلغة ناعمة ملتبسة.

بحسب #وجه_الحقيقة، يكتمل المشهد بثلاث دوائر: شبكة إقليمية تموّل، ووساطة دولية تُضلّل، وقوى داخلية تُبرّر. لكن انكشاف الخرائط، وتماسك الدولة، ونهوض أبنائها للدفاع عنها ووضوح السردية الوطنية، كلها تؤكد أن زمن الخداع يقترب من نهايته، وأن السودان يستعيد صوته وإرادته، ويكتب فصله القادم بمداد السيادة، لا بدماء الوصاية والخيانة والخذلان .
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 11 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/02/11 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة خالد سلك …. هل حقًّا الطيب صالح أديبه ؟!2026/02/11 التكينة القاعدة غلط .. التكينة القاعدة في الزلط2026/02/09 كل قاعات كلية الطب جامعة الجزيرة اليوم تبكي!2026/02/08 شهداء الطيران (3-3)2026/02/08 إبراهيم شقلاوي يكتب: الدعم السريع.. من المظلّة إلى المقصلة2026/02/08 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الحصة. للشرح)2026/02/08شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات كرزايات السودان لم ينسوا شيئا ولم يتعلموا شيئا 2026/02/08

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد

​منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟..  وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.

​لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.

​ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.

​وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.

​وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.

​ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!

​وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي. 
 

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي السرطان ثورة الذكاء الاصطناعي الخوارزميات

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • خرائط عالمنا الجديد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • إبراهيم عبد الجواد يثير الجدل بشأن أهداف منتخب مصر.. تفاصيل
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟