الهوية في زمن المنصات الرقمية
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
د. أحمد بن علي المرهون
أصبحت المنصات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية ولم تعد مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه. هذا الحضور الكثيف أعاد تشكيل طريقة تفكير الأفراد بأنفسهم وطريقة عرضهم لهويتهم أمام الآخرين، وجعل الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة للتأثير المتبادل بين الفرد والمجتمع.
في العالم الرقمي يملك الإنسان حرية واسعة في التعبير عن ذاته.
المنصات الرقمية غيَّرت مفهوم الهوية الاجتماعية. لم يعد الانتماء محصورًا في المكان أو البيئة القريبة وأصبح الفرد جزءًا من مجتمعات رقمية عابرة للحدود. هذا التوسع ساهم في تبادل الثقافات وتوسيع المدارك، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى ذوبان الخصوصية الثقافية إذا لم يكن هناك وعي يحفظ التوازن بين التأثر والتأثير. كما أثرت هذه المنصات على اللغة والسلوك اليومي. أصبحت اللغة أكثر اختصارًا وردود الفعل أسرع والانطباعات تُبنى خلال ثوانٍ. هذا الإيقاع السريع قد يضعف أحيانًا عمق الحوار ويجعل الهوية الرقمية قائمة على الصورة واللحظة أكثر من الجوهر والاستمرارية. ومع الوقت قد تتسع الفجوة بين ما يظهره الفرد رقميًا وما يعيشه واقعيًا.
ومن التحديات الواضحة أيضًا تأثير المقارنة المستمرة. ومتابعة حياة الآخرين وإنجازاتهم وصورهم المنتقاة قد تخلق شعورًا بالضغط أو عدم الرضا عن الذات. هذا التأثير النفسي ينعكس مباشرة على شعور الفرد بهويته وقيمته الذاتية، خاصة لدى الفئات الأصغر سنًا.
رغم هذه التحديات، لا يمكن النظر إلى المنصات الرقمية بوصفها تهديدًا مباشرًا للهوية. الخطر لا يكمن في التقنية نفسها وإنما في غياب الوعي بأسلوب الاستخدام. التعامل الواعي مع المحتوى والقدرة على التمييز بين الواقع والصورة المعروضة والحفاظ على القيم الشخصية، كلها عناصر تساعد على حماية الهوية وتعزيزها.
لا تعد الهوية في زمن المنصات الرقمية ثابتة ولا مهددة بالضرورة، لكنها في حالة تشكل مستمر. الحفاظ عليها يتطلب توازنًا بين الحضور الرقمي والانتماء الواقعي وبين الانفتاح على العالم والتمسك بالجذور، حتى يبقى الإنسان حاضرًا بذاته لا بصورة يصنعها للآخرين فقط.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
مزيج فرعوني وإسلامي وأفريقي.. عماد الساعي يرسم ملامح الهوية المصرية
أكد الدكتور عماد الساعي مستشار الأمم المتحدة لإدارة المخاطر، أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في فقدان الهوية، وإنما في فقدان «بوصلة الهوية» التي تهدي المجتمع إلى فهم مكوناته الحضارية والثقافية.
واستشهد عماد الساعي، خلال لقائه مع الإعلامي مصطفى بكري في برنامج «حقائق وأسرار» المذاع على قناة صدى البلد، بمقولة للشاعر أحمد فؤاد نجم عن «طبلية بهية»، باعتبارها رمزا يجمع روافد الهوية المصرية المتعددة، من الفرعونية والإغريقية والبيزنطية إلى الإسلامية والمسيحية والعربية، بما يعكس ثراء الثقافة المصرية وتنوعها.
واستحضر بيتا للشاعر عبد الرحمن الأبنودي: «هي البطولة تعيش اسمك.. ولا البطولة إنك تعيش؟»، موضحا أن الهوية المصرية ترتبط بالحفاظ على الاسم والتاريخ وصناعة الأثر، وليس بمجرد البقاء أو العيش الفردي.
وأوضح الساعي أن القوى الناعمة تبدأ من الهوية، ثم تتشكل عبر السردية، فالتجربة، وصولا إلى الجاذبية والتأثير، بحيث يصبح «الهوى المصري» عنصرا قادرا على استقطاب الشعوب بمختلف ثقافاتها وجنسياتها.
وأشار إلى أن الهوية المصرية تقوم على مزيج حضاري متفرد يجمع بين إرث الحضارة المصرية القديمة، والحضارة الإسلامية، ومصر الحديثة، إلى جانب عمقها الأفريقي، وهو ما يمنحها خصوصية وتميزا.
وفي حديثه عن الحضارة المصرية القديمة، لفت الساعي إلى أنها الحضارة الوحيدة التي وثّقت تاريخها وأحداثها مباشرة على جدران المعابد، على خلاف كثير من الحضارات التي انتقلت رواياتها عبر مؤرخين أو منتصرين، بما قد يفتح المجال أمام التحيز أو المبالغة في سرد الوقائع.
اقرأ أيضاً«السيادة والسلام ودعم الشرعية».. مصطفى بكري يكشف رسائل خطاب الرئيس اليمني
في ذكرى رحيله.. مصطفى بكري: اللواء عمر سليمان تصدى للعديد من المؤامرات ضد الوطن
في ذكرى ثورة 23 يوليو.. عبد الحكيم عبد الناصر ومصطفى بكري يزوران ضريح الزعيم (صور)