بعد كشف المعسكر السري.. ما هي خيارات الخرطوم للرد على إثيوبيا؟
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
في تطور جديد للصراع بالسودان كشفت تقارير استقصائية عن وجود معسكر تدريب سري ضخم داخل الأراضي الإثيوبية مخصص لقوات الدعم السريع، ما اعتبر دليلا على انخراط أديس أبابا العملياتي في الحرب السودانية.
المعطيات الموثقة، كشفت أوراق الدور الإثيوبي الذي ظل يتأرجح بين الحياد المعلن والتدخل الخفي، بعد أن كانت أديس أبابا تقدم نفسها كطرف في مبادرات السلام.
فمن خلف غابات منطقة "منجي" النائية قرب الحدود السودانية، أظهرت صور الأقمار الصناعية ما وصفه مراقبون بـ "الصندوق الأسود" الجديد للصراع المحتدم في السودان.
فقد كشفت تقارير استقصائية عن معسكر تدريبي ضخم يمتد على مساحة استراتيجية داخل الأراضي الإثيوبية، يضم مراكز تحكم للطائرات المسيرة، ما يضع حداً لما للحياد في الصراع السوداني الذي تحدثت عنه إثيوبيا مرارا.
تدريب آلاف المقاتلين
وأظهر التحقيق الذي نشرته وكالة رويترز الثلاثاء الماضي، أن إثيوبيا تستضيف معسكرا سريا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش في السودان، ما اعتبر أحدث مؤشر على اجتذاب أحد أكثر الصراعات دموية في العالم لقوى إقليمية من أفريقيا والشرق الأوسط.
ويقع المعسكر في منطقة أحراش نائية بمقاطعة "منجي" ويبعد نحو 32 كلم، فقط عن الحدود السودانية، في مثلث جغرافي حساس يربط بين إثيوبيا والسودان ودولة جنوب السودان.
وقالت رويترز إنها تحدثت إلى 15 مصدرا مطلعا على تشييد المعسكر وعملياته، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، وحللت صور الأقمار الصناعية للمنطقة، وقدم مسؤولان بالمخابرات الإثيوبية وصور الأقمار الصناعية معلومات بشأن التفاصيل الواردة التحقيق.
تمويل إماراتي
وقالت وكالة رويترز نقلا عن ثمانية مصادر من بينها مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعما لوجستيا للموقع، وهو ما ورد أيضا في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليها الوكالة.
وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن النشاط تزايد في أكتوبر بالمعسكر، الذي يقع في منطقة "منجي" النائية غرب البلاد، بالقرب من الحدود مع السودان.
وتكشفت صورة التقطتها شركة فانتور الأمريكية لتكنولوجيا الفضاء في 24 نوفمبر تشرين الثاني عن أكثر من 640 خيمة في المعسكر، بمساحة تقريبية تبلغ أربعة أمتار مربعة.
وبحسب برقية استخباراتية إثيوبية مسربة، فإن نحو 4300 عنصر كانوا ينهون مراحل تدريبهم المتقدمة في مطلع هذا العام.
وتتحدث التقارير عن دور محوري لمطار "أصوصا" القريب، الذي تحول إلى مركز لوجستي لإمداد المعسكر، بالإضافة إلى إنشاء منصات تحكم أرضية للطائرات المسيرة، مما يمنح قوات الدعم السريع ميزة "العمق الاستراتيجي" الذي كانت تفتقده.
هل حسم أبي أحمد خياره؟
يرى متابعون للشأن الأفريقي أن ما تسرب من معطيات بشأن المعسكر التدريبي، يؤكد أن إثيوبيا قطعت اشواطا كبيرة في تنسيقها مع الدعم السريع على حساب الجيش السوداني.
ووفق متابعين فإن انتقال رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد من استضافة اللقاءات الدبلوماسية إلى بناء القواعد العسكرية وتوفير الغطاء اللوجستي لقوات الدعم السريع، يشير إلى أن إثيوبيا قد حسمت خيارها بشأن الحرب في السودان.
وتتقاطع حاجة أديس أبابا للتمويل الخارجي (الإماراتي تحديداً) مع رغبتها في إبقاء الحدود السودانية تحت المراقبة، وما يبدو أنه قناعة إثيوبية بأن الدولة السودانية بصورتها القديمة قد لا تعود، وأن المراهنة على مليشيا الدعم السريع هي الطريق الأضمن لحجز مقعد في صياغة السودان الجديد.
ويرجح متابعون للشأن الأفريقي أن إثيوبيا قد اختارت بالفعل تحويل أراضيها إلى منصة انطلاق عسكري، مراهنةً على أن انتصار حليفها أو فرض واقع ميداني جديد سيجبر المجتمع الدولي والجيش السوداني لاحقاً على القبول بشروطها كلاعب إقليمي مهيمن، رغم المخاطر الجسيمة التي قد تترتب على اشتعال الحدود المشتركة.
خيارات الجيش السوداني
تضع "قاعدة منجي" السرية قيادة الجيش السوداني أمام خيارات استراتيجية صعبة، حيث لم يعد التعامل مع التدخل الإثيوبي يحتمل الصمت الطويل.
ويرى متابعون أن الجيش السوداني بات أمام ثلاث خيارات أساسية أولها استهداف خطوط الإمداد العابرة للحدود أو حتى تنفيذ ضربات دقيقة لمراكز التجميع داخل الأراضي الإثيوبية إذا ما ثبت انطلاق هجمات مباشرة منها.
لكن متابعين يرون أن هذا الخيار قد يجر إثيوبيا إلى دخول الحرب بشكل رسمي وهو ما سيكون لصالح قوات الدعم السريع.
أما الخيار الثاني فهو استخدام المعاملة بالمثل من خلال تقديم الدعم العلني لجماعات المعارضة الإثيوبية، مما سيحول الحدود المشتركة إلى ساحة لتصفية الحسابات المتبادلة، ويجبر إثيوبيا على الانكفاء للداخل لتأمين أمنها القومي المتعثر.
أما الخيار الثالث فهو تقديم شكوى رسمية مدعومة بالأدلة وصور الأقمار الصناعية إلى مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي.، من أجل عزل إثيوبيا إقليمياً، والضغط على الممولين (وتحديداً أبوظبي) من خلال كشف دور الشركات اللوجستية في تغذية الصراع، وهو المسار الذي قد يكون أكثر إحراجا لأبي أحمد أمام المجتمع الدولي وتصويره كمؤجج للحرب بدلاً من كونه وسيطاً للسلام.
وفي المحصلة كشف "معسكر منجي" أن حرب السودان لم تعد مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى مختبر لإعادة صياغة النفوذ في القرن الأفريقي، حيث تستمر القوى الإقليمية برسم خرائط نفوذها فوق أنقاض المدن السودانية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية الدعم السريع السودانية الإمارات الجيش السوداني السودان الإمارات أثيوبيا الجيش السوداني الدعم السريع المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الأقمار الصناعیة الجیش السودانی الدعم السریع أن إثیوبیا
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.