د. أحمد بن موسى البلوشي

في زمنٍ تتشابك فيه التكنولوجيا مع تفاصيل الحياة اليومية، ويغدو الفضاء الرقمي فاعلًا أساسيًا في تشكيل الوعي والسلوك، يأتي التوجيه السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- ليؤكد أن صيانة القيم المجتمعية مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل. فقد وجّه جلالته بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، والعمل على صياغة سياسات واضحة ومحكمة تعزز السلوكيات الإيجابية، وتحد من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي.

وهو توجيه يجسد رؤية عميقة مفادها أن الإنسان العُماني هو محور التنمية وغايتها، وأن العمران الحقيقي يبدأ من بناء القيم قبل تشييد البنيان.

لقد أعادت الثورة الرقمية صياغة أنماط التفاعل الإنساني، فصارت منصات التواصل مساحة مفتوحة للتعبير والتأثير، تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن، ومع ما تتيحه هذه المنصات من فرص للتعلم والتقارب، فإنها في المقابل أفرزت تحديات سلوكية متنامية، من انتشار الشائعات، إلى تصاعد خطاب الكراهية، مرورًا بالتنمُّر الإلكتروني، ووصولًا إلى ثقافة المقارنات الاجتماعية التي تؤثر في تقدير الذات، خاصة لدى فئة الشباب. وهذه الظواهر لا تعني انحسارًا في منظومة القيم، بقدر ما تكشف عن فجوة بين تسارع التحول الرقمي وبطء الأدوات التربوية والتنظيمية في مواكبته.

إنَّ التعاطي مع هذا الواقع لا يمكن أن يقوم على ردود فعل عابئة؛ بل يتطلب منهجًا علميًا رصينًا في التشخيص والتحليل. ففهم المتغيرات السلوكية يستدعي دراسات ميدانية معمقة، ومؤشرات قياس موضوعية، ترصد التحولات بدقة وتحدد الفئات الأكثر تأثرًا بها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة وطنية للرصد والمتابعة، تُمد صانع القرار ببيانات موثوقة تُبنى عليها سياسات مستدامة، قائمة على المعرفة لا على الانطباع.

غير أن التشخيص ليس سوى الخطوة الأولى؛ فالمعالجة الحقيقية تتطلب سياسات متكاملة ومتوازنة، ويأتي في مقدمتها تحديث الأطر التشريعية المنظمة للفضاء الرقمي، بما يكفل حماية المجتمع دون الإخلال بمبادئ الانفتاح والمسؤولية. كما أن المدرسة مطالبة بدور أعمق في بناء الوعي الرقمي، بحيث تتحول التربية على الاستخدام المسؤول للتقنية إلى جزء أصيل من العملية التعليمية، يُكسب الطلبة مهارات التفكير النقدي ويمنحهم بوصلة أخلاقية تحكم تعاملهم مع المحتوى المفتوح.

وتبقى الأسرة الركيزة الأساسية في هذا البناء؛ فالحماية لا تتحقق بالمنع الصارم، بل بالحوار الواعي والثقة المتبادلة، وعندما يخصص الوالدان وقتًا حقيقيًا لأبنائهما، ويناقشانهم فيما يشاهدونه ويتفاعلون معه، ويجسدان في سلوكهما نموذجًا رقميًا مسؤولًا، فإنهما يغرسـان حصانة داخلية أعمق أثرًا من أي رقابة خارجية. إن القدوة الرقمية الصادقة هي الرسالة الأبلغ، وهي السياج الذي يحمي الأبناء من الانجراف وراء أنماط سلوكية سلبية.

أما المجتمع، بمؤسساته الثقافية والشبابية والرياضية، فيتحمل مسؤولية احتضان الطاقات وتوجيهها. فالأنشطة التطوعية والبرامج الثقافية ليست مجرد فعاليات عابرة، بل منصات عملية لبناء الانتماء وتعزيز روح المواطنة، والمجتمع الذي يمنح شبابه فرصًا حقيقية للإبداع والمشاركة، يقلل من احتمالات انجذابهم إلى مسارات سلوكية غير منضبطة، ويحول طاقاتهم إلى قوة إيجابية في مسار التنمية.

وفي السياق ذاته، يبرز الإعلام بوصفه شريكًا محوريًا في صناعة الوعي. فالإعلام اليوم مدعو لأن يكون منصة تثقيف وتنوير، تنتج محتوى هادفًا وجاذبًا، وتسلط الضوء على النماذج المشرقة، وتتصدى للشائعات وخطاب الكراهية بمهنية ومسؤولية. كما أن إشراك المؤثرين الرقميين في نشر ثقافة السلوك المسؤول يمثل توظيفًا واعيًا لأدوات العصر في خدمة القيم، بدل تركها عرضة للاستخدام العشوائي.

إنَّ التوجيه السامي ليس مجرد استجابة لظرف آني، بل هو دعوة إلى مشروع حضاري متكامل يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه جوهر التنمية. فالقيم لا تُفرض بقرارات، بل تُبنى عبر شراكة واعية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام ومؤسسات الدولة. وحين تتكامل هذه الجهود في إطار وطني منظم، تتحول التحديات الرقمية إلى فرص لتعزيز التماسك، وتصبح أدوات العصر جسورًا للنهوض لا معاول للتفكك.

وفي الختام.. يبقى الاستثمار في الإنسان هو المشروع الأسمى والأبقى. فالمجتمع الذي يحمي قيمه ويجدد أدوات ترسيخها، ويحصن أبناءه بالوعي والمعرفة، إنما يبني وطنًا راسخ الجذور، قادرًا على مواجهة المتغيرات بثقة واتزان. وهكذا تتحول التوجيهات السامية من كلمات ملهمة إلى واقع حيّ يُجسده سلوك يومي مسؤول، وأجيال واعية، ومجتمع متماسك يجمع بين أصالة الهوية وروح العصر.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

تحولات الشهرة في العصر الرقمي

 

د. هبة العطار

مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.

في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.

منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!

لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.

لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.

وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.

ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.

غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.

هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.

وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.

ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.

إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • «محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» تطلق «الدليل إلى فلسفة الدين»
  • «مجرى» يطلق حملة «المسؤولية المجتمعية قول وفعل»
  • “مجرى” يطلق حملة “المسؤولية المجتمعية قول وفعل”
  • مصر عاصمة التعهيد الرقمي
  • محافظ أسوان يوجه بمراجعة عقود المحلات وتحديث القيم الإيجارية وفقاً للأسعار الحالية
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • العلمين الجديدة تتحول إلى «جوهرة البحر المتوسط» ووجهة سياحية عالمية متكاملة