أسدل الستار على فعاليات «أيام الشارقة التراثية» في دورتها الثالثة والعشرين بعد أيامٍ حافلة بالحضور الثقافي والتفاعل المجتمعي، قدّمت خلالها الشارقة نموذجاً متجدداً للاحتفاء بالتراث بوصفه ذاكرة حيّة وهوية متواصلة. وجاءت الدورة هذا العام زاخرة بالبرامج والفعاليات التي تنقلت بين مدن الإمارة، مستحضرةً تفاصيل الحياة الإماراتية وموروثها الشعبي، ومؤكدةً مكانة الحدث منصةً جامعة للحكاية والفن والمعرفة.

تنقل بري وبحري يعزز تجربة الزائر

تميّزت الدورة الحالية بتفعيل منظومة التنقّل البري والبحري التي أتاحت للزوار الوصول إلى مواقع الفعاليات بسهولة، عبر الحافلات ووسائل النقل المائي بين المراسي، في تجربة متكاملة ربطت بين محطات الحدث وأعطت بعداً حيوياً للمشهد العام، بما يعكس حرص المنظمين على تقديم تجربة ثقافية ميسّرة وشاملة للجمهور.

مبادرات نوعية وفعاليات لافتة

شهدت هذه الدورة إطلاق أول طابع بريدي يوثّق «أيام الشارقة التراثية»، في خطوة رمزية تؤكد حضور الحدث في الذاكرة الوطنية بوصفه مناسبة ثقافية راسخة. كما استقطبت بطولة سقاية الماء التراثية اهتمام الجمهور، إلى جانب قوافل الخيل والإبل التي جابت ساحة التراث، مقدّمةً لوحات حيّة تستحضر مشاهد من الحياة القديمة وتعيد إحياء تفاصيلها في أجواء احتفالية نابضة.

كما شكّلت مشاركة جمهورية البرتغال، ضيف شرف الدورة، حضوراً لافتاً من خلال ما قدّمته من عروض فنية وورش تراثية عكست عمق العلاقات الدبلوماسية الممتدة بين دولة الإمارات والبرتغال على مدى خمسين عاماً، وأبرزت أوجه التشابه والتلاقي بين الموروث العربي والبرتغالي في أنماط الحياة والفنون والعمارة. وحضرت الصين ضيفاً مميزاً في قلب الفعاليات، مقدّمةً ملامح من فنونها وآدابها ومتاحفها وثقافتها، بما أضفى بعداً إنسانياً وثقافياً يعزز مفهوم التراث جسراً مفتوحاً بين الشعوب.

التراث جسر التواصل بين الاجيال والثقافات

وأكد سعادة الدكتور عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، أن الدورة الثالثة والعشرين جاءت امتداداً لمسيرة راسخة في صون التراث وتعزيز حضوره في المجتمع، مشيراً إلى أن التنوع في البرامج والمبادرات يعكس رؤية الشارقة في جعل التراث جسراً للتواصل بين الأجيال والثقافات.

من جانبه، أعرب سعادة أبوبكر الكندي، مدير معهد الشارقة للتراث، عن اعتزازه بالجهود التي بذلتها اللجان التنظيمية والكوادر العاملة، مثمناً دور الشركاء والرعاة والجهات الداعمة في إنجاح الحدث، ومؤكداً أن ما تحقق هو ثمرة تعاون وتكامل مؤسسي أسهم في تقديم دورة متميزة بكل المقاييس.

تكريم الشركاء والجهات الداعمة

وشهد الحفل الختامي تكريم الشركاء والجهات الداعمة والراعية واللجان التنظيمية والمتطوعين، تقديراً لإسهاماتهم في إنجاح هذه الدورة وإثراء فعالياتها، في مشهد عبّر عن روح العمل الجماعي والتقدير لكل من أسهم في تحقيق هذا المنجز الثقافي.

وبهذا الختام، تطوي «أيام الشارقة التراثية» صفحة دورة استثنائية، تاركةً وهجها ممتداً في الذاكرة، ومؤكدةً استمرار رسالتها في حفظ التراث وصون الهوية وإضاءتها للأجيال القادمة.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: أیام الشارقة التراثیة

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث
  • من الأردن إلى أمريكا.. يوم حافل بـ«الحوادث والكوارث» حول العالم
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
  • مكتبة الإسكندرية تستضيف معرض «ديارنا» لدعم الحرف التراثية
  • الهيئة الملكية تختتم أعمالها في موسم حج 1447هـ بنتائج تشغيلية وتنموية عززت تجربة ضيوف الرحمن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش