البرلمان العربي للطفل بالشارقة يوصي بتعزيز الأمن السيبراني لحماية الأطفال رقميًا
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
كتبت- ليلى الحسنية
اختتمت اليوم أعمال البرلمان العربي للطفل من الدورة الرابعة والذي جاء بعنوان: «الأمن السيبراني: نحو محتوى صديق للأطفال العرب»، بمشاركة
ممثلي سلطنة عُمان من أعضاء البرلمان العربي للطفل وذلك في إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة.
وشهد اليوم الختامي عقد الجلسة الثالثة للبرلمان، حيث ناقش الأعضاء البرلمانيون موضوع الأمن السيبراني، ما يؤكد نضجهم وتحفزهم لمواكبة تحديات العصر، ومناقشة القضايا ذات الأولوية، وكل ما له ارتباط وثيق بحقوق الأطفال وحمايتهم من أي مهددات.
وتمثلت أبرز النقاشات حول ضرورة سنّ سياسات تحمي الأطفال في البيئة الرقمية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة في التوعية، وتشجيع إنتاج محتوى عربي هادف وآمن يراعي خصوصية الطفل وثقافته. كما أكد المشاركون أهمية إدراج مفاهيم الأمن السيبراني ضمن المناهج التعليمية، بما يسهم في بناء جيل واعٍ بحقوقه الرقمية وواجباته.
وعلى هامش الجلسة عقدت حلقات تدريبية حول موضوع الأمن السيبراني، قدمها مركز الشارقة للأمن السيبراني التابع لدائرة الشارقة الرقمية وجلسات توعوية تهدف إلى تمكين الأطفال من مهارات أساسية، مثل إدارة كلمات المرور، وحماية الحسابات الشخصية، والتعامل مع محاولات التصيد والاختراق، وفهم مفهوم «البصمة الرقمية» وتأثيرها المستقبلي. وعكست الجلسة حرص البرلمان على تمكين الطفل العربي من أن يكون شريكًا فاعلًا في صياغة رؤى مستقبلية لعالم رقمي أكثر أمانًا وعدالة. كما تؤكد أن حماية الأطفال في الفضاء الإلكتروني لم تعد خيارًا، بل مسؤولية مشتركة تتقاسمها المؤسسات التشريعية، والتعليمية، والإعلامية، والأسر.
وقال سعادة أيمن عثمان الباروت الأمين العام للبرلمان العربي للطفل: يعتبر البرلمان العربي للطفل إحدى المؤسسات التابعة لجامعة الدول العربية. وتستضيفه إمارة الشارقة بمكرمة كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة منذ تأسيسه في عام 2019.
ومن أبرز أهداف البرلمان تدريب الأطفال وصقل مهاراتهم حتى يكونوا قادرين على ممارسة حقوقهم. وعلى رأسها الحق في التعبير عن آرائهم بالشكل المناسب والمسؤول. فالحق في التعبير يعتبر في مقدمة الحقوق وأهمها، ولهذا يوليه البرلمان أهمية كبيرة من خلال الحزم التدريبية التي تتكامل خلال الدورة البرلمانية التي تمتد لفترة عامين.
توصيات الأعضاء
وعلى هامش الختام قدم الأعضاء ممثلو سلطنة عُمان في الجلسة عددا من التوصيات التي تسهم في تعزيز بيئة رقمية صديقة للأطفال العرب، وترسّخ ثقافة الأمن السيبراني كأحد المرتكزات الأساسية لبناء مجتمع معرفي آمن ومستدام. وأبرز التوصيات التي قدمها العضو ناصر بن طلال الحسيني وجود الرخصة الرقمية للطفل وإدراجها في مادة (المواطنة الرقمية) كجزء أساسي في المناهج الدراسية العربية، وتمنح الطفل مهارات تقييم المحتوى وحماية بياناته الشخصية قبل امتلاكه لأي جهاز ذكي، كما أوصى بإنشاء تطبيق طوارئ سيبراني للأطفال تحت إشراف جهة أمنية، يتيح للطفل الإبلاغ عن أي محاولة اختراق بضغطة زر واحدة، ويوفر له الدعم النفسي والتقني من خبراء متخصصين في التعامل مع الأطفال، لضمان عدم مواجهته للخطر وحيدًا. بالإضافة لتفعيل برلمانات تقنية في كل دولة تتكون من أطفال موهوبين برمجياً يعملون كمستشارين للجهات الأمنية والتقنية لتحديد الثغرات والمخاطر التي يواجهها أقرانهم في الألعاب والتطبيقات.
كما أوصت العفراء بنت سيف العوفي في كلمتها: بإبرام اتفاق عربي بدعم حكومي لإنشاء مركز إقليمي معني بالأمن السيبراني للأطفال، يضم مختصين ومبرمجين لتطوير وإدارة تطبيقات وألعاب تعليمية وترفيهية مخصصة للأطفال العرب، محمية بأعلى معايير الأمن السيبراني، كما يضم صناع الأعمال الأدبية والفنية كصناع الأفلام وكتاب القصص والمسرحيات، لإنتاج محتوى صديق للطفل، يناسب هُويتنا المشتركة، مبطن برسائل تعزز وعي الطفل بالأمن السيبراني. وإنشاء "جواز سفر رقمي" يمنح الطفل شارات أمان رقمية عند اجتياز مهارات مثل حماية الخصوصية، والتحقق من الأخبار، واحترام الآخرين إلكترونيًا، ليصبح الأمن السيبراني سلوكًا يوميًا وليس مادة نظرية.
وقدمت زلفى بنت أحمد الرواحي توصياتها مجملة في تعزيز التوعية الرقمية لدى الأطفال بأسلوب مبسط يناسب أعمارهم وتطوير منصات عربية آمنة تقدم محتوى هادفًا وجاذبًا. مع تمكين الأسرة من أدوات الإرشاد والحماية الرقمية.
وأشاد الوفد العُماني بجهود أعضاء البرلمان العربي في الحديث عن موضوع الأمن السيبراني ومدى أهميته لحماية الطفل في الفضاء الرقمي.
وعبرت مشرفة أعضاء البرلمان العربي للطفل ممثلي سلطنة عُمان منى بنت محمود البوسعيدي عن فخرها واعتزازها بالمستوى المتميز الذي ظهر به الأعضاء خلال الجلسة، مؤكدة أن مشاركتهم عكست وعيًا عميقًا بالقضية المطروحة وقدرة لافتة على الحوار البنّاء وإبداء الرأي بثقة ومسؤولية. وأشادت بتركيز التوصيات على تعزيز الرقابة الإيجابية، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة في التوعية الرقمية، وتشجيع إنتاج محتوى عربي آمن وهادف يراعي خصوصية الطفل وثقافته، إلى جانب الدعوة إلى سن تشريعات وسياسات تحمي الأطفال من المخاطر الإلكترونية دون المساس بحقوقهم في التعلم والوصول للمعلومة.
وأكدت أن ما طرحه الأعضاء لم يكن مجرد أفكار نظرية، بل رؤى عملية قابلة للتطبيق، تعكس فهمًا عميقًا للتحديات الرقمية المعاصرة، وتؤكد أن أطفال اليوم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل رقمي أكثر أمانًا وعدالة للأطفال العرب.
وأفادت أن الجلسة شكلت محطة مهمة في مسيرتهم البرلمانية، ورسخت لديهم قيم العمل الجماعي والتعاون، مضيفةً أن ما قدمه ممثلو سلطنة عُمان يعكس الصورة المشرفة لأبناء سلطنة عُمان وقدرتهم على تمثيل وطنهم بكل كفاءة واقتدار في المحافل العربية.
وأشارت ابتسام بنت منصور التوبي مشرفة أولى إرشاد اجتماعي قائلة : من أبرز الرسائل التي ينبغي إيصالها لصنّاع القرار بشأن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي: سلامة الطفل الرقمية، فالفضاء الرقمي ليس عالمًا افتراضيًا منفصلًا عن حياة الطفل، بل هو جزء من بيئته اليومية، لذلك يجب أن تُعامل المخاطر الرقمية (التنمر، الاستغلال، الابتزاز، المحتوى الضار) بنفس الجدية التي تُعامل بها المخاطر في المدرسة أو الشارع. ووجود تشريعات واضحة ومحدَّثة تحمي الطفل، فنحتاج إلى قوانين تجرّم بوضوح الابتزاز الإلكتروني والاستغلال الجنسي للأطفال، تُلزم المنصات الرقمية بإزالة المحتوى الضار بسرعة، تفرض عقوبات رادعة على من يستهدف الأطفال عبر الإنترنت وكذلك الوقاية بالتعليم أهم من العلاج بالعقوبة لا تكفي القوانين وحدها.
ومن جانبه قال أحمد بن مسعود الراشدي فني دعم أجهزة مكتبية : إن موضوع الأمن السيبراني مهم للأطفال في الوقت الحالي لعدة أسباب، من أبرزها الانتشار الواسع للتكنولوجيا، حيث أصبح الأطفال يستخدمون الأجهزة الذكية والإنترنت في التعلم والترفيه والتواصل، مما يزيد من حاجتهم لمعرفة كيفية الاستخدام الآمن. والحماية من المخاطر الإلكترونية التي تعرض الأطفال لمخاطر مثل التنمر الإلكتروني، والاحتيال، وسرقة المعلومات الشخصية، أو التواصل مع أشخاص مجهولين، لذلك يحتاجون إلى الوعي بكيفية حماية أنفسهم. ولابد من تعليم الأطفال عدم مشاركة معلوماتهم الشخصية مثل الاسم الكامل أو العنوان أو الصور الخاصة لغيرهم، وتنمية السلوك الرقمي، فالأمن السيبراني يساعد الأطفال على استخدام الإنترنت بطريقة أخلاقية وآمنة، واحترام الآخرين في البيئة الرقمية.
وقالت نجماء بنت عيسى الرواحي، مديرة مدرسة عائشة أم المؤمنين(10-12): إن مشاركة الطلبة في البرلمان العربي للطفل حافز لتنمية وصقل شخصية الطلبة فتعزز لديهم الثقة بالنفس وتنمي مهارة الحوار والمناقشة والهُوية والمواطنة وتوسع مداركهم في الاطلاع على تجارب مشاركات زملائهم في البرلمان والدول الأخرى وتفتح لهم آفاقا مستقبلية وتشجع لديهم تطوير مهاراتهم وإبداعاتهم.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: البرلمان العربی للطفل للأطفال العرب
إقرأ أيضاً:
بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
«إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.
ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».
من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.
شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات
لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها.
يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».
ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».
وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.
قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.
يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.
فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.
النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.
امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.
أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعياركانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.
وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.
عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيهافي إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.
في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.
الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار
لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.
وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.
«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين
وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.