جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@22:13:46 GMT

إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه

تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT

إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

في بداية الحكاية، لم يكن هناك ما يثير الشفقة أو يدعو للتعاطف. كان المشهد طبيعيًا، بل مُبشّرًا. مشروع تجاري بدأ من فكرة بسيطة، تطوّر بالتخطيط، واستقام بالعمل المتواصل. صاحبه لم يرث تجارة، ولم يدخل السوق مغامرًا بجهل، بل دخلها بوعيٍ وحساباتٍ واضحة. درس المخاطر، استشار المختصين، وأخذ تمويلًا مدروسًا من البنك، لأنه كان يؤمن أن الطموح لا يكبر بلا دعم.

كان المشهد متوازنًا: بنك موّل، مؤجر وفّر الموقع، موردون التزموا بالتوريد، وعمال وجدوا مصدر رزق. الجميع مستفيد، والجميع راضٍ. في تلك المرحلة، لم يكن صاحب المشروع محط تساؤل أو شك، بل كان مثالًا للتاجر الجاد. يسدد التزاماته في وقتها، ويؤجل رفاهيته الشخصية كي لا يتأخر عن استحقاقٍ واحد. كانت العلاقة بينه وبين تلك الأطراف علاقة ثقة متبادلة، أو هكذا بدا الأمر.

مرت السنوات الأولى مستقرة، ثم بدأت التحديات تظهر تدريجيًا. لا انهيار مفاجئًا، ولا خطأ فادحًا، بل سلسلة من الظروف المتراكمة: سوق يضيق، منافسة غير متكافئة، ارتفاع في التكاليف، تغير في سلوك المستهلك، وأحيانًا قرارات لا تترك للتاجر مساحة للمناورة، ولا تُبقي له أدوات كان يمكن أن يلجأ إليها. حاول صاحب المشروع التكيّف، عدّل نموذجه، ضغط نفقاته، وتحمل ما يمكن تحمله، لكنه كان يسير عكس تيارٍ أقوى منه.

جاءت لحظة التعثر بطيئة لكنها حاسمة. لم يعد قادرًا على الإيفاء بكل شيء في وقته، لا لأنه لم يعد يريد، بل لأنه لم يعد يستطيع. وهنا، بدأ الوجه الآخر للحكاية يظهر.

البنك الذي كان يفاخر بقصص النجاح، استدعى لغة العقود والإنذارات. المُؤجِّر الذي كان يبارك التوسع، أصبح لا يرى إلّا تاريخ الاستحقاق. المورد الذي بنى جزءًا من مبيعاته على هذا المشروع، طالب بحقه كاملًا دون نقاش. لم تعد هناك مساحات للحوار، ولا اعتراف بتاريخ العلاقة، وكأن السنوات الماضية لم تكن سوى مرحلة مؤقتة انتهى مفعولها.

هنا يتجلى المثل العُماني بوضوحٍ موجع:" إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه"؛ فالسقوط لا يجذب العون بقدر ما يستدعي القسوة، والتعثر لا يُقابل بالفهم بقدر ما يُواجَه بالتجريم.

الأقسى من المطالبة بالحقوق، هو تغيّر النظرة. فالتاجر المتعثر يُصوَّر فجأة وكأنه غير منضبط، أو مغامر طائش، أو شخص لم يُحسن التقدير، مع أن الجميع يعلم أن الحسابات في التجارة لا تحكمها الأرقام وحدها، بل الظروف، والتوقيت، والحظ، وتقلبات السوق.

في مجتمعات كثيرة، يُنظر إلى التعثر كمرحلة طبيعية في حياة المشاريع؛ لأنهم يفصلون بين فشل الفكرة، وقيمة الإنسان الذي وقف خلفها؛ فهناك ما يُعرف بثقافة الإنقاذ، وإعادة الجدولة، ومنح الفرص الثانية. لأنهم يدركون أن إنقاذ مشروع متعثر أقل كلفة من تصفية مشروع منهار. أما في واقعنا، فكثيرًا ما يُختصر الطريق في القضاء والإغلاق، وكأن الهدف ليس حماية الحق فقط، بل التخلص من المشكلة بأسرع وقت.

هذا النهج لا يضر التاجر وحده؛ بل يترك أثره العميق على الاقتصاد والمجتمع. فحين يُغلق مشروع، لا يُغلق معه ملف شخص، وإنما تُقطع أرزاق موظفين، وتتقلص حركة السوق، وتزداد البطالة، ويترسخ الخوف في عقول الشباب. يصبح السؤال الشائع: لماذا نغامر بمشروع، إذا كانت العثرة الواحدة كفيلة بإسقاطنا اجتماعيًا وماليًا ونعامل معاملة المجرمين؟

وهكذا، تتحول روح المبادرة إلى تردد، والطموح إلى حذر مفرط، ويخسر الاقتصاد طاقات كان يمكن أن تصنع فرقًا لو وُجدت منظومة أكثر إنصافًا.

الحديث هنا لا يدعو إلى إسقاط الحقوق، ولا إلى التهاون في الالتزامات، بل إلى إعادة تعريف الشراكة. فالبنك ليس مجرد جهة إقراض، والمؤجر ليس مجرد مالك عقار، والمورد ليس بائعًا عابرًا. ولكن كلهم شركاء أو جزء من دورة اقتصادية واحدة، وأي خلل في أحد أطرافها ينعكس على الجميع.

فالشراكة الحقيقية لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل في لحظات الشدة. فمن وقف مع التاجر حين تعثر، لم يخسر حقه، بل استثمر في عودته. ومن مد له يد التفاهم، لا السكين، حافظ على السوق وعلى نفسه قبل أن يحافظ عليه.

في الختام، لا نبحث عن بطل ولا عن مذنب. نبحث عن عقل اقتصادي أكثر نضجًا، ورؤية أعمق لمعنى العدالة بالتالي نحتاج إلى إعادة النظر في معاملتنا؛ بل حتى في القانون الذي ينظم العلاقة فأصحاب المشاريع ليسوا مجرمين؛ بل اصحاب مبادرات؛ فالتجارة ليست طريقًا مستقيمًا، والمشاريع لا تُقاس بلحظة سقوطها فقط؛ بل بما سبقها وما يمكن أن يليها.

"إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه" مثلٌ نُردِّده كثيرًا، لكن التحدي الحقيقي هو: هل سنبقى نكرره بوصفه واقعًا، أم نحاول أن نجعله تحذيرًا نتعلم منه؟ لأن الجِمال، مهما كانت قوية، حين تسقط، لا تنهض بالسكاكين التي تجهز عليها، بل بالأيدي التي تؤمن أن إنقاذها اليوم، هو حماية للجميع غدًا.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟

رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.

ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض. 

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئيةافتراس غامض.. علماء يرصدون نجوما تلتهم كواكب شبيهة بالأرضالفطريات تمهد طريق البشر للمريخ.. هل اقترب حلم استعمار الكوكب الأحمر؟رصد كوكب غريب.. صباحات ملبدة بالسحب على بعد 299 سنة ضوئيةصخور غامضة فوق سطح المريخ.. اكتشاف يفتح بابا جديدا لأسئلة الكوكب الأحمرهلال فضي فوق الكوكب الأحمر.. مشهد نادر للمريخ | ايه الحكايةأكبر شلال على الأرض

رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.

ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء. 

ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.

وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة. 

كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.

ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟

لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.

ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات. 

ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.

ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.

طباعة شارك أكبر شلال على الأرض شلال مضيق الدنمارك أين يقع أكبر شلال في العالم أهمية شلال مضيق الدنمارك قصة أكبر شلال في العالم

مقالات مشابهة

  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية يطلق الدورة 15 من مشروع تطوير الخدمة المدنية
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • 30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر
  • مشروع قانون لاستبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بدمغة نسبية | تفاصيل
  • أمانة عمّان تطرح مشروع المواقف الذكية للاستثمار
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • بعد نفي الحكومة تطبيقها على المنازل.. مشروع قانون يفرض 20 جنيها ضريبة لكل 20 ألف قدم غاز طبيعي على الشركات
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • مشروع جديد لـ«طلعت مصطفى» في العراق يرفع محفظة أراضي المجموعة إلى 128 مليون متر مربع