"التسعير الافتراسي الصيني": حرب أسعار تهدد الاقتصاد العالمي
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
تشهد الساحة الاقتصادية الدولية تصاعداً حاداً في الجدل حول ما يُعرف بـ«التسعير الافتراسي»، وهو بيع السلع بأقل من كلفتها لإقصاء المنافسين، في وقت تُتَّهَم فيه الصين بإغراق الأسواق العالمية مستفيدة من الدعم الحكومي وتدني كلفة العمالة.
ففي العام الماضي سجل فائضها التجاري مستوى قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار، بينها 189 مليار دولار مع الولايات المتحدة رغم الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب، إضافة إلى 300 مليار دولار مع أوروبا.
جذور سياسة التسعير الصيني
في حديثه الى برنامج «بزنس مع لبنى» على سكاي نيوز عربية أوضح الشريك المؤسس لأكاديمية «Market Trader» عمرو عبده أن توصيف «التسعير الافتراسي» بات متداولاً بكثرة، غير أن السياسة الصينية في هذا المجال ليست وليدة اللحظة، إذ تعود إلى بدايات التسعينات، بل إلى ما قبل ذلك، حين جرى تشجيع بكين على إعادة هيكلة اقتصادها بما يمكّن شركاتها من النهوض بمنتجات تلبي احتياجات الأسواق الغربية. وأشار إلى أن هذا المسار ارتبط بدعم حكومي متواصل، تراجع جزئياً بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية بسبب القوانين المنظمة للتجارة الدولية، إلا أن الدول المستوردة غضّت الطرف في كثير من الأحيان، لأن انخفاض الأسعار ساهم في خفض معدلات التضخم لديها، وهو ما انعكس فائدة مباشرة على المستهلك.
انتقال المنافسة إلى الصناعات عالية القيمة
بحسب عبده، تحوّل هذا النموذج أخيراً إلى مصدر إشكال للدول المتقدمة بعدما دخلت الصين قطاعات كانت تمثل قيمة مضافة مرتفعة لاقتصاداتها، مثل القطارات السريعة، والسيارات، والإلكترونيات بمختلف أنواعها. ولفت إلى أن بكين كانت في السابق تتجنب إبراز قوتها الصناعية عبر علامات تجارية عالمية، فغالبية المنتجات المصنّعة داخلياً لم تكن تحمل أسماء صينية عند تصديرها، فيما اقتصر تسويق السيارات الصينية لفترة طويلة على السوق المحلية، في سياسة خدمت الصين والدول المستقبلة معاً. إلا أن هذا النهج تغيّر مع سعي الشركات الصينية إلى ترسيخ علاماتها التجارية عالمياً، ما زاد حدّة المنافسة ودفع الخصوم إلى اتخاذ مواقف دفاعية.
منظومة صناعية مكتملة وسلاسل إمداد مغلقة
شدّد عبده على أن النقاش لا يقتصر على نقل سلاسل الإمداد من الصين إلى دول أخرى، لأن المشكلة، برأيه، تكمن في «الإيكو سيستم» الصناعي المتقدم الذي بنته بكين. ففي مدينة واحدة يمكن تصنيع منتج كامل، من المواد الأولية حتى الشكل النهائي، في نموذج يقوم على السيطرة الشاملة على خط الإنتاج، من الجلد المستخدم في السيارات، إلى الإطارات والزجاج والأسلاك. وأوضح أن هذه المنظومة تشكّلت عبر عقود طويلة، ضمن خطة هادئة لتشابك الصناعات المختلفة، بما جعل الصين قادرة على إنتاج متكامل داخل نطاق جغرافي محدود.
مقارنات آسيوية وتجارب دعم الدولة
استحضر عبده تجارب سابقة تناولها كتاب «التنانين الأربعة الصغيرة»، الذي شرح كيف دعمت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية دولاً آسيوية مثل تايوان وماليزيا وغيرها للنهوض بصناعاتها، عبر تدخل حكومي مباشر في دعم الكهرباء، وتوفير الأراضي بأسعار تشجيعية، وتمهيد الطريق أمام شركات السيارات والإلكترونيات الثقيلة مثل «هيونداي» و«سامسونغ». ورأى أن ما تقوم به الصين اليوم يندرج ضمن هذا السياق التاريخي، مع فارق أن حجم الاقتصاد الصيني الحالي يجعل تأثيره عالمياً، إذ لا تقتصر صادراته على الولايات المتحدة بل تمتد إلى مختلف الأسواق، وصولاً إلى الطيران المدني مع ظهور طائرة «كوماك C919» في معارض دولية مثل دبي، في وقت يكفل فيه الاستهلاك الداخلي الضخم استمرار هذه الصناعات.
حرب الأسعار والضغوط الداخلية
لفت عبده إلى أن التسعير الافتراسي لم يعد مشكلة خارجية فحسب، بل بات تحدياً داخلياً للصين نفسها، مستشهداً بالقوانين الجديدة التي صدرت للحد من حروب الأسعار داخل السوق المحلي. وأوضح أن تقليص الصادرات يؤدي إلى مزاحمة ذاتية وتآكل الحصص السوقية، في ظل وجود أكثر من أربعمائة أو خمسمائة علامة سيارات، لا يعرف المستهلك العالمي سوى عشرات قليلة منها، ما يعني اشتداد المنافسة واستفادة المستهلك النهائي على المدى الطويل.
المعادن النادرة والتحالفات الجديدة
في محور الموارد الاستراتيجية، أشار عبده إلى امتلاك الصين أكثر من 70% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة ونحو 90% من قدرات التكرير، إضافة إلى سيطرتها على 60–65% من المناجم داخل البلاد وخارجها. واعتبر أن هذه الأرقام تجعلها «عملاقاً مهيمنًا»، وهو ما يفسر نشوء تحالفات جديدة تهدف إلى كسر هذه الهيمنة، مع تقديرات تشير إلى استثمارات تتراوح بين 10 و15 مليار دولار لإنشاء قدرات موازية للإنتاج والتكرير. وتطرق إلى سوق السيليكا، البالغة قيمته نحو 60 مليار دولار، بوصفه عنصراً محورياً في صناعة الشرائح الإلكترونية التي ستحدد حصص الدول في الاقتصاد العالمي مستقبلاً.
بين العولمة والتشرذم الاقتصادي
طرح عبده تساؤلات حول مستقبل النظام التجاري العالمي، في ظل تحولات السياسة الأميركية مقارنة بفترات سابقة، وإمكانية العودة إلى منطق الاعتماد المتبادل والعولمة الواسعة، ما قد يسهل على عشرات الدول الاستمرار في الاعتماد على الصين كمزوّد رئيسي. أما إذا استمرت حالة التشرذم، فرجّح أن تشهد السنوات المقبلة استثمارات ضخمة لتأمين الإمدادات الاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد الأحادي.
إفريقيا، الخليج، واقتصاد متعدد الأقطاب
توقف عبده عند الحضور الصيني في مناطق نائية من إفريقيا، حيث تعمل الشركات في مشاريع بنية تحتية وأنابيب نفط ضمن تنسيق وثيق مع الحكومة، التي توفّر التمويل والتصاريح والدعم الدبلوماسي، في إطار توجه وطني شامل يبدأ من أعلى هرم الدولة إلى المؤسسات التعليمية. وعلى مستوى التوازنات الدولية، توقع أن تصبح الصين الاقتصاد الأول عالمياً، مع احتفاظ الولايات المتحدة بثقلها، ضمن نظام متعدد الأقطاب يضم مراكز اقتصادية أخرى، وفي مقدمتها دول الخليج التي وصفها بأنها قوى صاعدة، مؤثرة استثمارياً وتكنولوجياً، وتتمتع بدرجة عالية من الحياد تجعلها ملاذاً آمناً للأطراف المتنافسة.
الذهب والفضة والبيتكوين في مرآة عدم اليقين
في ختام حديثه، ربط عبده تقلبات الذهب – مع هبوطه دون مستوى 5000 ثم عودته فوقه – بوجود طلب حقيقي ناجم عن انعدام الثقة في كثير من الثوابت الاقتصادية العالمية، ما يدفع الأفراد والمؤسسات والحكومات إلى اللجوء للمعدن الأصفر. وأشار إلى الطلب القوي على الفضة رغم تراجعها سابقاً، مستشهداً بفترات انتظار طويلة في المصافي وعلاوات سعرية تصل إلى 20 دولاراً للأونصة في هونغ كونغ وسنغافورة، متوقعاً عودة المعدنين إلى مسار الصعود. أما البيتكوين، فرجّح إمكانية عودته إلى مستويات بين 90 و100 ألف، في حال إقرار تشريعات داعمة، ضمن موجة صعود جديدة للأسواق.
المصدر
المصدر: سكاي نيوز عربية
كلمات دلالية: ملفات ملفات ملفات الولايات المتحدة أوروبا الصادرات الصينية التضخم المستهلك الصين بكين السيارات الصينية الصين اقتصاد الصين أميركا الحرب التجارية حرب المعادن المعادن النادرة الولايات المتحدة أوروبا الصادرات الصينية التضخم المستهلك الصين بكين السيارات الصينية اقتصاد الولایات المتحدة ملیار دولار
إقرأ أيضاً:
بوتين يراهن على إطالة العمر.. مشروع روسي بـ26 مليار دولار لمواجهة الشيخوخة
أفادت صحيفة وول ستريت جورنال، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول أبحاث مكافحة الشيخوخة وإطالة العمر إلى أحد أبرز المشاريع العلمية المدعومة من الدولة، من خلال مبادرة تبلغ قيمتها 26 مليار دولار تشمل تطوير علاجات جينية، وطباعة ثلاثية الأبعاد للأعضاء الحيوية، وتقنيات زراعة الأعضاء داخل الحيوانات.
و سعي بوتين لمواجهة آثار التقدم في العمر أصبح في روسيا أولوية للدولة تعتمد على وسائل متنوعة تشمل طباعة الأعضاء، واستخدام الخنازير الصغيرة، والتعرض لدرجات حرارة شديدة الانخفاض.
و يقود المشروع الروسي شخصيتان مقربتان من بوتين هما ابنته ماريا فورونتسوفا، المتخصصة في علم الغدد الصماء والمشرفة على برامج الجينات المدعومة حكومياً، والعالم الفيزيائي ميخائيل كوفالتشوك، رئيس معهد كورتشاتوف للأبحاث النووية.
وأصبح كوفالتشوك، وهو شقيق يوري كوفالتشوك الحليف المقرب لبوتين، العقل الفكري وراء مشروع إطالة العمر الروسي. وقد دافع عن فكرة أن العلم سيمكن البشر قريباً من إصلاح واستبدال أجزاء أجسامهم بشكل مستمر.
وقال لوسائل إعلام روسية: "من الصعب الحديث عن الخلود، لكن قدرة الإنسان على إصلاح جسده ستزداد من دون شك".
العلماء الروس ينجحوا في تنفيذ المشروع
ويقول العلماء الروس إنهم نجحوا بالفعل في طباعة نسيج غضروفي بشري وغدة درقية لفأر، مع السعي إلى تحقيق استبدال أعضاء بشرية كاملة بحلول عام 2030. كما يجري الحديث عن جدول زمني مماثل لتنمية الأعضاء داخل الخنازير.
وأكد المكتب الصحفي للكرملين أن "هناك مجموعة واسعة من البرامج العلمية الجاري تنفيذها في هذا المجال داخل روسيا، وتحظى هذه المشاريع بدعم الدولة، وتشارك فيها مؤسسات علمية وبحثية عديدة".
وفي أبريل الماضي، أعلنت الحكومة الروسية أن علماءها يطورون علاجاً جينياً يهدف إلى إبطاء شيخوخة الخلايا، ضمن مبادرة "تقنيات جديدة للحفاظ على الصحة"، وهي خطة بقيمة 26 مليار دولار أطلقها بوتين لتعزيز طول العمر.
وركز العلماء الروس العاملون ضمن البرامج الحكومية على تقنيتين رئيسيتين هما الطباعة الحيوية، أي طباعة الأنسجة الحية بتقنية ثلاثية الأبعاد، وزراعة الأعضاء بين الأنواع، أي تنمية أعضاء بشرية داخل خنازير صغيرة يُعتقد أنها متوافقة وراثياً مع البشر.
الحكومة الروسية تدعم مكافحة الشيخوخةوقال نائب وزير العلوم الروسي دينيس سيكيرينسكي، في 23 أبريل، إن هذا العلاج "يمثل أحد أكثر المسارات الواعدة في مكافحة الشيخوخة".
كما تشمل المبادرة تطوير أعضاء بشرية داخل المختبرات لزراعتها لاحقاً، وهي إحدى الأفكار التي تحدث عنها بوتين خلال لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينج، ويأمل البرنامج، الذي أُطلق عام 2024، في إنقاذ نحو 175 ألف شخص بحلول نهاية العقد الحالي.
وقال ألكسندر أوستروفسكي، أحد رواد الطباعة الحيوية في روسيا: "إذا لم تكن هناك منشورات علمية، فلا توجد نتائج حقيقية، وربما ينبغي النظر إلى هذه التصريحات باعتبارها طموحات أو أحلام".
وغادر أوستروفسكي روسيا بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، وباع شركته التي تتعاون حالياً مع الحكومة. وأضاف: "من المستحيل إجراء العلم في عزلة"، في إشارة إلى العقوبات التي قطعت جزءاً كبيراً من التعاون العلمي الروسي مع الغرب. وتابع: "ربما يخبرون بوتين بما يريد سماعه للحصول على التمويل".
كما ربط كوفالتشوك، العالم الفيزيائي قائد المشروع الروسي، بين أبحاث إطالة العمر والرؤية الأوسع للكرملين بشأن الصراع الحضاري مع الغرب. ففي خطاب أثار جدلاً عام 2015، حذر من أن الغرب يتجه نحو خلق "بشر خدّام" يمكن التحكم فيهم والتلاعب بتكاثرهم ووعيهم الذاتي.
وأشاد كوفالتشوك بفيلم سوفيتي صدر عام 1968 بعنوان "الموسم الميت"، يصور مؤامرة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مع أطباء نازيين سابقين للسيطرة على البشرية. وكان بوتين قد قال إن هذا الفيلم ألهمه للانضمام إلى جهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي).
وكان خافينسون، الذي حصل على أحد أرفع الأوسمة الروسية من بوتين تقديراً لإنجازاته الطبية، قد قال إنه يسعى إلى إطالة عمر زعيم قد يؤدي رحيله إلى أزمة في روسيا. كما اعتبر أن العمر الطبيعي للإنسان يجب أن يصل إلى 120 عاماً مستنداً إلى نصوص دينية.
و في لقاء داخل الكرملين عام 2018، نصح المستشار النمساوي آنذاك سيباستيان كورتس بتجربة غرفة العلاج بالتبريد، وهي أشبه بساونا معكوسة يتعرض فيها الجسم لدرجات حرارة قد تصل إلى ناقص 170 درجة فهرنهايت. وروى كورتس لاحقاً دهشته من حماس بوتين أثناء شرحه فوائد الوقوف عارياً داخل الغرفة المتجمدة بشكل منتظم.
بوتين يسعى لمقاومة الشيخوخةوبوتين، البالغ من العمر 73 عاماً، أمضى عقوداً في بناء صورة الرجل القوي بدنياً من خلال مشاهد الصيد عاري الصدر، ولعب الهوكي، وركوب دراجات هارلي ديفيدسون بملابس سوداء ضيقة لإبراز صورة الزعيم الذي لا يشيخ.
لكن خلف هذه الصورة تكمن شخصية شديدة القلق من التدهور الجسدي. وخلال جائحة فيروس كورونا 19 فرض بوتين إجراءات حجر معقدة شملت أنفاق التعقيم وفترات عزل طويلة للزوار، كما أصبحت طاولاته الطويلة الشهيرة رمزاً للمسافة السياسية والخوف من الجراثيم.
كما أثارت وسائل إعلام روسية وغربية تكهنات بشأن خضوعه لإجراءات تجميلية مع ازدياد نعومة ملامحه بمرور الوقت.
ويبلغ معظم مساعدي بوتين وحلفائه المقربين أعماراً تتجاوز السبعين، بمن فيهم أفراد عائلة كوفالتشوك وشخصيات نافذة مثل يوري أوشاكوف وسيرجي تشيميزوف ونيكولاي باتروشيف.
ويعكس سعي بوتين لمقاومة الشيخوخة تقليداً أقدم لدى الحكام الروس. ففي عشرينيات القرن الماضي، جذبت تجارب العالم السوفيتي ألكسندر بوجدانوف المتعلقة بنقل الدم لاستعادة الشباب اهتمام الكرملين، قبل أن يتوفى نتيجة تلك التجارب عن عمر 55 عاماً.
والتقط ميكروفون مفتوح حديثاً جانبياً بين الرئيسين بوتين وشي في بكين، سبتمبر الماضي، عن زراعة الأعضاء وإمكان أن يعيش البشر حتى 150 عاماً.
ولا تزال روسيا تعاني من واحد من أعلى معدلات الوفيات بين الدول المتقدمة. ويبلغ متوسط العمر المتوقع للرجال نحو 68 عاماً، مقارنة بنحو 76 عاماً في الولايات المتحدة وأكثر من 80 عاماً في أجزاء واسعة من أوروبا الغربية.