المحكمة المختصة بالطعن في قرار ملء المقعد الشاغر/ إشكالية بين “صحة النيابة” ورقابة القرار الإداري
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
#سواليف
المحكمة المختصة بالطعن في قرار ملء المقعد الشاغر/ إشكالية بين “صحة النيابة” ورقابة القرار الإداري
المحامي د. حازم سليمان توبات
استاذ القانون الدستوري المساعد في كلية القانون/ جامعة اليرموك
يثير قرار الهيئة المستقلة للانتخاب بتطبيق الفقرة (3) من المادة (58) من قانون الانتخاب لتحديد من يخلف النائب الذي شغر مقعده إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بتحديد الجهة القضائية المختصة بنظر الطعن في هذا القرار.
تكمن حساسية المسألة في أن القرار المطعون فيه لم يكن إجراءً تنظيميًا مجردًا، بل ترتب عليه إعلان شخص نائبًا في مجلس النواب ومباشرته مهامه بعد أداء اليمين الدستورية. وهذا الأثر هو الذي فتح باب التساؤل حول طبيعة النزاع وحدود الاختصاص.
الفرضية الأولى: النزاع طعن في صحة النيابة
تنطلق هذه الفرضية من أن جوهر النزاع لا يقف عند حدود مشروعية قرار إداري، وإنما يمتد إلى صحة اكتساب الصفة النيابية ذاتها. فإذا كان القرار قد أنشأ مركزًا دستوريًا جديدًا يتمثل في العضوية البرلمانية، فإن الطعن فيه يُعد — وفق هذا التصور — طعنًا في صحة النيابة، مما ينعقد معه الاختصاص لمحكمة التمييز استنادًا إلى المادة (71) من الدستور، التي خولتها الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب.
غير أن هذه الفرضية تثير إشكالًا جوهريًا يتعلق بالميعاد الدستوري، إذ ربطت المادة (71) الطعن بتاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية وحددته بخمسة عشر يومًا. وفي حالة ملء المقعد الشاغر لا يوجد نشر لنتائج انتخابية جديدة، وإنما يوجد قرار لاحق بتطبيق نص قانوني ينظم آثار الشغور. وهنا يثور التساؤل: هل يجوز القياس على النص الدستوري واعتبار قرار الهيئة نقطة بدء جديدة لميعاد الطعن؟
القول بجواز ذلك يعني التوسع في تفسير اختصاص استثنائي محدد بنص وميعاد، وهو ما يثير تحفظًا من زاوية التفسير الضيق للاختصاصات الدستورية.
الفرضية الثانية: النزاع طعن في قرار إداري نهائي
أما الفرضية الأخرى فتقوم على التمييز بين مصدر الصفة النيابية وأثرها. فالعملية الانتخابية الأصلية قد انتهت واكتملت نتائجها ونُشرت في الجريدة الرسمية. أما ملء المقعد الشاغر فلا يستند إلى اقتراع عام جديد، بل إلى تطبيق نص قانوني ينظم كيفية معالجة الشغور بعد انتهاء العملية الانتخابية.
وبالتالي فإن مصدر الصفة النيابية في هذه الحالة هو قرار إداري صادر عن الهيئة المستقلة للانتخاب أثناء ممارستها لاختصاصها التنفيذي في تطبيق قانون الانتخاب، لا نتيجة انتخابية منشئة. وعليه فإن الطعن ينصرف إلى مدى مشروعية تفسير وتطبيق المادة (58)، وهو ما يندرج ضمن ولاية المحكمة الإدارية باعتبارها صاحبة الاختصاص العام في رقابة القرارات الإدارية النهائية، ما لم يرد نص خاص يخالف ذلك. ولا يوجد في التشريع نص صريح يُسند الطعن في قرارات ملء الشغور إلى محكمة التمييز.
موضع التعقيد الحقيقي
الإشكالية لا تتعلق بمجرد توزيع إجرائي للاختصاص، بل تتصل بضمان حق التقاضي ومنع انسداد طرق الطعن. فاحتمال أن ترى المحكمة الإدارية أن النزاع يتعلق بصحة النيابة، فيقضى بعدم الاختصاص، مع احتمال أن ترى محكمة التمييز أن ميعاد المادة (71) لا ينطبق لعدم وجود نتائج انتخابية جديدة منشورة، قد يفضي عمليًا إلى فراغ إجرائي يهدد حق المتقاضين في الوصول إلى قاضيهم الطبيعي.
ومن هنا فإن معيار الحسم لا ينبغي أن يكون الأثر السياسي أو البرلماني للقرار، بل طبيعته القانونية ومصدر الصفة النيابية. فإذا كان المصدر اقتراعًا عامًا منشئًا، انعقد الاختصاص وفق المادة (71). أما إذا كان المصدر قرارًا إداريًا لاحقًا بتطبيق نص ينظم الشغور، فإن النزاع ينصرف إلى مشروعية هذا القرار ويخضع لرقابة القضاء الإداري.
في ضوء ما تقدم، يتبين أن الأخذ بأي من الفرضيتين لا يستند إلى نص قاطع يحسم الجهة المختصة بصورة نهائية، بل يخضع لاجتهاد فقهي وقضائي في تكييف النزاع وتحديد طبيعته. فالنصوص القائمة لم تعالج بصورة صريحة مسألة الاختصاص في الطعن بقرارات ملء المقعد الشاغر، مما يجعل المسألة عند نقطة تماس بين اختصاص دستوري استثنائي واختصاص إداري عام.
ومن ثم لا يمكن الجزم ابتداءً بالجهة القضائية المختصة، إذ يتوقف الحسم على الكيفية التي سيستقر عليها الاجتهاد القضائي في توصيف القرار وطبيعته. وإلى أن يتبلور هذا الاستقرار، تبقى الإشكالية مفتوحة، بما يحمله ذلك من أهمية بالغة لمستقبل تنظيم الشغور النيابي وحدود الرقابة القضائية عليه. مقالات ذات صلة بعد واقعة السيدتين.. ذعر في إسرائيل بسبب “أسطوانات الأكسجين” 2026/02/14
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: صحة النیابة طعن فی قرار قرار إداری الطعن فی قرار ا
إقرأ أيضاً:
الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
د. سلطان العيسائي
أصبحت الحوكمة أحد المفاهيم المحورية في بناء المؤسسات الحديثة، لما تُمثله من إطارٍ يعزز كفاءة الأداء، ويرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات بما يحقق الاستدامة المؤسسية والتنموية. وفي ضوء التحولات الإدارية والاقتصادية المتسارعة، برز الاهتمام بالحوكمة بوصفها أداةً استراتيجية لرفع كفاءة الدول وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة المؤسسية. ومن هذا التوجه، جاء إدراج الحوكمة ضمن المحاور الرئيسة في رؤية "عُمان 2040"، بما يعكس التوجه نحو ترسيخ الإدارة القائمة على الكفاءة والاستدامة والفاعلية المؤسسية.
وفي البيئة العمانية، لا يمكن النظر إلى الحوكمة بوصفها خيارًا إداريًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل باتت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة، وما تتطلبه من رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، فالدول الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية واستدامة.
وقد أكدت رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه من خلال التركيز على مبادئ الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، كما ارتبطت الحوكمة في الرؤية بمستهدفات تتعلق بتحسين التنافسية العالمية، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز النزاهة المؤسسية.
وتشير العديد من المؤشرات الدولية إلى وجود علاقة مباشرة بين تطبيق الحوكمة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار المؤسسي، فوفقًا لتقارير البنك الدولي المتعلقة بمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن الدول التي تحقق مستويات مرتفعة في الشفافية والمساءلة وسيادة القانون غالبًا ما تتمتع بمعدلات أعلى في جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار. إلى جانب ذلك، فإن تقارير التنافسية العالمية تُظهر أن كفاءة المؤسسات تُعد من أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وعلى المستوى المحلي، شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير منظومة الحوكمة، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، أو التوسع في التحول الرقمي، أو تعزيز الرقابة المالية والإدارية، كما برز الاهتمام بتحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع الإجراءات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي قطاع التعليم العالي، تبرز الحوكمة الجامعية بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير الأداء الأكاديمي والإداري، من خلال تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والمسؤولية التنظيمية، فضلًا عن ذلك، فإن جودة الجامعات لم تعد تُقاس بمخرجاتها التعليمية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إدارية فاعلة تستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، بما يسهم في رفع الكفاءة المؤسسية وتحقيق الاستدامة والتنافسية.
وتسهم الحوكمة بصورة مباشرة في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهي قضية جوهرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فكلما ارتفعت مستويات الوضوح والمساءلة والعدالة في اتخاذ القرار، زادت ثقة الأفراد بالمؤسسات، وارتفعت مستويات الرضا والاستقرار المؤسسي.
ومن جانب آخر، فإن غياب الحوكمة أو ضعف تطبيقها يؤدي غالبًا إلى تضارب الصلاحيات، وضعف الكفاءة، وهدر الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وهي تحديات قد تؤثر بصورة مباشرة على جودة الأداء والتنمية، ومن هذا المنطلق؛ تُشكّل الحوكمة إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط العلاقة بين الصلاحيات والمسؤوليات؛ لتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ورفع مستوى الفاعلية والشفافية في بيئة العمل.
إن التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان تجعل من الحوكمة ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فنجاح الرؤى الوطنية لا يعتمد فقط على وضوح الخطط، بل على وجود مؤسسات قادرة على التنفيذ بكفاءة، واتخاذ القرار بفاعلية، وإدارة الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
وعليه، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى الحوكمة؟ بل كيف يمكن تعميق ثقافة الحوكمة وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية يومية تُسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف والاستدامة، ودولة أكثر جاهزية للمستقبل.