على مدار عقود، ظل صوت الشيخ الدكتور عبد الفتاح الطاروطي حاضرًا في وجدان المصريين، يتردد في المساجد والساحات وليالي العزاء وشاشات الإذاعة والتلفزيون، حتى أصبح واحدًا من أبرز رموز دولة التلاوة في مصر، وأحد القراء الذين ارتبط اسمهم بالأداء المتقن والخشوع الصادق، بصوته العذب ونَفَسه الطويل وقدرته اللافتة على تطويع المقامات، صنع لنفسه مكانة خاصة داخل مصر وخارجها، جامعًا بين الموهبة الفطرية والعلم الشرعي والخبرة الدعوية.

وُلد الطاروطي في قرية طاروط التابعة لمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، داخل بيت قرآني خالص؛ فوالده كان شديد الارتباط بخدمة كتاب الله، ووالدته محبة لأهل القرآن، ما جعل أجواء المنزل مشبعة بروح التلاوة والحفظ منذ الصغر، أتم حفظ نصف القرآن وهو في التاسعة من عمره، وحصد المركز الأول في مسابقات الحفظ صغيرًا، ثم التحق بالكُتّاب ومعهد الزقازيق الديني، قبل أن يواصل دراسته في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ليجمع بين الدراسة الأكاديمية والتكوين الصوتي والروحي.

منذ سنوات مراهقته، كان صوته يسبقه؛ اعتاد القراءة من نافذة منزله فيلتف حوله أهل القرية للاستماع، ثم بدأ بالأذان وإمامة المصلين، قبل أن يجوب المحافظات لإحياء الليالي والمناسبات الدينية، حتى تم اعتماده قارئًا بالإذاعة والتلفزيون في سن الثامنة والعشرين، ليصبح من أصغر القراء المعتمدين آنذاك.

 ومن هنا انطلقت رحلته الواسعة داخل مصر وخارجها، قارئًا ومحكمًا وممثلًا للبلاد في عشرات المحافل الدولية، حتى استحق لقب «كروان القراء».

لكن الطاروطي لم يتوقف عند حدود التلاوة، بل آمن بأن الحفاظ على ريادة مصر القرآنية يتطلب صناعة أجيال جديدة، فأسس معهدًا متخصصًا لإعداد القراء والمبتهلين «معهد الطاروطي لإعداد القراء والمبتهلين»، يهتم بتحفيظ القرآن، وتعليم أحكام التجويد، والتدريب على المقامات الصوتية، إلى جانب التربية السلوكية وفهم المعاني، حتى يخرج القارئ كامل الأدوات، صوتًا وعلمًا وأخلاقًا.

يقول الطاروطي، في حديثه لـ «الوفد»، إن ثمار الجهد المبذول داخل المعهد لم تعد مجرد وعود، بل تحوّلت إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، تجلّت بوضوح في مسابقة «دولة التلاوة»، موضحًا أن طلاب المعهد سجّلوا حضورًا استثنائيًا منذ اللحظة الأولى، إذ شارك 123 متسابقًا في التصفيات التمهيدية من بين نحو 14 ألف متقدم على مستوى الجمهورية، ثم واصلوا التألق بتأهل 40 طالبًا إلى المرحلة الثانية من بين 300 فقط، قبل أن يحجز 6 منهم مقاعدهم ضمن أفضل 32 متسابقًا على مستوى مصر، وصولًا إلى إنجازٍ لافت بتأهل طالبين إلى الحلقة النهائية، المقرر إذاعتها في ليلة رؤية هلال شهر رمضان المبارك، وهما الشيخ أحمد محمد علي، والشيخ محمد أحمد حسن القلاجي في تأكيد جديد على قوة الإعداد وجودة التدريب وتميّز طلاب المعهد في ساحات المنافسة القرآنية.

ويضيف بفخر: «دول أولادنا اتربوا صح، مش مجرد حفظ، لكن تلاوة وتجويد وابتهالات وفهم للمعنى وإحساس بالأداء، القارئ لازم يعرف إمتى يقف وإمتى يصل، وإزاي يوصل الرسالة قبل الصوت».

ويرى الطاروطي أن مسابقة «دولة التلاوة» تمثل خطوة فارقة في تاريخ التلاوة المصرية، معتبرًا أنها منحة من الله لمصر، لأنها أعادت الاعتبار لقيمة القارئ ووضعت القرآن في صدارة المشهد الإعلامي.

ويوضح أن فكرة مسابقة «دولة التلاوة» جاءت من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وتبنّاها الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، بالتعاون مع شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، لتخرج بصورة احترافية تجمع بين القيمة العلمية والجاذبية الجماهيرية، معتبرًا أنها منحة إلهية لمصر أعادت الاعتبار لقيمة التلاوة والقراء.

ويؤكد أن التلاوة المصرية كانت دائمًا إحدى أهم أدوات القوة الناعمة لمصر، قائلاً: «القارئ المصري له تأثير خاص، صوته بيدخل القلوب بسرعة، دولة التلاوة دي مش مجرد برنامج، دي هوية وثقافة وروح مصر».

وعن المقارنة مع المسابقة الإيرانية المعروفة باسم «المحفل»، يرى الطاروطي أن لكل تجربة طابعها الخاص، إلا أن مسابقة «دولة التلاوة» المصرية تتميز بقدر أكبر من التوازن والإنصاف في التعامل مع المتسابقين، ويوضح أن بعض المسابقات الخارجية تميل إلى إبراز خبرات المحكمين بصورة استعراضية قد تضع المتسابق تحت ضغط نفسي، وتؤثر على أدائه وثقته بنفسه، بينما تعتمد التجربة المصرية على الدعم والتشجيع إلى جانب التقييم الفني الدقيق، بما يخلق بيئة أكثر أمانًا تساعد القارئ على إظهار أفضل ما لديه. 

ويؤكد أن الكلمة الطيبة والإشادة الصادقة من لجنة التحكيم قد تصنع فارقًا كبيرًا في مسيرة المتسابق، وتمنحه دفعة معنوية تجعله أكثر ثباتًا ونضجًا على المنصة.

ويضيف أن هذا الدعم المعنوي يصنع نجومًا حقيقيين، موضحًا أن كثيرًا من المتسابقين أصبحوا معروفين لدى الجمهور، بل باتوا يحظون بشهرة تضاهي القراء المعتمدين في الإذاعة، لأن البرنامج منحهم فرصة الظهور والتقدير أمام ملايين المشاهدين.

ويؤكد الطاروطي أن مسابقة «دولة التلاوة» في مصر أصبحت لها قاعدة جماهيرية واسعة، ليس فقط داخل البلاد، بل أيضًا في دول العالم، خاصة مع الانتشار الكبير لمقاطع الحلقات عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويقول: «بقينا نشوف ملايين المتابعين بيتداولوا المقاطع ويتكلموا عن الأداء والأحكام، والناس بقت تناقش التلاوة زي ما كانت بتناقش مباريات الكرة. وده شيء يفرح».

ومن أكثر المشاهد التي أثرت في الشيخ الطاروطي على حد قوله، عودة الأسرة المصرية للالتفاف حول التلفزيون لمتابعة حدث ديني هادف، مضيفًا: «زمان كنا بنشوف الأسرة كلها مجتمعة على حاجة مفيدة، والنهارده المسابقة رجعت الروح دي تاني، البيوت والمقاهي والكافيهات بقت تتابع القرآن، وده أفضل ألف مرة من أي محتوى تاني.

ورغم مشاركته في الحلقات الأولى من البرنامج، فضّل الاعتذار، موضحًا: «استشعرت الحرج لوجود عدد من المتسابقين من خريجي معهد الطاروطي في المسابقة، لو نجحوا هيقولوا مجاملة، ولو لم يوفقوا هيُقال إن المعهد مش قوي، فاخترت أبتعد وأسيب التقييم نزيه بالكامل، والحمد لله النتائج أثبتت كفاءة الأولاد».

ويختتم الطاروطي لقاءه مع الوفد برسالة للشباب ومحبي القرآن، مؤكدًا أن الطريق إلى التميز لا يقوم على جمال الصوت وحده، بل على العلم والتربية والانضباط، قائلاً: «القرآن محتاج إخلاص قبل أي حاجة، اللي عايز يكون قارئ حقيقي يتعلم صح ويصبر ويتواضع، التلاوة رسالة ومسؤولية، ومصر طول عمرها منارة القرآن، ولازم نحافظ على المكانة دي ونورثها للجيل اللي بعدنا».

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: العلم الشرعي الإذاعة والتلفزيون مدار عقود دولة التلاوة دولة التلاوة

إقرأ أيضاً:

الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال على منصة إكس بعد بث الختمة الجديدة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

واصل اسم  الشيخ محمد صديق المنشاوى الصعود علي موقع إكس (تويتر) عقب إعلان إذاعة القرآن الكريم بث ختمة مرتلة جديدة للقارئ الكبير، حيث تجاوز اسم الشيخ المنشاوي نادي أرسنال والعديد من الأسماء الأخري لبعض الوقت.

وكانت إذاعة القرآن الكريم من القاهرة بدأت أمس الإثنين بث ختمة مرتلة جديدة تعود إلي ستينيات القرن العشرين لفضيلة القارئ الشيخ محمد صديق المنشاوى. 
ومن جانبه أشاد الكاتب أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بالجهود التي تبذلها إذاعة القرآن الكريم ووجه الشكر لأسرة القارئ الكبير علي دعمها المستمر لإذاعة القرآن الكريم. 
وقال إسماعيل دويدار رئيس شبكة القرآن الكريم : تأتي ختمة الشيخ المنشاوي الجديدة في إطار سعى إذاعة القرآن الكريم لإثراء الهواء بالجواهر الخالدة ، والكشف عن جوانب مهنية وإنسانية عز أن تتكرر ، وفي مفاجأة لجمهور مستمعي إذاعة القرآن الكريم تهدي الهيئة الوطنية للإعلام وإذاعة القرآن الكريم مصحفا مرتلاً جديداً لم يذع من قبل ، بصوت احد أعلام القراء من جيلها الذهبي فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي .
وإذ تكشف إذاعة القرآن الكريم عن التسجيل النادر فإنها لا تعلن فقط عن متعة سمعية وروحية بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي ، وإنما تفصح أيضاً عن درس إنساني وديني ومهني لفضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي ، فوراء هذا التسجيل النادر رؤية وإخلاص وسعى للكمال فقد قام فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي بتسجيل المصحف كاملاً برواية حفص عن عاصم عام ١٩٦٥ بإجازة لجنة مكونة من : الدكتور محمد عبد الله ماضي رئيساً
والشيخ سانوسى احمد يوسف    عضواً
والشيخ إبراهيم على شحاتة     عضواً
والشيخ عامر السيد عثمان  عضواً
والشيخ محمود برانق عضواً
الشيخ  محمد سليمان صالح عضواً
والمهندس فاروق عامر
 

ولأن الشيخ الجليل كان دائم السعي للجودة والإتقان .. فبعد أن استمع إلى الختمة المسجلة على اثنين وثمانين شريطاً قرر إعادة اثنين وثلاثين شريطاً منها ، من أجل المزيد من الدقة ، فتقدم بطلب للإذاعة وقام بالتسجيل واستمعت اللجنة له وأجازته وأشادت به. وكان ذلك في عام ١٩٦٧ . 
وأضاف دويدار: منذ ذلك التاريخ لم تذع هذه التسجيلات ، إلي أن بدأت إذاعة القرآن الكريم إذاعتها اعتباراً من اليوم.

1000689001

مقالات مشابهة

  • برلمانية: إحياء قلب القاهرة نقلة حضارية تعيد لمصر مكانتها السياحية والتاريخية
  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال على منصة إكس بعد بث الختمة الجديدة
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • الأوقاف تعلن موعد بدء الاختبارات التحريرية المركزية للمسابقة العالمية الثالثة والـ ثلاثين في حفظ القرآن
  • علي جمعة: التيمم رخصة شرعية عظيمة جاءت للتخفيف ورفع الحرج عن العباد
  • بدء الاختبارات التحريرية المركزية للمسابقة العالمية 33 في حفظ القرآن الكريم وفهم معانيه
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي
  • وزير البترول يشارك في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان ممثلاً لمصر