لجريدة عمان:
2026-07-24@10:33:45 GMT

استغلال أخلاق الإنسان!

تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT

دائما أسأل نفسي: لماذا يتحول بعض الناس فجأة إلى أشخاص آخرين غير الذين كنا نراهم أو نعرف طباعهم في الماضي؟ ربما هناك سر خفي يخفيه البعض في نفسه، لكن الحقيقة الغائبة الحاضرة تتمثل في شطرين، ما هذا التحول البشري في السلوك إلا جاء نتيجة أمرين؛ الأول هو أن الإنسان أحيانًا يسأم من ارتداء الأقنعة للوجه الذي يقابل فيه الناس، فيفضل العودة إلى الأصل الذي لا يرى منه، وما يبديه لاحقًا هو الأصل الذي خُلق عليه، أما الثاني فعملية التحول الجذري يكون سببها الظروف والضغوطات التي يواجهها الشخص في حياتهم، سواء من أقرب الناس إليه أو البعيدين عنه.

وربما لاحظنا جميعًا أن يتحول إنسان ما بين ليلة وضحاها إلى شخص آخر غير معلوم لدينا، وهذا التحول لا بد أنه جاء نتيجة خضوعه إلى ممارسات أو أسباب دفعته إلى إظهار وجهه الحقيقي أو تلبس وجه آخر ليس الوجه الذي هو عليه، فقط لكي يستطيع أن يدافع عن نفسه.

هناك من الناس من أعرفهم حق المعرفة، لكن بعض تصرفاتهم تصدمني، وبثت في نفسي الكثير من الحيرة، وربما لا أصدق ما أسمع أو أرى من تصرفاتهم وأقوالهم!

ولكن عندما تنقشع الغمامة من أمام عيني أرى ذلك المبرر الوجيه في وصولهم إلى مثل هذه الحالة من التغير المفاجئ، سواء من السلوك أو ردود الأفعال، فأحيانًا "الناس" هم من أوصلوهم إلى هذه المرحلة أو الحالة التي يبدون فيها من السوداوية والوجع والتوحش، فاستغلال أخلاق الإنسان بشكل سلبي قد يكون سببًا وجيهًا لظهور شخصية أخرى جديدة تمارس حياتها بعكس ما بدأت.. كيف ذلك؟

عندما يكون الإنسان كريمًا مع غيره يحاول البعض استنزافه بشتى الطرق بالخديعة والتحايل، وعندما يكون متسامحًا يسعى الآخرون إلى مضايقته والنيل من إنسانيته، وعندما يكون واثقًا فيمن يتعامل معهم "تستغفله" المخادعون معتقدين بأنه شخص ساذج وغبي يسهل عليهم خداعه، وعندما يجدونه ذلك السند والعضد يثقلون عليه بأوجاعهم وبمشاكلهم وكأنه شخص خالص من أي شيء، وعندما يجدونه لينًا ودودًا في تعاملاته ينظر إليه كشخص "تافه" لا يفقه من الحياة شيئًا!

هذه الاعتبارات والممارسات الخاطئة وغيرها، يمكن أن تخلق شخصيات جديدة من العدم، فعندما يضجر الإنسان من كل الأخطاء التي تستهدفه ويكون لديه ردة فعل، يعود الناس ليتهموه من جديد: لقد "ظهر على حقيقته"!

هذه ليست حقيقته، وإنما أنتم من أوصلتموه لهذه الحالة المزرية التي تستحقون أن يتعامل بها معكم! يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المائدة:

"وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ".

الإنسان يقرأ الآخرين من خلال تعاملاتهم وردود أفعالهم، للأسف عندما يسوق لنا القدر أشخاصًا مهذبين لطيفين، لا نحسب لمشاعرهم شيئًا، بل لا نبالي إذا ما تعدينا "الخطوط الحمراء" معهم، بينما الأشخاص الغليظين المتشددين نقف عند حدود الحديث معهم.. لماذا هذه الازدواجية في التعامل؟

عامل الناس بما تحب أن تُعامل به منهم، فالمعاملة الحسنة يجب أن يقابلها الحسن، أما إلغاء الفواصل والحدود مع اللطفاء وأصحاب القلوب الرحيمة فلا يستحقون منك كل هذا التهميش والتجاوز في حقوقهم، فكل إنسان بداخله شخص آخر يمكن أن يظهر ويتوحش بشكل مفاجئ إذا ما وجد نفسه الحلقة الأضعف بين الناس.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه

في كل بيت تقريبًا، يوجد هاتف لا يفارق اليد، وفي كل مجلس، شاشات تسرق بعضًا من وقته، وفي صخب هذا العالم، يقف الكتاب ساكنًا، منتظرًا من يمدّ يده ليحمله. لم يعد غريبًا علينا أن نقضي ساعة نتصفح مقاطع الفيديو والمنشورات دون أي شعور، بينما تبدو قراءة بضع صفحات من كتاب وكأنها تتطلب موعدًا واستعدادًا.

لم يؤثر هذا التحول على القارئ فحسب، بل على الكاتب أيضًا.

وراء كل كتاب قصة لا يراها الناس. فكرة ولدت في عقل إنسان، ثم نمت معه في أيامه وربما سنواته، عمل بجد من أجلها، وكتب ومسح وأعاد الكتابة، ثم ابتهج يوم رأى اسمه على غلاف كتاب، نهنئه، ونرسل له الزهور والتهاني، ونقول: «فخرٌ وإضافةٌ رائعة»، ثم نعود إلى هواتفنا، ويبقى هو يتساءل في صمت: من سيقرأ؟

اليوم، لا يقتصر دور الكاتب على الكتابة فحسب، بل يُثقل كاهله هموم الطباعة والنشر والتوزيع والتسويق. وقد يُنفق من ماله الخاص لإيصال فكرته إلى الناس، ثم يجد نفسه على الأبواب يسأل عن مكان لعرض كتابه أو يطلب دقيقة من قارئ.

لا يعني هذا أن كل كتاب جدير بالاحتفاء أو الدعم: فالأفكار تختلف، وكذلك قيمتها. ولكن بيننا مُعلّمٌ أمضى سنواتٍ في قاعات الدراسة، وباحثٌ درس هموم الناس، وشيخٌ يحمل ذاكرة مكان، وشخصٌ تعلّم من الحياة ما قد يُفيد الآخرين. كم من القصص ماتت مع أصحابها؟ وكم من التجارب ظلت حبيسة الذاكرة لأن أحداً لم يشجع الكاتب على تدوينها؟

قد نفقد كتبًا يومية لن نعرف أسماء مؤلفيها أبدًا، لمجرد أنها لم تُكتب أصلًا.

في مجتمعنا، نحتفل بالمناسبات ونتجمع حول الإنجازات، ونفرح لرؤية اسم أحد أبناء وطننا على غلاف كتاب. كل هذا جميل، لكن الكاتب أحيانًا يحتاج إلى أكثر من مجرد التهنئة. يحتاج إلى أن يُباع كتابه ويُقرأ، وأن تُناقش أفكاره، ويحتاج إلى مؤسسات تُتيح للكتاب الجيد نافذةً تُقرّبه من الناس.

يجب على الكاتب أيضًا أن يتقرب من قارئ اليوم. الهاتف ليس دائمًا خصمًا، بل قد يكون بوابةً إلى عالم الكتب. فكرةٌ موجزة، أو مقطعٌ جميل، أو حديثٌ صادق عن تجربة قراءة كتاب، قد يُعيد المرء إلى عالمه بعد غياب.

الكتاب ليس مجرد مجموعة من الأوراق، بل هو أثرٌ تركه شخصٌ في حياة آخر. وأحيانًا نقرأ فكرةً خطّها أحدهم قبل عقود، فتُغيّرنا بطريقةٍ لا تستطيع ألف فقرة عابرة أن تُحدثها.

لذا، قبل أن نقول إن الناس قد عزفوا عن الكتب، لعلنا نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بالكتب؟ هل اشتريناها؟ هل قرأناها؟ هل أهديناها لأبنائنا؟ وهل كرّمنا من بيننا من اختار الكتابة؟

قد يأتي يومٌ نبحث فيه جميعًا عن قصصنا وتجاربنا، فلا نجدها، ليس لأننا لم نعشها، بل لأن من كان بإمكانهم كتابتها قد أنهكهم التعب... ووضعوا أقلامهم جانبًا.

مقالات مشابهة

  • سلام: الجنوبيون ليسوا وحدهم والدولة تعود معهم وإليهم لإعادة الإعمار والاستقرار
  • فضل الله: نرحّب بانتشار الجيش لكننا لا نريد أن يكون خاضعًا لإذن العدوّ أو شروطه
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • برج الحمل| حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026.. تحقيق طموحاتك
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • كولر : تدريب الأهلي كان الأصعب .. وعندما تخسر الأفضل البقاء في المنزل
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • نقابة الصحفيين السودانيين ترفض أوامر القبض بحق إعلاميين وتعلن تضامنها معهم