أرجوان الأمل.. فتيات غزة يبحن بالألوان في وجه الإبادة غزة
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
في أحد مراكز الإيواء المنتشرة في قطاع غزة، يسود ما يشبه الهمس الجماعي. لا موسيقى ولا خطابات، فقط صوت الفرشاة على اللوحة، وأنفاس فتيات يبحثن عن قدر من الطمأنينة وسط ضجيج طائرات لا يتوقف.
هنا، لا ينظر إلى الفن كمهارة أو هواية، بل كحاجة نفسية وملاذ مؤقت من ثقل الواقع. على الطاولات الصفراء، تتناثر ألوان الإكريليك، بعضها مفتوح بعجلة، كأن اللون نفسه يسابق اللحظة.
رائحة الطلاء تختلط برائحة النزوح، لتصنع مزيجا قاسيا لكنه مشحون بإمكانية النجاة. لا أحد يسأل: ماذا سترسمين؟ بل: ماذا تحملين في داخلك؟
للعام الثالث، يرزح قطاع غزة تحت واقع إنساني ضاغط، ترك أثره العميق على الفتيات اليافعات، حيث تراكمت مشاعر الخوف والفقد والحرمان. في هذا السياق، جاءت مبادرة "أرجوان" لتقترب من الداخل الإنساني للفتيات عبر الفن، بوصفه لغة بديلة تقول ما تعجز الكلمات عنه.
ما وراء اللون، لا تقرأ اللوحات بسطحها فقط؛ فخلف كل خط متردد حكاية مؤجلة، وخلف كل لون داكن خوف لم يجد طريقه إلى الكلام. الفتيات لا يبدأن بالرسم لأن لديهن فكرة، بل لأن المشاعر تبحث عن شكل، فيتحول البياض إلى مساحة اعتراف، واللون إلى تفريغ صامت.
تغمس إحدى الفتيات فرشاتها في الأحمر، لا لترسم دما، بل لتقول إنها ما زالت تشعر. أخرى تختار الأزرق بكثافة، كأنها تحاول تهدئة ضجيج داخلي. لا توجد قراءة واحدة لهذه الأعمال، لكن المشترك بينها أنها لا تسعى لإبهار العين، بل لتخفيف ثقل القلب.
الفن، في هذا السياق، ليس ترفا ولا زينة، بل ضرورة نفسية. هذه الزاوية تحديدا هي ما تسعى مبادرة «تجسيد لوحة الأمل» إلى تكريسه؛ أن يكون الفن مساحة آمنة لتحويل المشاعر المكبوتة إلى رسائل بصرية، دون رقابة، ودون خوف من الحكم.
فتيات في أعمار حرجة، يحملن ما يفوق أعمارهن من القلق، وجدن في اللون طريقة للبقاء متماسكات.
إعلان جناح داخليفي قلب اللوحة الجماعية، يبرز جناح أبيض واسع، غير مكتمل لكنه حاضر بقوة. لا يرمز للطيران فقط، بل يعبر عن حاجة نفسية للهروب المؤقت من ثقل الواقع.
تحيط به ألوان متناقضة؛ الأحمر إلى جوار الأزرق، والبرتقالي يقطع المساحة فجأة، في انعكاس واضح لاضطراب الداخل الإنساني. إلى جانب الجناح، كتبت الفتيات مقولة إيليا أبو ماضي: "لو أن الأمل يرى، لأهديتك منه جناحا تطير به فوق كل ألم".
الكلمات هنا ليست زخرفة، بل تعبير مباشر عن حاجة نفسية ملحة؛ فالأمل أداة نجاة لا فكرة مجردة. كما تتكرر صورة "العنقاء" في العمل، طائر أو إنسان يولد من الرماد. لم يكن الرمز مخططا له، بل خرج تلقائيا من النقاش الجماعي، ليعبر عن رغبة الفتيات في النهوض من الألم دون إنكاره أو الاستسلام له.
تشرح منسقة فريق أرجوان مروج الجرو الفكرة الأساسية للمشروع "تقوم على خلق مساحات نفسية آمنة"، مضيفة أن "أرجوان فريق شبابي تطوعي من مدينة غزة، تعمل على تنفيذ أنشطة فنية وثقافية وتوعوية تستهدف الفتيات اليافعات بين 14 و17 عاما، بهدف تمكينهن من التعبير عن أنفسهن من خلال الفنون، والمشاركة في أنشطة مرتبطة بواقعهن".
توضح الجرو للجزيرة أن مبادرة "تجسيد لوحة الأمل" جاءت نتيجة ملاحظة حاجة نفسية حقيقية لدى الفتيات بعد سنوات من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. "لاحظنا أن كثيرا من الفتيات يحملن مشاعر مكبوتة، لا يجدن طريقة للتعبير عنها. من هنا، وفرنا مساحة آمنة، بلا ضغط، وبلا تقييم، ليتمكنّ من إعادة ترتيب مشاعرهن، وبناء ثقتهن بأنفسهن".
وتشير إلى أن النشاط بدأ بجلسة نقاش حول مقولة إيليا أبو ماضي، ليس بوصفها مادة أدبية، بل كنقطة انطلاق نفسية. "المهم لم يكن الرسم بحد ذاته، بل ما يحدث أثناء الرسم: التفاعل، الضحك، الصمت، والقدرة على الشعور بالأمان داخل جماعة تشبهك".
مشاعر فرحبالنسبة للفنانة التشكيلية فرح عجور (19 عاما)، لم تكن الورشة مجرد نشاط فني. تقول: "في فترة النزوح الثانية، كنت أعيش ضغطا نفسيا شديدا، طاقتي كانت منطفئة، ولم أعد قادرة على التعبير عما بداخلي".
تصف تلك المرحلة بأنها كانت محاطة بالخوف والتوتر، دون مساحة للتفريغ، وتضيف للجزيرة: "بعد مشاركتي في هذه الورشة، شعرت بالأمان من جديد. الرسم هنا لم يكن مطلوبا أن يكون جميلا، بل صادقا. هذا وحده أحدث فرقا كبيرا".
وبالنسبة لفرح، كان الشعور بأنها ليست وحدها، وأن ما تشعر به مفهوم ومشترك، عنصرا أساسيا في التجربة.
ترى فرح أن الفن في غزة ليس رفاهية، وتقول: "الفن هنا وسيلة مقاومة نفسية. حين نوفر مساحة آمنة، تتحول المشاعر تلقائيا إلى ألوان ورسائل. هذه المبادرات، رغم بساطة إمكانياتها، قريبة من الناس، ونابعة من واقعهم، ولهذا تترك أثرا حقيقيا".
تتحدث الطالبة في الثانوية العامة أمل درويش (17 عاما) بهدوء عن تجربتها "قبل التعرف على فريق أرجوان، لم تكن لدي مساحة آمنة للتعبير. كانت أفكاري مشتتة، وأشعر أنني أحمل أشياء لا أعرف كيف أخرجها"
إعلانتقول إن انضمامها إلى الأنشطة الفنية غير نظرتها لنفسها، "أصبحت أكثر تفاؤلا، وتعرفت على أشخاص إيجابيين. الرسم ساعدني على فهم مشاعري، حتى تلك التي لم أكن قادرة على تسميتها".
بالنسبة لها، التجربة لم تكن فنية فقط، بل إنسانية بالدرجة الأولى. تختم أمل حديثها إلينا بدعوة واضحة: "تمنيت لو عرفت فريق أرجوان منذ وقت مبكر. هذه المساحة مهمة لكل فتاة تشعر أن بداخلها شيئا يريد أن يقال".
نجاة نفسيةفي هذا الصدد، يرى ياسر أبو جامع، مدير برنامج غزة للصحة النفسية، أن الفن لم يعد في سياق الحرب ترفا أو نشاطا جانبيا، بل تحول إلى وسيلة إنقاذ نفسي، خاصة لدى الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن محاصرات بخسارات متراكمة لا يمتلكن دائما القدرة على التعبير عنها بالكلام.
ويقول للجزيرة إن الرسم، والتطريز، والكتابة، وحتى التلوين البسيط، تساعد على إعادة تنظيم المشاعر الداخلية، وتمنح الفتاة إحساسا بالسيطرة في واقع فقدت فيه السيطرة على كل شيء تقريبا. ويضيف "حين تمسك الفتاة بالفرشاة أو القلم، فهي لا تخلق عملا فنيا فحسب، بل تعيد ترتيب فوضى داخلية، وتمنح نفسها لحظة تنفس وسط الاختناق اليومي".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مساحة آمنة
إقرأ أيضاً:
ميدو عادل: أشجع الأهلي في إفريقيا لكن انتمائي الأول للزمالك
قال الفنان ميدو عادل إنه من مشجعي الأهلي عندما يلعب خارج مصر، خاصة في البطولات الإفريقية، بينما يظل انتماؤه الأساسي لنادي الزمالك وليس متعصبًا، موضحًا أنه لا يتأثر كثيرًا بالخسارة إذا كان الأداء جيدًا.
أضاف عادل، خلال استضافته ببرنامج «ست ستات» على قناة dmc، أنه لم ينزعج من تعادل الزمالك مع إنبي مؤخرًا، لأن الفريقين قدما مباراة قوية، لكنه شعر بالحزن في المباراة الأخيرة ببطولة إفريقيا لأن الزمالك كان يستحق الفوز ولم يحققه.
أشار إلى أن انفعاله مع المباريات لا يتجاوز لحظة الغضب، مؤكدًا أن كرة القدم مثل الفن، لا يجب أن يعيش الإنسان حزينا بسبب نتيجة مباراة أو مشهد لم ينجح فيه، بل يتعلم ويمضي قدمًا.
وكشف أن ابنته حلم كانت لديها نزعة التمسك بالرأي والاعتقاد بأنها دائمًا على صواب، لكنه يحاول أن يخفف عنها هذه الفكرة، موضحًا أنه لا يوجد في الرياضة أو الفن من هو رقم واحد دائمًا، وأن الحقيقة المطلقة بيد الله وحده، وما عدا ذلك مجرد منافسة وتجارب في الحياة.