لم تكشف وزارة العدل الأمريكية، عند نشرها وثائق قضية جيفري إبستين، عن فضائح جنسية فقط، الوثائق عرضت شبكة علاقات واسعة ومعقدة تحرك داخلها الرجل لسنوات، بعض الروايات ربطت اسمه بجهات استخبارية، بينها جهاز «الموساد»، لكن هذه المزاعم ما زالت محل جدل ولم تثبتها أحكام قضائية، المؤكد أن إبستين استقطب شخصيات نافذة من عوالم السياسة والمال، وتحرك في دوائر مغلقة بثقة واضحة، مستفيدًا من ثروته ونفوذه وعلاقاته العابرة للحدود.

الوثائق ترسم صورة شبكة ضمت رؤساء دول حاليين وسابقين، ورؤساء وزارات ووزراء ومسؤولين بارزين، بعضهم زار منزله في نيويورك، وبعضهم سافر على متن طائرته الخاصة، كما ورد اسم جزيرته «ليتل سانت جيمس» في جزر العذراء الأمريكية ضمن ترتيبات زيارات خاصة، المستندات لا تتضمن اتهامات جنائية لهؤلاء السياسيين، لكنها تكشف أساليب الاستقطاب التي اعتمدها إبستين، معتمدًا على المال، والنفوذ، وإدارة علاقات دقيقة عبر قارات عدة.

مثّلت «ليتل سانت جيمس» رمزًا للشبكة المغلقة التي بناها جيفري إبستين، ورغم أن الوثائق لا تثبت زيارة جميع من ذكرت أسماؤهم للجزيرة، إلا أنها تكشف عن ترتيبات سفر ومناقشات حول زيارات محتملة. أصبحت الجزيرة لاحقًا محور الاتهامات المتعلقة بالاتجار الجنسي بالقاصرات. انتحر إبستين في سجنه عام 2019، لكن الوثائق التي تواصل وزارة العدل الأمريكية مراجعتها - والتي تتجاوز ثلاثة ملايين صفحة - أعادت تسليط الضوء على قدرته الاستثنائية على الاقتراب من مراكز القرار السياسي عالميًا، حتى بعد إدانته الأولى.

قدّم جيفري إبستين نفسه ممولًا دوليًا يهتم بالاقتصاد والبحث العلمي والعمل الخيري. أحاط نفسه بعلماء واقتصاديين، وأعلن استعداده لتمويل مبادرات أكاديمية ومشروعات بحثية. هذا الخطاب فتح له أبوابًا في أعلى هرم السلطة. الوثائق تشير إلى أنه لعب دور وسيط يجمع رجال المال وصناع القرار في لقاءات خاصة لمناقشة قضايا الاقتصاد والتنمية. بهذه الصيغة منح تلك الاجتماعات غطاءً مشروعًا وجعلها جذابة لعدد من الشخصيات النافذة.

تُظهر مراجعة الوثائق ونمط المراسلات أن جيفري إبستين اعتمد أدوات محددة لاستقطاب شخصيات سياسية بارزة، وجّه دعوات حصرية إلى منزله في مانهاتن وإلى جزيرته الخاصة «ليتل سانت جيمس» في جزر العذراء الأمريكية، وقدم هذه اللقاءات على أنها جلسات نقاش فكري أو اجتماعي بين نخبة محدودة، وفّر طائرات خاصة وترتيبات لوجستية فاخرة عززت الطابع النخبوي للعلاقة، ومنحت المدعوين إحساسًا بالخصوصية والتميز.

اعتمد إبستين أيضًا على شبكة وسطاء ومعارف مشتركة في المال والإعلام والعمل الخيري لتسهيل التعارف الأولي وإضفاء قدر من الثقة، روّج لنفسه بوصفه ممولًا مثقفًا يهتم بالعلوم والاقتصاد والفلسفة، ونظم لقاءات مع أكاديميين لتعزيز هذه الصورة. كما استفاد من حضور شخصيات معروفة داخل دائرته لجذب آخرين، في دائرة متبادلة تعزز المكانة الاجتماعية وتوسع النفوذ.

ظهر اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، حيث تضمنت آلاف الإشارات إليه ضمن مراسلات ومواد جرى تداولها بين إبستين وآخرين. شملت تلك المواد رسائل بريد إلكتروني تتناول مقالات إخبارية عن ترامب وتعليقات على مواقفه السياسية، إضافة إلى أحاديث متبادلة عنه وعن أفراد من عائلته، كما كشفت وزارة العدل الأمريكية عن جدول بيانات أُعد في أغسطس الماضي يلخص مكالمات واردة إلى خطوط إبلاغ تابعة لجهات إنفاذ القانون من أشخاص قالوا إن لديهم معلومات تتعلق بمخالفات مزعومة، من دون أن تشير الوثائق إلى توجيه اتهامات قضائية مثبتة في هذا السياق.

على غرار دونالد ترامب، أمضى الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون وقتًا مع جيفري إبستين قبل أكثر من عقدين، وسافر أحيانًا على متن طائرته الخاصة المعروفة إعلاميًا باسم «لوليتا إكسبريس». محامو كلينتون قالوا إنه أنهى علاقته بإبستين بعد أولى التهم الجنائية التي واجهها عام 2006، ملف التحقيق يضم صورًا لكلينتون وشخصيات عامة داخل منزل إبستين في نيويورك، ويتضمن رسائل من مواطنين طالبوا بتفسير أسباب عدم التحقيق معه.

ومن بين الأسماء التي وردت في الوثائق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك. أقر باراك بزياراته لمنزل إبستين في نيويورك وبسفره على متن طائرته الخاصة، الوثائق تشير إلى تواصل منتظم بينهما لسنوات، حتى بعد إقرار إبستين بالذنب عام 2008 في فلوريدا، المراسلات تضمنت ترتيبات إقامة واجتماعات ومكالمات هاتفية، إضافة إلى خطط لزيارة في 2017. شغل باراك رئاسة الحكومة بين 1999 و2001 ثم تولى وزارة الدفاع، بعض المراقبين يطرحون تساؤلات حول طبيعة العلاقة وتنسيقها.

لارى سامرز، وزير الخزانة السابق في عهد بيل كلينتون والرئيس السابق لجامعة هارفارد، كان أحد معارف جيفري إبستين المقربين لفترة طويلة. الوثائق الجديدة تشير إلى اجتماعات ووجبات عشاء جمعتهما، وتظهر مراسلات إلكترونية بينهما عام 2019 بعد اتهام إبستين بالاعتداء الجنسي على قاصرين. في إحدى الرسائل ناقش سامرز علاقة بإحدى النساء، وكتب: «أنتِ خجولة للغاية». فرد إبستين: «لقد كان رد فعلك جيدًا». تكشف هذه المراسلات عن قرب العلاقة وطبيعة التواصل بين الشخصيتين في أجواء خاصة ونخبوية.

أظهرت الوثائق تورط الملياردير الأمريكي ومؤسس شركة مايكروسوفت، بيل جيتس، وزيارته المتكررة لجزيرة إبستين، مع اعترافه لاحقًا بندمه على علاقته به. تشير الوثائق إلى أن إبستين كان يستفيد من علاقاته الدولية ليقدّم نفسه حلقة وصل بين قادة سابقين ومستثمرين وأصحاب رؤوس أموال، ما عزز صورته كشخصية نافذة وعابرة للحدود.هذه العلاقات مكنت إبستين من الحفاظ على شبكة قوية من النفوذ الاجتماعي والمالي، وتوسيع تأثيره داخل أوساط السياسة والمال.

في سياق متصل، لاحقت الاتهامات الأمير أندرو بشأن علاقته بإبستين، لا سيما مزاعم الراحلة فيرجينيا روبرتس جوفري بأنها تعرضت للاتجار بالبشر وأُجبرت على ممارسة الجنس معه في سن السابعة عشرة. نفى الأمير الأسبق تلك المزاعم مرارًا، لكن شقيقه، الملك تشارلز الثالث، جرّده من ألقابه الملكية في نهاية العام الماضي، بما في ذلك لقب «أمير». تُظهر هذه القضية مدى تعقيد شبكة إبستين وتأثيرها على العائلات الملكية والسياسية.

كما يظهر اسم الملياردير الأمريكي ومؤسس شركة تسلا، إيلون ماسك، في عدة مراسلات خلال 2012 و2013 حول زياراته لجزيرة إبستين، إلى جانب مؤسس مجموعة فيرجن، ريتشارد برانسون، الذي تبادل معه رسائل وزيارات. في رسالة من 2013 دعا إبستين برانسون إلى جزيرته التي استضافت مؤتمرات وفعاليات خيرية، وكتب: «الجزيرة تستضيف بانتظام مؤتمرات ضخمة وفعاليات خيرية واجتماعات عمل». وفي رسالة أخرى اقترح برانسون تحسين صورة إبستين عبر تشجيع بيل جيتس على التصريح علنًا بأن إبستين كان «مستشارًا بارعًا له» وأنه «تعلّم الدرس جيدًا ولم يرتكب أي مخالفة للقانون منذ ذلك الحين».

كشفت الوثائق المسربة عن تبادل كيسي واسرمان رسائل بريد إلكتروني ذات طابع غزل مع غيسلين ماكسويل، المقربة من جيفري إبستين. لم تقتصر شبكة إبستين على الرؤساء السابقين، فقد أظهرت الوثائق أيضًا تبادل مئات الرسائل بينه وبين المستشار السياسي الأمريكي ستيف بانون، تناولت السياسة وخططًا لإنتاج فيلم وثائقي يهدف إلى تحسين صورته العامة قبل اعتقاله عام 2019. هذه المراسلات تكشف مدى اتساع شبكة علاقاته وتأثيره في دوائر النخبة.

تشدد السلطات الأمريكية على أن ورود الأسماء في السجلات لا يعني تورطها في جرائم، لكن نمط العلاقات الذي تكشفه الوثائق يثير تساؤلات أعمق حول كيفية تمكّن شخص مدان بجرائم جنسية من الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع شخصيات سياسية مرموقة لسنوات.

بدأت القضية كملاحقة جنائية لممول نافذ، لكنها تحولت إلى مرآة لتداخل السياسة بالمال والنفوذ الاجتماعي، وتطرح سؤالًا لا يزال مفتوحًا: كيف استطاع إبستين تحويل جزيرته إلى نقطة التقاء للنخبة السياسية العالمية قبل أن تصبح أحد أكثر المواقع إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث؟.

اقرأ أيضاًالعدل الأمريكية تنشر قائمة جديدة من ملفات إبستين تشمل الأمير هاري وكيم كاردشيان

عاجل| رئيس وزراء بريطانيا: أوروبا تمتلك قدرات دفاعية هائلة.. وعلينا التخفيف من التبعية لأمريكا

بسبب صلته بإبستين.. وزير فرنسي سابق يستقيل من رئاسة معهد العالم العربي

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: إبستين الموساد جزر العذراء الأمريكية جزيرة إبستين جزيرة ليتل سانت جيمس قضية جيفري إبستين وثائق إبستين وزارة العدل الأمريكية العدل الأمریکیة جیفری إبستین

إقرأ أيضاً:

طلبات إعانة البطالة الأمريكية تهبط لأدنى مستوى منذ 1969

انخفض عدد الأمريكيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من خمسة عقود خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار متانة سوق العمل، وهو ما يمنح مجلس الاحتياطي الفدرالي مساحة أكبر للإبقاء على تركيزه على مكافحة التضخم.

وأعلنت وزارة العمل الأمريكية، اليوم الخميس، تراجع الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة بمقدار 22 ألف طلب، وهو أكبر انخفاض أسبوعي في ثلاثة أشهر، إلى 187 ألف طلب بعد التعديل في ضوء العوامل الموسمية خلال الأسبوع المنتهي في 18 يوليو/تموز، مقارنة مع توقعات المحللين البالغة 212 ألف طلب.

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3قوة باقية وهيمنة تتآكل.. ماذا تغير في مكانة أمريكا الاقتصادية؟list 2 of 3التوظيف الأميركي يتباطأ في يونيو والبطالة عند 4.2%list 3 of 3الاقتصاد الأمريكي ينمو 2.1% والتضخم بأعلى مستوى في 3 سنواتend of list

ويعد هذا أدنى مستوى للطلبات الأولية منذ سبتمبر/أيلول 1969، كما يغطي التقرير أسبوع المسح الذي يعتمد عليه تقرير الوظائف الشهري لشهر يوليو/تموز، المقرر صدوره خلال نحو أسبوعين، مما يجعله مؤشرا مبكرا على أوضاع سوق العمل.

كما انخفض عدد المستفيدين المستمرين من إعانات البطالة، وهو مؤشر يعكس قوة الطلب على العمالة، إلى 1.796 مليون شخص في الأسبوع المنتهي في 11 يوليو/تموز، وهو أدنى مستوى في ستة أسابيع.

وتراجع المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع، الذي يخفف أثر التقلبات الأسبوعية، إلى 207.5 آلاف طلب مقارنة مع 214.75 ألفا في الأسبوع السابق، بما يعزز المؤشرات على استمرار استقرار سوق العمل.

وكان معدل البطالة قد انخفض على غير المتوقع إلى 4.2% في يونيو/حزيران، وهو أدنى مستوى له خلال عام، إلا أن ذلك جاء نتيجة تراجع حجم القوة العاملة أكثر من كونه انعكاسا لتسارع وتيرة التوظيف.

الفدرالي والتضخم

وتأتي هذه البيانات قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في حين لا تزال أسواق العقود الآجلة ترجح تنفيذ زيادة واحدة على الأقل بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام.

إعلان

وتزايدت رهانات الأسواق على استمرار تشدد السياسة النقدية في ظل بقاء التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2%، خاصة مع المخاوف من أن تؤدي التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة إلى تجدد الضغوط التضخمية.

ويصف اقتصاديون سوق العمل الأمريكية بأنها تشهد توازنا غير معتاد بين محدودية المعروض من العمالة، وتباطؤ وتيرة خلق الوظائف، وانخفاض معدلات تسريح العاملين، وهو ما أبقى معدل البطالة عند مستويات تاريخية منخفضة.

ويرى مراقبون أن استمرار قوة سوق العمل يقلل مخاوف الاحتياطي الفدرالي بشأن تباطؤ النشاط الاقتصادي، ويمنحه مرونة أكبر للإبقاء على سياسة نقدية متشددة إلى حين التأكد من عودة التضخم إلى مستواه المستهدف.

مقالات مشابهة

  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • الخارجية الأمريكية: جماعة الإخوان تدير منظمات لدعم الإرهاب
  • توقيع 4 وثائق تعاون بين العراق وإيران
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • سقوط شبكة احتيال.. ضبط متهمين بقضايا مالية بـ«ملايين الدينارات»
  • أردوغان يشن هجوماً حاداً على نتنياهو: “رأس شبكة إبادة ومصيره سيكون كمصير هتلر”.
  • طلبات إعانة البطالة الأمريكية تهبط لأدنى مستوى منذ 1969