الرستاق.. شبابٌ يصنعون المستقبل بروح العطاء
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
صالح بن ناصر الغافري
الرستاق مدينة تتوهج بروح شبابها الذين جسدوا العطاء في صور متعددة؛ فالمبادرات التي انطلقت من القرى والفرق الأهلية والمؤسسات الصغيرة تحولت إلى مشاريع مؤثرة في حياة الناس، تجمع بين الرياضة والبيئة والصحة والسياحة والدين، وتؤكد أن هذه الولاية نابضة بالحيوية والإبداع.
ومن بين هذه النماذج مبادرة "مخبز سلمان" الرياضية التي جمعت الفرق الأهلية في منافسات ودية خلقت أجواء من التلاحم الاجتماعي وأبرزت مواهب رياضية واعدة يمكن أن تكون نواة لمستقبل مشرق، جاءت من مؤسسة أهلية صغيرة، لكنها تركت أثرًا كبيرًا؛ إذ وفرت للشباب منصة لإطلاق قدراتهم وربطت الرياضة بالمسؤولية المجتمعية، والدعوة قائمة لأن تتسع لتشمل رجال الأعمال والمؤسسات الأخرى ليطلقوا دوريات مشابهة فتكون المنافسة بينهم في الخير والعطاء.
وبرزت كذلك مبادرة شباب العزم للمشي والمغامرات التي نظمت مسيرات رياضية وسياحية شارك فيها الآلاف وأسهمت في الترويج السياحي للرستاق وتعزيز الصحة واللياقة البدنية إلى جانب غرس قيم التعاون والانتماء بين المشاركين، وأظهرت كيف يمكن للشباب أن يجمعوا بين الرياضة والسياحة والثقافة في مشروع واحد يخدم المجتمع ويبرز جماليات المكان.
ولم يقتصر دور الفرق الرياضية على الملاعب؛ بل امتد إلى المجتمع عبر تنظيف منابع الأفلاج والأشجار وإنارة بعض القرى وتنظيم حملات التبرع بالدم، وهي أعمال إنسانية وبيئية تعكس وعي الشباب بأهمية خدمة مجتمعهم وحماية بيئتهم. كما ظهرت مبادرة مجلس جماهير الرستاق التي دعمت نادي الرستاق والفرق الأهلية وحصدت جوائز وطنية وأسهمت في رفع اسم الولاية رياضيًا وإعلاميًا وأصبحت نموذجًا للعمل الجماعي المنظم.
وفي جانب آخر، أسهمت مبادرة البنوك في تعشيب الملاعب وعلى رأسها برنامج الملاعب الخضراء لبنك مسقط الذي دعم عشرات الفرق الأهلية بإنشاء ملاعب معشبة حديثة مما وفر بيئة مناسبة لممارسة الرياضة وصقل المواهب وحول الملاعب إلى مراكز تجمع مجتمعية وثقافية. كما كان لأصحاب المحلات الرياضية وأسواق مجان للتخفيضات دور بارز في دعم الفرق الأهلية ورعاية الفعاليات وتوفير فرص عمل للشباب، وهو جهد يستحق الثناء لما له من أثر مباشر في استمرار النشاط الرياضي والمجتمعي.
ولم تغب الثقافة والفنون عن المشهد، فقد قدمت فرقة الرستاق المسرحية عروضًا مميزة أسهمت في نشر الوعي الثقافي والفني بين الشباب، ونظمت مهرجانات استقطبت فرقًا من داخل السلطنة وخارجها، فيما جسدت فرق الفنون الشعبية الهوية العمانية من خلال فنون الرزحة والعازي وغيرها، وأسهمت في نقل التراث بين الأجيال وتعزيز الانتماء الوطني. كما أن اللجنة الثقافية لنادي الرستاق نظمت مبادرات إنسانية مثل توزيع السلال الغذائية للأسر المحتاجة خاصة في رمضان، في صورة تعكس قيم التكافل والرحمة وتبرز النادي كمنصة تجمع بين الرياضة والثقافة والعمل الخيري.
وشهدت الولاية أيضًا مبادرات مثل آفاق الرستاق التي ركزت على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإحياؤها اليوم مع إضافة جوانب جديدة سيمنح المجتمع دفعة قوية نحو التنمية والتكافل، ومن الأفكار التي يمكن أن ترى النور مبادرة إفطار صائم جماعية على مستوى القرى والأحياء وحلقات قرآنية شبابية ومسابقات لحفظ القرآن ومبادرات خيرية لتوزيع السلال الغذائية وتنظيف المساجد وصيانتها قبل رمضان.
هذه النماذج تؤكد أن ولاية الرستاق تمتلك طاقات شبابية ومجتمعية هائلة، وأنها قادرة على تحويل الأفكار البسيطة إلى مشاريع مؤثرة تعزز التنمية المستدامة وتبني مجتمعًا أكثر تماسكًا ووعيًا، ومن هنا تأتي المطالبة بزيادة هذه المبادرات وتوسيع نطاقها لتشمل مجالات أوسع مع تشجيع القطاع الخاص على أن يكون شريكًا فاعلًا في هذه المسيرة لما لذلك من أهمية في رفع مستوى الوعي المجتمعي وإشراك الشباب في صناعة المستقبل.
إن المبادرات الشبابية والأهلية إلى جانب مبادرات القطاع الخاص في ولاية الرستاق هي نبض المجتمع وروحه المتجددة، وهي الطريق إلى مجتمع أكثر قوة وتماسكًا، لذلك فإن دعمها واستمرارها ضرورة وطنية وإنسانية تضمن استمرار العطاء وتحقيق التنمية وصناعة مستقبل مشرق لأبناء الولاية والوطن، ونحن نتطلع أن تمتد هذه المبادرات لتشمل كل قرية من قرى وولايات سلطنة عُمان وأن يُخلق التنافس الشريف في ميادين الخير والعطاء ليبقى الوطن شامخًا بأبنائه.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..